تزامن التحذير الأمريكي من السفر إلى ليبيا مع استمرار التحركات السياسية الرامية إلى دفع العملية السياسية نحو الانتخابات، ما أعاد النقاش حول واقع الاستقرار الأمني والمؤسسي في البلاد، ومدى اختلاف هذا الواقع بين مناطقها، إلى جانب التساؤلات بشأن قدرة اتفاق «4+4» على الانتقال من التوافق السياسي إلى التنفيذ الفعلي، وربط المسار السياسي بمسار اقتصادي قادر على دعم الاستقرار وإعادة الإعمار وجذب الاستثمارات.
تفاوت أمني ومؤسسي بين المناطق الليبية
قال المحلل السياسي محمد امطيريد، في تصريح لـ«عين ليبيا»، إن التحذير الأمريكي من السفر إلى ليبيا يجب أن يقرأ بصورة دقيقة، ولا يمكن اعتباره تقييمًا موحدًا لكل المناطق الليبية، فهناك تفاوت واضح في المستوى الأمني والمؤسسي بين المناطق.
وأوضح أنه عندما نتحدث عن طرابلس تحديدًا نجد أن الإشكالية الأمنية ما زالت مرتبطة بتعدد مراكز النفوذ ووجود تشكيلات مسلحة وتداخلها مع مؤسسات الدولة، وهذا يجعل البيئة الأمنية أكثر هشاشة وأقل قدرة على ضمان الاستقرار بشكل كامل.
أما في برقة وفزان، فالصورة مختلفة إلى حد كبير، حيث توجد مظاهر دولة أكثر تكاملًا من حيث المؤسسات والأجهزة الأمنية والانضباط والسيطرة على الأرض، وهذا ينعكس بشكل مباشر على حركة المواطنين والشركات والاستثمارات.
ومن المؤشرات المهمة على ذلك، وفق امطيريد، وجود شركات أجنبية وعالمية تعمل بشكل واسع في برقة وفزان، وتنفذ مشاريع ونشاطات اقتصادية في بيئة تتطلب بطبيعتها مستوى مرتفعًا من الأمن والانضباط والتنظيم، وهذا الحضور الدولي والاقتصادي المستمر يمثل مؤشرًا عمليًا على وجود قدرة أمنية وتنظيمية تسمح لهذه الشركات بالعمل والتحرك والاستثمار.
وأكد أن ذلك يعني أنه لا يمكن وضع بنغازي وبرقة وفزان وطرابلس في سلة أمنية واحدة، فالواقع على الأرض مختلف، وهناك تفاوت واضح في مستوى الاستقرار وفي قدرة مؤسسات الدولة على فرض النظام.
«4+4» فرصة سياسية والاختبار يبدأ بعد التوقيع
وبالنسبة لاتفاق «4+4»، قال امطيريد إنه يمثل فرصة سياسية مهمة، لكنه ليس نهاية الأزمة، فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد التوقيع من خلال تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، ومعالجة الخلافات المتعلقة بالقوانين الانتخابية والسلطة التنفيذية، وضمان قبول جميع الأطراف بنتائج الانتخابات.
وأشار إلى أن السؤال الحقيقي اليوم ليس هل تستطيع القوى السياسية توقيع اتفاق جديد، وإنما هل تستطيع تقديم تنازلات حقيقية عن جزء من نفوذها من أجل إنهاء المرحلة الانتقالية وبناء دولة مستقرة.
المسار السياسي وإعادة إعمار ليبيا
وأكد امطيريد أن المسار السياسي يجب أن يرتبط بمشروع اقتصادي وطني شامل لإعادة إعمار ليبيا، خصوصًا في برقة وفزان، والاستفادة من الخبرات والشركات العالمية التي أثبت وجودها في هذه المناطق أن ليبيا قادرة على جذب الاستثمار عندما تتوفر البيئة الأمنية والتنظيمية المناسبة.
وأضاف أن المطلوب في المرحلة المقبلة هو تحويل هذا الاستقرار النسبي في برقة وفزان إلى نموذج أوسع على مستوى الدولة الليبية، وفتح المجال أمام الشركات العالمية للمشاركة في الإعمار والتنمية ضمن إطار قانوني يحفظ السيادة والمصلحة الوطنية.
الانتخابات تحتاج إلى دولة تحمي نتائجها
وفي النهاية، شدد امطيريد على أن ليبيا لا تحتاج فقط إلى انتخابات تنهي المرحلة الانتقالية، بل تحتاج إلى دولة تستطيع حماية الانتخابات وفرض نتائجها، وتوفير بيئة أمنية واقتصادية تسمح للمواطن والشركة والمستثمر بالعمل تحت مظلة مؤسسات الدولة.





