ملك ليبيا محمد بن إدريس السنوسي.. حياته واهتمامه بالعلم والدين (1)

د. علي الصلابي

فقيه، وكاتب، ومؤرخ، ومحلل سياسي ليبي.

ولد الملك محمد بن إدريس السنوسي يوم الجمعة في العشرين من شهر رجب (1307 هـ) الموافق 12 مارس (1890 م) بزاوية الجغبوب. وكان مولده يوم فرح وسرور لأتباع الحركة السنوسية، وخصوصاً أهالي الجغبوب، فعطل معهد الجغبوب، والكتاتيب القرآنية، ودور الأعمال، ونحرت الجزر، ومدت الموائد، وقدمت الصدقات شكراً لله تعالى.

كان الشيخ محمد بن إدريس السنوسي قوي الذاكرة، سريع الخاطر، متين الحجة، وله اهتمام خاص بالفقراء والمساكين، وكان جميل المعشر، رحيماً بأتباعه وخدمه، فيعود مريضهم بنفس متواضعة، ويصفح عن المذنبين منهم ما لم يكن الذنب مغضباً لله ولرسوله، وكان يميل إلى اقتناء جياد الخيل، وله شغف بجميع أنواع الأسلحة وبجمع الكتب.

  1. نشأة الملك محمد بن إدريس السنوسي:

نشأ محمد إدريس في رعاية أبويه، وبعد وفاة أمه احتضنته جدته لوالدته، واهتم والده بتربيته تربية صالحة، وبدأ تحفيظه القران الكريم بنفسه مع دخوله في سن السابعة من عمره. وتتلمذ على مجموعة من أفاضل العلماء؛ اشتهر من بينهم: العلامة العربي الفاسي، وأحمد أبو يوسف، والعربي الغماري، وحسين السنوسي، وأحمد الريفي، وأحمد الشريف السنوسي.

أتقن القراءات وعلوم الحديث، كما أتقن البخاري ومسلم ومسند أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وموطأ مالك ومسند أبي حنيفة ومسند الإمام أحمد، وكتاب الأم للشافعي، وغير ذلك من كتب الفقه والحديث والتفسير واللغة، وعلوم التاريخ، وتقويم البلدان، وحصل على إجازات عدة.

ولما تقدمت به السن أصبح له مجلس عامر بالعلماء والأدباء، وكان يحب العلماء ويجلهم ويكبر ما في نفوسهم من العلم، وينزلهم منه منزلة خاصة، ويحيطهم بعطفه، وكانت أحب العلوم إليه: الحديث الشريف، وعلم التاريخ والأدب والسياسة.

وكان لا يتحدث في موضوع إلا ويعلل رأيه فيه بعد تدقيق وتمحيص، ثم يأتي بالحجج الدامغة والبراهين القاطعة، تارة من كتاب الله، وطوراً من الحديث الشريف، وحيناً من أقوال السلف الصالح وأئمة المسلمين.

سافر الشيخ إدريس إلى الحجاز لتأدية فريضة الحج عام (1330 هـ/ 1912 م)، وكانت تلك الرحلة مليئة بالدروس والعبر، وأصبح لها أثر عميق في تفكيره؛ حيث احتك بالحكومة المصرية، وبزعيم الثورة العربية الكبرى الشريف حسين، وقادة الإنكليز في مصر، وتكونت له قناعات مهمة فيما يتعلق بمجريات السياسية الدولية، وبطبيعة الصراع بين الأتراك والإنكليز، واتخذ لنفسه منهجاً سار عليه لخدمة شعبه وبلاده.

  1. اهتمام الملك بالدين والعلم والمعاني الأخلاقية:

كان الملك محمد إدريس (رحمه الله تعالى)، يرى أن الحياة السعيدة لا تقوم إلا على الدين والعلم والأخلاق، ولنستمع إليه، وهو يقول: (فمن تخلَّق منا بغير الأخلاق الإسلامية نجده فاسد التربية منحطاً في مستواه الأخلاقي، معطل الاستعداد الفكري الحر، مشوش العقل والاعتقاد، مقلداً تقليداً أعمى).

وقال أيضاً: (إذا ما أراد المسلمون أن يصلحوا ما فسد من أحوالهم، فليرجعوا إلى روح الإسلام، لأنه أكثر موافقة لرقي الأمم وسعادة الحياة ومدنيتها، ولن تتبدد هذه الغياهب المظلمة إلا بنور العلم؛ فالإسلام هو الدين الإنساني الطبيعي المسالم لكل من أحب السلام).

