تواصل الحكومة الفرنسية تشديد إجراءاتها الأمنية في مواجهة موجة الاحتجاجات المتصاعدة ضد غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، بالتزامن مع استمرار المظاهرات في باريس ومدن أخرى، وسط مخاوف رسمية من اتساع الاضطرابات وتحولها إلى مواجهات واسعة مع قوات الأمن.
وأعلنت السلطات الفرنسية استمرار حظر تنظيم المظاهرات في مراكز المدن، رغم اعتراض النقابات والحركات الاحتجاجية على هذه الإجراءات، فيما أكد وزير الداخلية لوران نونيز أن مخاطر الإخلال بالنظام العام لا تزال قائمة، مشيرًا إلى نشر 70 ألفًا من عناصر الشرطة والدرك لتأمين التحركات الاحتجاجية والتعامل مع أي أعمال عنف أو تخريب.
وقال نونيز، في تصريحات للصحفيين نقلتها وسائل إعلام محلية، إن الأجهزة الأمنية ستتعامل بحزم مع أي تجاوزات، موضحًا أن قرارات السلطات المحلية بشأن منع المظاهرات في مراكز المدن ستظل سارية، رغم الانتقادات التي تعتبر أن نقل مسارات الاحتجاجات بعيدًا عن المناطق المركزية يمثل محاولة لتقليص ظهورها وتأثيرها.
وفي باريس، حُدد مسار المسيرة الاحتجاجية بين ساحتي الجمهورية والأمة، في حين أعلنت حركة «السترات الصفراء» عزمها تنظيم تجمع منفصل في ساحة الكونكورد، بالقرب من مقر الجمعية الوطنية، رغم قرار السلطات حظر هذا التحرك.
وشهدت العاصمة الفرنسية، السبت، احتجاجات جديدة تحت شعار «ضد غلاء المعيشة ومن أجل الشباب»، وسط انتشار أمني مكثف، فيما أشارت تقديرات سابقة إلى توقع مشاركة ما بين 40 ألفًا و60 ألف شخص في مظاهرات باريس.
وأفادت قناة «بي إف إم تي في» (BFMTV)، نقلًا عن بيانات محافظة باريس، بأن نحو 46 ألف شخص شاركوا في الاحتجاجات بالعاصمة، رافعين شعارات تطالب بتحسين أوضاع الشباب ومواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
وفي المقابل، سجلت المظاهرات تراجعًا في حجم المشاركة خارج العاصمة مقارنة بالتحركات السابقة، إذ شارك نحو 7 آلاف شخص في 68 مظاهرة بمختلف أنحاء البلاد حتى وقت مبكر من بعد ظهر السبت، وفق تقديرات نقلتها أوساط وزير الداخلية الفرنسي.
وكانت الحكومة تسعى إلى تفادي تكرار مشاهد الشغب والنهب التي رافقت احتجاجات 17 أكتوبر، والتي شهدت أضرارًا واسعة في المنشآت التجارية وتدخلًا مكثفًا من قوات الأمن.
وفي ساحة الكونكورد، تجمع نحو 100 شخص من حركة «السترات الصفراء» بعد ظهر السبت، رغم حظر السلطات للتجمع، فيما طوقت الشرطة المشاركين، الذين لم يكن معظمهم يرتدون السترات الصفراء، وأوقفت أحد قادة الحركة أمام مبنى الجمعية الوطنية، بحسب مراسلة وكالة الصحافة الفرنسية.
وأعلنت الحركة عزمها تنظيم نحو 120 تحركًا احتجاجيًا في مواقع مختلفة من فرنسا خلال السبت، مقارنة بنحو 1700 تحرك خلال احتجاجات 17 أكتوبر، في إطار محاولاتها مواصلة الضغط على الحكومة.
وفي سياق متصل، كشفت تقارير إعلامية بريطانية عن استعدادات أمنية فرنسية لمواجهة سيناريوهات أكثر خطورة، من بينها احتمال اقتحام المحتجين قصر الإليزيه، مقر الرئاسة الفرنسية، مشيرة إلى أن الرئيس إيمانويل ماكرون يمتلك مخبأً سريًا خارج باريس يمكن اللجوء إليه في حال سيطرة مثيري الشغب على محيط القصر أو اقتحامه.
وذكرت صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية، استنادًا إلى كتاب جديد بعنوان «الجيش الجديد للظلال»، أن السلطات الفرنسية أعدت موقعًا سريًا في إحدى ضواحي باريس ليكون ملاذًا للرئيس الفرنسي في حالات الطوارئ، على خلفية المخاوف من تصاعد الاحتجاجات الشعبية واتساع نطاق المواجهات.
ويحمل الكتاب توقيع الصحفيين بيير غاستينو وأنطوان إيزامبار وكافيه رينو، ويشير مؤلفوه إلى أن فكرة إعداد المخبأ ارتبطت جزئيًا بتجربة احتجاجات «السترات الصفراء» عام 2018، عندما واجه ماكرون غضبًا شعبيًا ومواقف عدائية من متظاهرين خلال تحركات احتجاجية واسعة.
