تشهد الفضائيات خلال شهر رمضان بثّ برامج ذات طابع خيري تهدف إلى مساعدة الفقراء والمحتاجين، عبر توفير مساكن أو وسائل نقل أو مشاريع إنتاجية تضمن لهم مورد رزق كريم. ولا شك أن هذا النشاط يعكس بعدًا إنسانيًا محمودًا يعزز قيم التكافل الاجتماعي، غير أن هذه المساعدات غالبًا ما تكون مقرونة بإظهار تفاصيل الحياة الخاصة للمستفيدين أمام الجمهور، بما يشمل ظروفهم المعيشية ومسكنهم وأوضاعهم الاجتماعية، وهو ما يثير تساؤلًا قانونيًا جوهريًا يتعلق بمدى مشروعية تقديم المساعدة مقابل كشف الخصوصية، وما إذا كان هذا النمط من العمل الخيري يظل في دائرة الإحسان المشروع، أم قد ينزلق إلى دائرة الاستغلال المحظور قانونًا.
الأصل في القانون أن هذا النوع من البرامج لا يُعد غير مشروع بذاته، بل يكون جائزًا من حيث المبدأ إذا استند إلى موافقة صحيحة وصريحة من الشخص المستفيد. غير أن هذه الموافقة لا يُعتد بها قانونًا إلا إذا كانت حرة ومسبقة ومستنيرة، أي أن تصدر عن إرادة خالية من أي ضغط مادي أو معنوي، وأن يكون الشخص على علم كامل بطبيعة التصوير والنشر وآثارهما القانونية والاجتماعية. ويُعد هذا المبدأ تطبيقًا مباشرًا لنظرية الرضا في القانون المدني، باعتبار أن الإرادة الحرة تمثل ركنًا جوهريًا في إضفاء المشروعية على أي تصرف يمس الحقوق الشخصية. ويستند هذا الاتجاه كذلك إلى ما قرره الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة (12)، التي تنص على أنه: «لا يجوز تعريض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه»، وهو نص يؤسس لحماية قانونية واضحة للحياة الخاصة باعتبارها من الحقوق الأساسية اللصيقة بالشخصية، التي لا يجوز المساس بها إلا برضا صحيح ومستنير.
غير أن الإشكالية القانونية الحقيقية لا تتوقف عند وجود الموافقة من حيث الشكل، بل تمتد إلى فحص طبيعتها من حيث الجوهر. فالقانون يميز بين الرضا الحر الحقيقي، الذي يصدر عن إرادة مستقلة، وبين الرضا الذي يصدر في ظل ظروف اقتصادية قاهرة أو حالة ضعف واضحة. فالشخص الذي يعيش حالة فقر مدقع قد يقبل كشف تفاصيل حياته الخاصة ليس تعبيرًا عن إرادة حرة بالكامل، بل استجابة لواقع اضطراري يفرض عليه المفاضلة بين الحفاظ على خصوصيته وبين الحصول على وسيلة للعيش الكريم. وفي هذه الحالة، يثور التساؤل حول مدى سلامة هذا الرضا من الناحية القانونية، إذ استقر الفقه المدني المقارن على أن استغلال حالة الضعف أو الحاجة قد يؤدي إلى إفساد الرضا أو إنقاص قيمته القانونية، باعتبار أن الإرادة الحرة تفترض وجود خيار حقيقي، لا أن تكون وليدة ضرورة قاهرة. ويُعرف هذا الاتجاه في الفقه الحديث بمبدأ حظر استغلال حالة الضعف (Abuse of vulnerability)، وهو أحد التطبيقات المعاصرة لمبدأ حماية الإرادة من الاستغلال.
ولا يقف الأمر عند حدود حماية الإرادة الفردية، بل يمتد إلى نطاق أعمق يتمثل في حماية الكرامة الإنسانية باعتبارها مبدأً قانونيًا أعلى، أو ما يُعرف في الفقه الدستوري بالمبادئ فوق القانونية (Supra-legal principles)، التي تشكل أساس النظام القانوني برمته. فقد نصت المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن «جميع الناس يولدون أحرارًا متساوين في الكرامة والحقوق»، وهو ما يعني أن الكرامة الإنسانية لا تمثل مجرد حق قابل للتصرف، بل تمثل قيمة قانونية موضوعية تلتزم الدولة والمجتمع بحمايتها. ومن ثم، فإن تقديم المساعدة يجب ألا يكون مقرونًا بأي صورة من صور الإذلال أو المساس بالاعتبار الشخصي، أو تحويل الفقر إلى مادة للعرض الإعلامي، لأن الكرامة الإنسانية تمثل قيدًا قانونيًا موضوعيًا على جميع الأنشطة، بما في ذلك الأنشطة ذات الطابع الخيري.
