أشعل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان التكهنات بشأن إمكانية إجراء انتخابات مبكرة في تركيا خلال مارس 2027، بعد تصريحات تحدث فيها عن «الانتخابات المقبلة»، بالتزامن مع تأكيد أكبر أحزاب المعارضة استعداده لخوض الانتخابات في أي وقت، بينما أصدرت محكمة تركية حكمًا جديدًا بالحبس لمدة سنتين وشهر واحد بحق رئيس بلدية إسطنبول المعارض المحتجز أكرم إمام أوغلو، ما يهدد بفرض حظر سياسي عليه لمدة مماثلة في حال أصبح الحكم نهائيًا.
وقال إردوغان، خلال خطاب ألقاه الجمعة في مدينة ريزا، مسقط رأسه، إنه يجدد ثقته في إمكانية تجاوز الانتخابات المقبلة بنجاح في ظل الوحدة والتضامن.
وأضاف الرئيس التركي: «أجدد إيماني بأننا سنتجاوز الانتخابات المقبلة بنجاح معًا في ظل الوحدة، والتضامن».
وأثارت هذه العبارة نقاشات واسعة بشأن احتمال تقديم موعد الانتخابات، خصوصًا مع ربطها من جانب المعارضة بمارس 2027.
ووجه إردوغان خلال خطابه انتقادات حادة إلى المعارضة، متهمًا أطرافًا سياسية بالنظر إلى العمل السياسي باعتباره وسيلة للترقي الوظيفي وتحقيق الأرباح والمصالح الشخصية.
وقال: «من ينظرون إلى السياسة كبوابة للترقي الوظيفي، والربح، والتقدم الشخصي لن يفيدوا تركيا على الإطلاق، وقد أظهرت فضائح الفساد والانحلال الأخلاقي في البلديات مؤخرًا هذا الأمر بوضوح تام».
وأضاف: «لقد حان الوقت للتخلص من هذه العقلية التي تُكبّد بلدنا وأمتنا خسائر فادحة، يجب علينا إنقاذ تركيا من سياسات الاستغلال، والجبهات القائمة فقط على معارضة الحكومة».
وتابع إردوغان: «بلادنا بحاجة إلى نهج أكثر شمولية، وتوافق يُعزز أرضية الحوار، مع الحفاظ على اختلاف الآراء، والاختلافات السياسية، ويُعطي الأولوية للتنافس في الخدمة، والإنجاز، والتعاون عندما تكون المصالح الوطنية على المحك».
ودفعت تصريحات الرئيس التركي المعارضة إلى تعزيز توقعاتها بشأن احتمال إجراء انتخابات مبكرة في مارس 2027، فيما أعلن رئيس «الحزب الجديد»، أكبر أحزاب المعارضة، أوزغور أوزيل، استعداد حزبه لخوض الانتخابات في أي موعد.
وقال أوزيل، خلال تجمع لأنصار الحزب في مدينة كارص شمال شرقي تركيا، إن حزبه مستعد بالكامل للانتخابات، أيًا كان موعد إجرائها.
وأضاف: «لطالما طالبنا الشعب بحقه في صناديق الاقتراع، لكن لم يسمع إردوغان هذا منذ مدة طويلة، ثم عاد وقال في خطاب ألقاه في مسقط رأسه في ريزا: (سنتجاوز جميعًا الانتخابات القادمة معًا)… يا سيد إردوغان، يمكن التغلب على الصعوبات، والأمراض، والأزمات، لكن الانتخابات، التي هي أمل الأمة، لا يمكن التغلب عليها».
وتابع أوزيل: «الانتخابات ليست صعوبة، وليست شيئًا يُخشى منه، إنها ليست مكانًا نقضي فيه 5 سنوات أخرى من الترف، وبينما لا يستطيع المتقاعد أن يتغلب على الجوع بـ23 ألف ليرة تركية، فكيف ستتجاوز أنت الانتخابات؟… سنعمل بجد، وسنكون معًا، وسنلتقي عند صناديق الاقتراع معًا، وسنغير هذه الحكومة».
وتتجه الأنظار داخل المعارضة التركية إلى خطط «الحزب الجديد» للاستعداد لأي تطورات انتخابية، خصوصًا أنه يعقد مؤتمره العام الأول يومي 14 و15 نوفمبر المقبل.
ووفق قانون الانتخابات، فإن عقد المؤتمر في هذا الموعد يحول دون مشاركة الحزب في انتخابات تجرى في مارس، إذ لن يكون قد مر على مؤتمره الأول عامان كاملان.
وكشف مسؤولون في الحزب عن إعداد خطط بديلة للتعامل مع احتمال تقديم موعد الانتخابات، من بينها نقل كوادر الحزب إلى حزب احتياطي مؤهل للمشاركة في الانتخابات.
كما سيشكل أوزيل لجنة تنفيذية مركزية خاصة بالانتخابات، على أن تتولى كوادر ذات خبرة قيادة الحزب خلال الاستحقاق الانتخابي في حال إجرائه بصورة مبكرة.
