لم يكن نجاح التجربة المصرية مع حسام حسن مجرد تغيير على مستوى الجهاز الفني، بل مثّل نموذجًا لرهان على شخصية كروية وطنية تعرف قيمة قميص المنتخب، وتدرك طبيعة الضغوط الجماهيرية، وتتحمل مسؤولية قيادة مشروع يسعى إلى إعادة منتخب مصر إلى مكانته القارية والعالمية.
منذ توليه تدريب المنتخب المصري في فبراير 2024، قاد حسام حسن «الفراعنة» إلى التأهل لكأس الأمم الأفريقية 2025 وكأس العالم 2026، وواصل قيادة المنتخب في الاستحقاقات الكبرى، قبل أن يُمدد عقده حتى عام 2030.
هذه التجربة تفتح بابًا مهمًا للنقاش في ليبيا، حيث لا تزال الكرة المحلية تعاني من غياب الاستقرار الفني، وتداخل الأدوار الإدارية، وضعف التخطيط طويل الأمد، رغم ما تمتلكه من مواهب وإمكانات قادرة على صناعة منتخب ينافس على المستويين القاري والدولي.
- ليبيا بحاجة إلى مشروع، لا إلى حلول مؤقتة
ما حدث في مواجهة المنتخب الوطني أمام بوتسوانا، وما صاحب الأداء من تساؤلات فنية وبدنية، يعيد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا: إلى متى ستظل الكرة الليبية تتعامل مع المنتخب الوطني بمنطق الاستحقاق القادم فقط، دون بناء مشروع متكامل يمتد لسنوات؟
إن تأخر التحضيرات، وعدم انتظام المسابقات المحلية، والتفاوت في الجاهزية البدنية للاعبين، كلها عوامل تؤثر في قدرة أي جهاز فني على بناء مجموعة متجانسة. لكن المسؤولية لا تتوقف عند المدرب أو اللاعبين، بل تمتد إلى منظومة كاملة مطالبة بإعادة ترتيب أولوياتها.
فالمنتخب الوطني ليس مجرد قائمة أسماء تُجمع قبل المباريات، ولا جهازًا فنيًا يتولى المهمة ثم يغادر عند أول تعثر، وإنما هو مشروع يحتاج إلى رؤية واضحة، وإدارة محترفة، واستقرار فني، ومتابعة مستمرة للاعبين في مختلف المسابقات.
- رضا عطية، خطوة نحو قيادة وطنية متكاملة
في ظل هذه المعطيات، تبرز فكرة التعاقد مع رضا عطية مديرًا فنيًا للمنتخب الوطني الليبي، إلى جانب تعيين مدير للمنتخب من اللاعبين الدوليين السابقين، باعتبارها مقترحًا يستحق النقاش الجاد داخل أروقة الاتحاد الليبي لكرة القدم.
الفكرة لا تقوم على مجرد استبدال مدرب بآخر، ولا على منح الثقة لشخصية وطنية لمجرد أنها ليبية، بل على تأسيس منظومة فنية وإدارية متكاملة، يكون فيها المدير الفني مسؤولًا عن المشروع الرياضي، بينما يتولى مدير المنتخب تنظيم شؤون الفريق، وتوفير بيئة مستقرة للاعبين، وتعزيز التواصل بين الجهاز الفني والإدارة.
إن الاستعانة بلاعب دولي سابق في منصب مدير المنتخب قد تمنح المجموعة حلقة وصل مهمة بين الإدارة واللاعبين، بفضل معرفته بطبيعة المنافسات الدولية ومتطلبات تمثيل المنتخب الوطني، شريطة أن يكون الاختيار قائمًا على الكفاءة والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية.
أما رضا عطية، فإن طرح اسمه لقيادة المنتخب فنيًا ينبغي أن يرتبط بتقييم واضح لمؤهلاته وخبراته ورؤيته للمشروع، بعيدًا عن الأسماء والشعارات، لأن المرحلة تتطلب قرارات مدروسة لا مجرد تغيير في الوجوه.
- ماذا نحتاج من الاتحاد الليبي؟
إن أي مشروع وطني جاد يجب أن يبدأ بخطوات عملية، أبرزها:
- وضع رؤية فنية واضحة للمنتخب الوطني تمتد لعدة سنوات.
- تنظيم العلاقة بين المنتخب والأندية بما يضمن جاهزية اللاعبين.
- اختيار مدير فني وفق معايير فنية ومهنية واضحة.
- تعيين مدير منتخب يمتلك الخبرة الإدارية والقدرة على التواصل مع اللاعبين.
- تطوير منظومة متابعة اللاعبين المحليين والمحترفين في الخارج.
- منح الجهاز الفني الوقت الكافي للعمل، مع إخضاع المشروع لتقييم دوري وفق معايير معلنة.
هذه الخطوات لا تضمن النجاح تلقائيًا، لكنها تضع أساسًا أكثر تنظيمًا للعمل، وتقلل من الاعتماد على الحلول الارتجالية التي أثقلت كاهل الكرة الليبية لسنوات.
- الكرة الليبية تستحق مشروعًا يليق بطموحات جماهيرها
إن تجربة مصر مع حسام حسن تذكرنا بأن المنتخب الوطني يحتاج إلى شخصية قيادية ومشروع واضح، لكن نجاح التجربة المصرية لا يعني أن النموذج يمكن نقله حرفيًا إلى ليبيا؛ فلكل بلد ظروفه وإمكاناته وتحدياته.
ومع ذلك، فإن الاستفادة من التجارب المحيطة تظل ضرورة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر ببناء منتخب قادر على المنافسة، لا الاكتفاء بالمشاركة.
اليوم، تحتاج الكرة الليبية إلى قرار شجاع يبدأ بإعادة تنظيم المنظومة الفنية والإدارية، ويفتح الباب أمام مشروع وطني بقيادة فنية واضحة، وإدارة محترفة، وكفاءات قادرة على تحمل المسؤولية.
وقد يكون طرح اسم رضا عطية مديرًا فنيًا للمنتخب، إلى جانب مدير للمنتخب من اللاعبين السابقين، بداية لنقاش أوسع حول شكل المشروع الذي نريده لفرسان المتوسط.
فالسؤال لم يعد فقط: من سيقود المنتخب في المباراة القادمة؟ بل أصبح: من سيبني منتخبًا ليبيًا قادرًا على المنافسة والاستمرار.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.