لقد كان الملك إدريس رحمه الله تعالى نصيراً للدين والعلم والأخلاق، ولذلك قام بتوجيه شعبه منذ تحرير بلادنا من الاستعمار الإيطالي إلى التعليم والإكثار من المدارس، والاهتمام بالأطفال، ولما تولَّى أمر المملكة الليبيا وجه المسؤولين إلى وجوب العناية بالتعليم وتعميمه، واهتم بوزارة المعارف، وتبرَّع بقصر المنار لوزارة المعارف ليكون نواة للجامعة الليبية.

محتوى ذو صلة
الانتخابات التونسية بلسم الشرفاء وغصة للمتآمرين

وفي نوفمبر 1954 م أصدر الملك إدريس توجيهاته إلى حكام الولايات الثلاث (برقة، وطرابلس، وفزان) لاتخاذ السبل الكفيلة بضرورة تدريس العلوم الدينية على الطلبة في جميع المدارس كمادة أولية مفروضة، وفرض الصلاة في أوقاتها (الخمس) على طلاب المدارس من بنين وبنات في كافة أنحاء المملكة؛ لإعداد هذا الجيل إعداداً إسلاميّاً رشيداً.

واهتم بتطوير معهد السيد محمد بن علي السنوسي حتى أصبح جامعة متميزة من حيث التعليم، والنظام والاستعداد، وكان يحث شعبه على الصلوات الخمس ويحذرهم من المعاصي، والذنوب، وقام بتوجيه رئيس الوزراء ورئيس الديوان والولاة الليبيين، وحمَّلهم مسؤولية تهاون موظفي الدولة في أداء الصلوات الخمس، ومسؤولية شرب الخمر، وحملهم المسؤولية العظمى أمام الله ثم أمام الملك، وكانت حيثيات هذا التوجيه مدعمة بالأحاديث النبوية الشريفة، وكان الإنذار الذي يحمله هذا التوجيه شديداً، وكان يرى أن أركان النصر للشعوب في ثلاث ركائز: بالتمسك بالدين الكامل، والخلق الفاضل، والاتحاد الشامل؛ ولذلك قال: (أنصح العرب الأشقاء بالتمسك بالدين الكامل، والخلق الفاضل، والاتحاد الشامل؛ فلن يغلب شعب يحرص على هذه الأركان). وقال: (الاتحاد العربي ضروري، والعصبية العربية مشروعة ومعقولة شريطة ألا تتعارض مع الأخوة الإسلامية، وألا تعتدي على حقوق الاخرين).

إن الاهتمام بالدين والعلم والأخلاق عند الملك إدريس (رحمه الله) نابع من عقيدة الإسلام، ومن فهمه لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويرى أن الحضارة الصحيحة هي التي تقوم على الدين والعلم والأخلاق، وبهذه المقومات قامت الحركة السنوسية؛ فعندما سأله كاتب دانماركي أجرى معه مقابلة صحفية أثناء وجوده بالمنفى عن موقفه تجاه الاحتلال الإيطالي لليبيا آنذاك، فجاء رده مؤكداً لنظرته للحياة الروحية باعتبارها أهم من الوجود المادي، إذ قال في معرض حديثه: “إن الحضارة التي يريد الإيطاليون إدخالها إلى بلادنا تجعل منا عبيداً للظروف، ولذا وجب علينا أن نحاربهم، فهي تبالغ في إضفاء الأهمية على قشرة الحياة الخارجية، كالتقدم الفني والالي مثلاً، وتعتبر مظاهر الأبهة والسلطان معياراً للحكم على قيمة الفرد أو الأمة، في حين تستهين بالنمو الداخلي للإنسان، وأستطيع أن أقول لك شيئاً واحداً وهو: أنه حيث تسود الدعوة السنوسية يستتب السلام والرضا من كل جانب”.

يمكننا القول: على هذا المنهج الإيماني والخلق الشامل حكم الملك الليبي محمد بن إدريس السنوسي ليبيا في مرحلة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخها الحديث، وقد هيأ لنفسه قاعدة وطنية وعربية وإسلامية واسعة، فأولى مشروع بناء الأمة  وحفظ قيمها وتراثها الأهمية القصوى، وكان صاحب دور في كفاح الشعب الليبي في التحرر والاستقلال من نير الاستعمار والاستبداد والتخلف والظلم، وغدا نموذجاً يحتذى به في بناء وتوحيد الوطن الليبي، وبذل جهوده لرفع قيمة الأمة وكرامتها ونيل وحدتها واستقلالها.

 

 

مراجع المقال:

  1. علي محمد الصلابي، الثمار الزكية للحركة السنوسية، دار الروضة، إستانبول، 2017.
  2. مجلة الإنقاذ، العدد (39)، ديسمبر 1991 م، ص66.
  3. محمد طيب الأشهب، إدريس السنوسي، دار العهد الجديد للطباعة، القاهرة، ص 240 – 243.
  4. محمد فؤاد شكري، السنوسية دين ودولة، دار الفكر، بيروت، ط1 1948.