تشهد الساحة السياسية الأوروبية تصعيدا غير مسبوق في الموقف من إسرائيل، مع اتساع دائرة الضغط داخل الاتحاد الأوروبي لدفعه نحو اتخاذ خطوات قد تصل إلى تعليق اتفاقية الشراكة أو تجميد أجزاء منها، في ظل استمرار الحرب في غزة والتصعيد العسكري في لبنان.
وبرزت بلجيكا وإسبانيا في مقدمة الدول الدافعة نحو موقف أكثر تشددا، في وقت يعكس فيه المشهد الأوروبي انقساما واضحا بين تيارات تطالب بإجراءات عقابية مباشرة وأخرى تحذر من تداعياتها السياسية والاقتصادية.
بلجيكا تطالب بتعليق جزئي لاتفاق الشراكة
في موقف لافت داخل الاتحاد الأوروبي، وصف وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو إجراءات إسرائيل في لبنان بأنها “غير مقبولة بالمرة”، وذلك خلال اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ.
وأكد بريفو أن بلاده تدين في الوقت نفسه هجمات حزب الله على إسرائيل، لكنه شدد على أن الرد الإسرائيلي جاء “غير متناسب وعشوائي”، في إشارة مباشرة إلى مستوى التصعيد العسكري في الجنوب اللبناني.
ودعا الوزير البلجيكي إلى بحث خيار تعليق جزئي لاتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، موضحا أن بلاده تدرك أن التعليق الكامل “غير مرجح” بسبب تباين مواقف الدول الأوروبية، ما يعكس حجم الانقسام داخل التكتل حول التعامل مع الأزمة.
إسبانيا تقود تحركا أوروبيا نحو العقوبات
في موازاة الموقف البلجيكي، صعّدت إسبانيا من لهجتها السياسية داخل الاتحاد الأوروبي، حيث دعا وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إلى مناقشة تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، بالتنسيق مع سلوفينيا وأيرلندا.
وقال ألباريس إن على الاتحاد الأوروبي أن يوجه رسالة واضحة لإسرائيل بضرورة تغيير مسارها، مؤكدا أن استمرار الحرب لم يعد مقبولا في إدارة العلاقات مع دول الجوار.
وأضاف أن بلاده منفتحة على “أي إجراء ممكن” في إطار الضغط السياسي، في إشارة مباشرة إلى احتمالات تشمل تعليق التعاون أو فرض إجراءات عقابية، مشددا على أن “التحرك بات ضرورة وليس خيارا”.
كما جدّدت إسبانيا مطالبتها بفرض عقوبات على إسرائيل على خلفية الحرب في غزة، في خطوة تعكس تصعيدا إضافيا في موقف مدريد واتساع نطاق الضغط الأوروبي باتجاه إجراءات أكثر حدة.
انقسام أوروبي يعرقل قرارا موحدا
في المقابل، برز موقف ألماني أكثر تحفظا داخل الاتحاد الأوروبي، حيث اعتبر وزير الخارجية الألماني أن تعليق بند التجارة في اتفاقية الشراكة مع إسرائيل سيكون “غير مناسب”، ما يكشف عن عمق الانقسام داخل التكتل الأوروبي بين دول تدفع نحو التصعيد السياسي وأخرى ترفض الذهاب نحو عقوبات اقتصادية مباشرة.
ويأتي هذا الحراك الأوروبي في ظل تصعيد عسكري متواصل في المنطقة، حيث لوّح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، قائلا إن “مصير الجنوب اللبناني سيكون كما رفح وبيت حانون في غزة”، مع تهديدات بمواصلة العمليات ضد حزب الله إذا لم يتحرك لبنان ضده.
كما تتواصل المواجهات في غزة ولبنان ضمن واحدة من أكثر مراحل التوتر الإقليمي حدة، ما يضع العلاقات الأوروبية الإسرائيلية أمام اختبار سياسي ودبلوماسي بالغ التعقيد.
بيتر ماغيار: لا استبعاد لاعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حال دخوله هنغاريا
أفاد السياسي الهنغاري بيتر ماغيار، الذي سيتولى قريباً منصب رئيس وزراء هنغاريا، بأنه لا يستبعد تنفيذ قرار اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حال زيارته الأراضي الهنغارية، في ظل الالتزامات القانونية المرتبطة بعضوية البلاد في المحكمة الجنائية الدولية.
جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي في العاصمة بودابست، حيث أوضح ماغيار أن موقفه يستند إلى التزامات هنغاريا تجاه المحكمة الجنائية الدولية، مشيراً إلى أن أي شخص مطلوب من المحكمة ويدخل دولة عضو يجب احتجازه وفقاً للقانون الدولي.