وقال المسؤولون إن تصاعد ما وصفوه بالتدخلات من جانب الحزب الحاكم ضد المعارضة دفعهم إلى إعداد أكثر من سيناريو انتخابي.
وأضافوا: «نتوقع منهم فعل أي شيء قد نقول عنه إنه (مستحيل)، ليس لدينا خطة رئيسة، وخطة احتياطية فحسب، بل لدينا أيضًا خطط احتياطية للخطة الاحتياطية».
وفي ما يتعلق بالتحالفات الانتخابية، استبعد مسؤولون في الحزب مناقشة تشكيل تحالفات في المرحلة الحالية، مؤكدين أن التحالف الوحيد الذي سيخوضه الحزب سيكون مع الناخبين.
وقال المسؤولون إن تجربة «الطاولة السداسية» التي شكلها حزب «الشعب الجمهوري» تحت قيادة كمال كليتشدار أوغلو قبل انتخابات مايو 2023 أحدثت صدمة لدى الناخبين، بعدما تسببت الخلافات بين الأحزاب في عرقلة بعضها بعضًا، بحسب تقييمهم، من دون أن يحقق ذلك فائدة لأي طرف.
وأكد المسؤولون أن الحزب سيطرح مرشحًا للرئاسة للتصويت بين أعضائه في حال عرقلة ترشيح رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو.
وأضافوا أن اختيار المرشح سيكون مرتبطًا باسم يحظى بموافقة القاعدة الاجتماعية للمعارضة، مشددين على أن «الحزب الجديد» ليس حزبًا يسعى فيه أي شخص إلى منصب أو يضع طموحاته الشخصية فوق مصلحة الوطن.
وأشاروا إلى أن الحزب لن ينشغل في المرحلة الحالية بمناقشات الترشيح، في انتظار اتضاح مسار الانتخابات وإمكانية مشاركة إمام أوغلو.
وفي موازاة الجدل بشأن الانتخابات، أصدرت محكمة تركية الجمعة حكمًا جديدًا بالحبس لمدة سنتين وشهر واحد بحق رئيس بلدية إسطنبول المعارض أكرم إمام أوغلو، المحتجز منذ 19 مارس 2025.
وجاء الحكم في قضية تشهير رفعها رئيس بلدية توزلا السابق التابعة لإسطنبول، شادي يازجي.
وسبق أن حصل إمام أوغلو على البراءة مرتين في القضية نفسها، فيما يؤدي صدور حكم نهائي بحقه إلى فرض حظر على ممارسة النشاط السياسي لمدة مماثلة لمدة العقوبة، وفق ما أوردته المادة.
ويواجه إمام أوغلو، الذي تجرى محاكمته في قضايا تتعلق بالفساد، اتهامات يقول معارضوه إنها جزء من ضغوط سياسية تستهدف مستقبله السياسي وترشحه المحتمل لرئاسة الجمهورية.
وخلال إفادته أمام المحكمة في سجن سيليفري حيث يُحتجز، أكد إمام أوغلو أنه «سجين سياسي أسير»، وقال إن اعتقاله مرتبط بترشحه لرئاسة الجمهورية في الانتخابات المقبلة.
وجاءت تصريحاته ردًا على موقف لرئيس حزب «الشعب الجمهوري» السابق، كمال كليتشدار أوغلو، الذي عُيّن مؤقتًا بقرار قضائي، قال فيه إن إمام أوغلو ليس «سجينًا سياسيًا».
ورد إمام أوغلو على ذلك من دون ذكر كليتشدار أوغلو بالاسم، قائلًا: «أنا هدف لقضايا ذات دوافع سياسية بحتة، أنا سجين سياسي أسير، لنضالي من أجل الجمهورية، والديمقراطية، والعدالة، وخضته من أجل 87 مليون مواطن في هذا البلد».
وأضاف: «لكن الحمد لله، لست شخصية سياسية لا تستطيع النزول إلى الشوارع، ولا السير في الساحات العامة، ولا أنا سجين ضمير المجتمع، أسأل الله ألا يُوقع أحدًا في هذا المأزق في سن الثمانين».
ويأتي الحكم الجديد بحق إمام أوغلو في وقت تتزايد فيه التكهنات حول موعد الانتخابات المقبلة، وسط تصعيد سياسي بين الحكومة والمعارضة، وترقب لما إذا كان الرئيس التركي سيتجه إلى تقديم موعد الانتخابات أو الالتزام بالموعد المقرر لها.
وبينما يربط المعارضون تصريحات إردوغان بإمكانية إجراء انتخابات مبكرة في مارس 2027، لم يتضمن خطابه إعلانًا صريحًا عن تحديد موعد جديد للاقتراع.
وتبقى قضية إمام أوغلو واحدة من أبرز الملفات المؤثرة في المشهد السياسي التركي، خصوصًا مع طرح اسمه داخل المعارضة باعتباره مرشحًا محتملًا للرئاسة، في وقت تواصل فيه المحاكم النظر في القضايا المرفوعة ضده.