وبحسب ما أورده المؤلفون، فإن المسؤولين الفرنسيين يدرسون احتمالات اندلاع موجات جديدة من الاحتجاجات، خصوصًا في حال فوز حزب التجمع الوطني الذي تنتمي إليه مارين لوبان في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وسط مخاوف من رفض قطاعات من الشارع الفرنسي قبول نتائج الانتخابات والخروج في احتجاجات واسعة.
وأشار الكتاب إلى أن سيناريو وصول جان لوك ميلانشون، مؤسس حزب «فرنسا الأبية»، إلى الرئاسة يثير مخاوف مختلفة لدى بعض المسؤولين، تتمثل في احتمال لجوء الشرطة إلى ما وصفه المؤلفون بـ«المقاومة السلبية»، بدلًا من تنفيذ توجيهات السلطة السياسية الجديدة.
ونقل الصحفيون عن مصادر رفيعة المستوى أن رئيس شرطة باريس باتريس فوري عقد اجتماعات متكررة لمناقشة احتمالات اندلاع انتفاضة أو اضطرابات واسعة، فيما درست وحدات شرطية خاصة خطط انتشارها لحماية البرلمان في حال وقوع مواجهات أو محاولات اقتحام.
كما أشار الكتاب إلى أن مسؤولًا استخباراتيًا كبيرًا حذر مؤلفيه في وقت مبكر من أبريل من احتمال مواجهة فرنسا عصيانًا واسعًا، في ظل التوترات الاجتماعية والسياسية التي تشهدها البلاد.
وفي سياق متصل، أفادت تقارير بأن السلطات الفرنسية تدرس خططًا أمنية إضافية لمواجهة احتمالات انهيار الحكومة أو اتساع المواجهات، تشمل نشر قوات لحماية المؤسسات الحيوية، إلى جانب الإشارة إلى إنشاء صندوق سري لتمويل قوات مقاومة محتملة، وفق ما نقلته الصحيفة البريطانية عن الكتاب.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع استمرار الضغوط النقابية والطلابية على حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، الذي أعلن عقد مؤتمر الاثنين المقبل بمشاركة النقابات العمالية واتحادات أصحاب الأعمال، لمناقشة الأجور والقدرة الشرائية وتداعيات ارتفاع تكاليف المعيشة.
وأكد لوكورنو، في رسالة وجهها الجمعة إلى الشركاء الاجتماعيين، أنه يستمع إلى المطالب المتعلقة بتحسين الأجور والقدرة الشرائية، وكذلك المخاوف التي يعبر عنها أصحاب الأعمال، مشيرًا إلى أن المؤتمر يهدف إلى تقديم ردود ملموسة على تطلعات الفرنسيين.
وأبدت الحكومة استعدادها لرفع الحد الأدنى للأجور، إلى جانب توفير المزيد من الكوادر التعليمية للمدارس وزيادة التمويل المخصص لقطاع التعليم، في محاولة لاحتواء المطالب الاجتماعية التي اتسعت خلال الأسابيع الماضية.
وفي المقابل، أعلنت اتحادات تمثل الطلاب والمعلمين دعمها لمواصلة التحركات الاحتجاجية، ودعت إلى إضراب جديد الثلاثاء المقبل، للمطالبة بزيادة الإنفاق على التعليم وتحسين أوضاع المؤسسات التعليمية، في ظل استمرار إغلاق بعض المدارس وتنظيم المظاهرات.
وقالت الاتحادات، في بيان مشترك صدر السبت، إن «حراكنا في موقع قوة، بينما الحكومة في موقع ضعف وبدأت ترضخ»، مضيفة أن الوقت حان لتوسيع نطاق التحركات الاحتجاجية ومواصلة الضغط على الحكومة.
وكانت الأزمة قد بدأت بتحركات طلاب المدارس الثانوية في ضواحي باريس، اعتراضًا على تدهور ظروف التعليم ونقص الإمكانات داخل المؤسسات التعليمية، قبل أن تنضم إليها فئات غاضبة من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، وتتوسع الاحتجاجات إلى مناطق أخرى من البلاد.
وشهدت الجامعات والمدارس تحركات متواصلة خلال الأسابيع الماضية، فيما نظم رؤساء جامعات وممثلون عن المؤسسات التعليمية مسيرات في باريس للمطالبة بزيادة اهتمام الحكومة بقطاع التعليم وتوفير التمويل اللازم للمدارس والجامعات.
كما شاركت حركة «السترات الصفراء» في موجات احتجاجية متتالية خلال 17 و24 و31 أكتوبر، و5 نوفمبر، بالتزامن مع استمرار التدابير الأمنية التي فرضتها الحكومة لمواجهة الاحتجاجات.
وفيما يتعلق بحجم المشاركة، أشارت بيانات رسمية إلى أن نحو 600 ألف شخص شاركوا في احتجاجات 5 نوفمبر التي دعت إليها النقابات العمالية، بينما رفعت النقابات تقديراتها إلى نحو 1.6 مليون مشارك في مختلف أنحاء فرنسا.