وأضاف ماغيار أنه أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بموقفه، مؤكداً أن حكومة “تيسا” السابقة أعلنت في يونيو 2020 نيتها الحفاظ على عضوية هنغاريا في المحكمة الجنائية الدولية.
وتأتي هذه التصريحات في وقت كانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت في نوفمبر 2024 مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت.
وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي لشؤون الأمن والعلاقات الخارجية بيتر ستانو أن جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تدعم المحكمة الجنائية الدولية، وتلتزم بتنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة عنها.
وكان رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان قد أعلن في أبريل 2025 انسحاب بلاده من المحكمة الجنائية الدولية، عقب إصدار مذكرة توقيف بحق بنيامين نتنياهو، معتبراً أن المحكمة باتت أداة سياسية، فيما شهدت العاصمة بودابست لاحقاً زيارة رسمية لنتنياهو ولقائه أوربان.
غزة تحت وطأة كارثة صامتة
تتفاقم معاناة النازحين في قطاع غزة بشكل غير مسبوق، مع انتشار واسع للقوارض والحشرات داخل مخيمات النزوح المكتظة، في ظل أوضاع إنسانية وصحية توصف بأنها “كارثية”، بعد أكثر من ستة أشهر على دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ بين حركة حماس وإسرائيل، وفق ما نقلته وكالة “فرانس برس”.
ومع ارتفاع درجات الحرارة واقتراب فصل الصيف، تتحول المخيمات إلى بيئة مثالية لتكاثر الحشرات والقوارض، وسط تكدس آلاف الخيام على امتداد المناطق الساحلية الغربية للقطاع، حيث يعيش نحو 1.7 مليون شخص من أصل 2.2 مليون في ظروف نزوح قاسية، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.
وقالت وكالة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” إن المخيمات تعاني من انتشار واضح للقوارض والطفيليات، استنادا إلى زيارات ميدانية، في ظل غياب البنية التحتية وتدهور خدمات النظافة والصرف الصحي بشكل كبير.
في خان يونس جنوب القطاع، يروي النازح محمد الرقب مأساة شخصية مؤلمة، حيث تعرّض طفله البالغ من العمر ثلاث سنوات لعضة جرذ أثناء نومه داخل الخيمة.
ويقول الرقب: “لا أستطيع النوم طوال الليل، أراقب أطفالي باستمرار. الجرذان تهاجمنا يوميا وأتلفت الخيمة وكل أغراضنا”.
وفي مشهد آخر يعكس حجم الكارثة، تؤكد النازحة غالية أبو سلمى أن القوارض أفسدت ملابس ابنتها التي كانت تستعد لزفافها، بعد أشهر من التحضير، مضيفة أن الحشرات والبراغيث تسببت في حالات حساسية جلدية واسعة بين النازحين.
وتشير أبو سلمى إلى أن “هذه ليست مشكلة فردية، بل يعاني منها جميع سكان المخيمات”، في ظل انتشار الحفر في الأرض وتسلل القوارض منها بشكل مستمر، ما يجعل الحياة داخل الخيام شبه مستحيلة.
وتزداد الأزمة تعقيدا مع تراكم ملايين الأطنان من الركام والنفايات في مناطق واسعة من القطاع، إلى جانب تردي خدمات جمع القمامة وتسرب مياه الصرف الصحي في الشوارع، وفق ما أفادت به بلدية غزة، التي حذرت من تدهور خطير في البنية التحتية.
وتؤكد شهادات ميدانية أن المدارس والمخيمات باتت تغمرها مياه الصرف الصحي، في وقت يعاني فيه السكان من نقص حاد في الأدوية والعلاجات، ما يفاقم انتشار الأمراض الجلدية بين الأطفال.
ويقول الطبيب هاني الفليت، رئيس قسم الأطفال في مستشفى شهداء الأقصى، إن المستشفيات تشهد ارتفاعا كبيرا في حالات الجرب والالتهابات الجلدية البكتيرية والفيروسية، خصوصا داخل مخيمات النزوح التي تفتقر لأبسط مقومات النظافة.
ويضيف الفليت: “نستقبل يوميا إصابات جديدة وسط نقص شديد في الأدوية والعلاجات، ما يجعل الوضع الصحي أكثر خطورة مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة”.
وتتزامن هذه الكارثة الصحية مع استمرار تبادل الاتهامات بين حركة حماس وإسرائيل بشأن خروقات وقف إطلاق النار، بينما تشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى مقتل 777 فلسطينيا على الأقل منذ بدء سريانه.