ويعزز هذا الاتجاه ما استقر عليه القانون المدني، بما في ذلك القانون المدني الليبي، من الاعتراف بالحقوق اللصيقة بالشخصية، وفي مقدمتها الحق في الحياة الخاصة. ويترتب على الاعتداء على هذه الحقوق قيام المسؤولية المدنية وفقًا للقواعد العامة في المسؤولية عن الفعل الضار، والتي تقضي بأن «كل فعل يسبب ضررًا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض»، وهو مبدأ مستقر في التشريعات المدنية المقارنة والمطبقة في ليبيا. ويشمل الاعتداء على الحياة الخاصة نشر أو عرض تفاصيل الحياة الشخصية دون سند قانوني صحيح، أو بطريقة تنطوي على مساس بالاعتبار أو الكرامة الإنسانية. ويترتب على ذلك حق الشخص المتضرر في اللجوء إلى القضاء للمطالبة بوقف الاعتداء والتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت به.
وقد أكدت الاتجاهات القضائية المقارنة أن الحق في الحياة الخاصة والكرامة الإنسانية يمثلان من الحقوق الأساسية التي لا يجوز المساس بها حتى في إطار الأنشطة الإعلامية أو الخيرية، إذا كان ذلك ينطوي على استغلال لحالة الضعف أو انتهاك للخصوصية دون ضرورة حقيقية. ويعكس هذا الاتجاه تطورًا مهمًا في الفكر القانوني الحديث، الذي لم يعد يكتفي بحماية الإرادة من العيوب الشكلية، بل امتد ليشمل حمايتها من الاستغلال الموضوعي الناتج عن اختلال التوازن بين الأطراف.
وقد أكد القضاء المقارن هذا الاتجاه في العديد من أحكامه، ومن أبرزها حكم مجلس الدولة الفرنسي الصادر في قضية Commune de Morsang-sur-Orge بتاريخ 27 أكتوبر 1995، والتي تعلقت بشخص قصير القامة كان يقدم عرضًا ترفيهيًا يُعرف بـ”قذف قصير القامة” (Lancer de nain)، وذلك بموافقته الصريحة، حيث كان هذا النشاط يمثل مصدر رزقه. ورغم ثبوت رضاه الكامل، قضت المحكمة بمنع هذا النشاط، وقررت أن الكرامة الإنسانية تمثل مبدأً من مبادئ النظام العام (ordre public)، ولا يجوز التنازل عنها حتى برضا الشخص نفسه، لأن حماية الكرامة تُعد التزامًا قانونيًا يقع على عاتق الدولة والمجتمع، ولا يجوز إباحة أي نشاط ينطوي على امتهان القيمة الإنسانية للشخص، حتى لو صدر عنه قبول بذلك.
وفي ضوء ذلك، يكون العمل الخيري الإعلامي مشروعًا من الناحية القانونية إذا احترم مجموعة من الضوابط الأساسية، وفي مقدمتها وجود موافقة صريحة وصحيحة من المستفيد، واحترام كرامته الإنسانية أثناء التصوير والبث، وعدم تصويره بطريقة مهينة أو تمس اعتباره، وعدم استغلال حالة الفقر لتحقيق مكاسب إعلامية على حساب القيمة الإنسانية للشخص. كما يجب أن يظل الهدف الخيري هو الغاية الأساسية للنشاط، دون أن يتحول كشف الخصوصية إلى وسيلة لتحقيق الإثارة الإعلامية أو تعزيز الصورة المؤسسية على حساب حقوق الإنسان.
أما إذا انطوى النشاط على استغلال حالة الحاجة، أو كشف الخصوصية دون رضا صحيح، أو تقديم المساعدة بطريقة تنطوي على امتهان الكرامة الإنسانية، فإنه يفقد مشروعيته القانونية، ويتحول إلى فعل غير مشروع يرتب مسؤولية قانونية، ويجيز للمتضرر اللجوء إلى القضاء للمطالبة بوقف الاعتداء والتعويض عن الضرر، باعتبار أن حماية الحقوق الشخصية تمثل التزامًا قانونيًا لا يجوز التحلل منه تحت غطاء العمل الخيري.
والخلاصة أن العمل الخيري يمثل قيمة إنسانية نبيلة ومشروعة، بل ويُعد من المظاهر الإيجابية للتضامن الاجتماعي، غير أن مشروعيته القانونية تظل مشروطة باحترام الحدود التي رسمها القانون لحماية الخصوصية وصون الكرامة الإنسانية. فالقانون لا يمنع الإحسان، لكنه يمنع أن يتحول الإحسان إلى وسيلة للمساس بالحقوق الأساسية أو استغلال حالة الضعف. ومن ثم، فإن المعيار الحاسم في التقييم القانوني لهذه البرامج لا يتمثل في طبيعة المساعدة المقدمة، بل في مدى احترامها لإرادة الإنسان وكرامته، باعتبار أن الكرامة الإنسانية تظل، في جميع الأحوال، القيمة العليا التي يقوم عليها النظام القانوني، والتي يظل احترامها واجبًا لا يقبل المساومة تحت أي ظرف.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.