ووُصفت مظاهرات 5 نوفمبر بأنها الأكبر منذ انطلاق موجة الاحتجاجات ضد غلاء المعيشة في 17 أكتوبر، إذ شهدت مشاركة قطاعات واسعة من المجتمع الفرنسي، وسط مطالب بتحسين الأجور والظروف المعيشية والخدمات العامة.
وكانت احتجاجات 17 أكتوبر قد شهدت أعمال عنف وتخريب واسعة، إذ تضررت أو تعرضت أكثر من 3 آلاف منشأة تجارية للنهب، فيما أوقفت قوات الأمن آلاف الأشخاص خلال التعامل مع المظاهرات.
واستخدمت الشرطة الفرنسية الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية ومدافع المياه لتفريق المحتجين، في وقت أثار فيه تعامل قوات الأمن مع المتظاهرين جدلًا واسعًا بشأن استخدام القوة خلال الاحتجاجات.
وفي تطور آخر، أفادت مصادر فرنسية بأن الشرطة أوقفت 642 شخصًا خلال الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في اليوم السابق، وسط استمرار الإجراءات الأمنية المشددة في العاصمة ومناطق أخرى.
وعلى الصعيد السياسي، تتزامن الاحتجاجات مع استعداد الأحزاب الفرنسية للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، في وقت تواجه فيه حكومة سيباستيان لوكورنو صعوبات سياسية بسبب عدم امتلاكها أغلبية مضمونة داخل الجمعية الوطنية، بالتزامن مع اتساع الأزمة الاجتماعية التي تواجه الرئيس إيمانويل ماكرون.
ويحاول مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون توظيف حالة الاستياء الاجتماعي في تعزيز حضوره السياسي، إذ يستعد لإطلاق برنامجه الانتخابي تحت عنوان «مستقبل مشترك»، وهو النسخة الخامسة من برنامج حزب «فرنسا الأبية»، الذي يعيد التأكيد على مجموعة من السياسات التي شكلت محور حملاته الرئاسية السابقة.
ويتضمن البرنامج تعهدات برفع الحد الأدنى للأجور وخفض سن التقاعد إلى 60 عامًا، إلى جانب تغييرات واسعة في السياسات الاقتصادية والضريبية والطاقة والسياسة الخارجية.
ويطرح ميلانشون إعادة الحد الأدنى للأجور إلى 60 عامًا للعاملين الذين ساهموا في نظام التقاعد لمدة 40 عامًا، من خلال إلغاء إصلاح نظام المعاشات الذي أقره ماكرون، ورفع سن التقاعد تدريجيًا من 62 إلى 64 عامًا بهدف تعزيز المالية العامة.
كما يتضمن البرنامج رفع الحد الأدنى الصافي للأجر الشهري من نحو 1480 يورو إلى 1700 يورو، وإلغاء الضريبة الموحدة على دخل رأس المال، وزيادة الضرائب على الأسر الأكثر ثراء، إلى جانب وضع سقف لأسعار المواد الغذائية الأساسية.
وفي قطاع الطاقة، يدعو حزب «فرنسا الأبية» إلى التخلي التدريجي عن الطاقة النووية، والتحول إلى نظام كهرباء يعتمد بالكامل على مصادر الطاقة المتجددة، بما يشمل إلغاء برنامج المفاعلات النووية وعدم تمديد العمر التشغيلي لمحطات الطاقة النووية إلى أكثر من 60 عامًا.
أما في السياسة الخارجية، فيجدد البرنامج انتقاده لحلف شمال الأطلسي، ويدعو إلى انسحاب فرنسا التدريجي من الحلف، بدءًا بالخروج من قيادته العسكرية المتكاملة.
وينتقد البرنامج كذلك النفوذ الألماني في صياغة السياسة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، معتبرًا أن برلين تمثل المدافع الرئيسي في أوروبا عن «الليبرالية المنظمة»، القائمة على قواعد صارمة للميزانية واستقرار الأسعار واستقلال السياسة النقدية.
ويدعو الحزب إلى تعزيز حماية الصناعة المحلية، وتشجيع نقل الإنتاج إلى فرنسا، ومنح الدولة دورًا أكبر في إدارة الاقتصاد والتدخل في توجيه السياسات الإنتاجية.
وفي خلفية الأزمة، تعود احتجاجات «السترات الصفراء» إلى نوفمبر 2018، عندما اندلعت تحركات شعبية واسعة اعتراضًا على ارتفاع تكاليف المعيشة والضرائب على الوقود، قبل أن تتحول إلى حركة احتجاجية أوسع ضد السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة الفرنسية.
وتتواصل الاحتجاجات الحالية وسط تداخل المطالب المتعلقة بالتعليم والأجور والقدرة الشرائية، مع استمرار الخلاف بين الحكومة والنقابات والحركات الشبابية بشأن الإجراءات الاقتصادية والأمنية، فيما تضع التحركات المتصاعدة السلطات الفرنسية أمام تحديات اجتماعية وسياسية متزامنة.





