بالتعاون بين المركز القومي للبحوث والدراسات العلمية وفريق الحوار والمصالحة السياسي، عُقِدت ندوة حوارية بالعاصمة طرابلس شارك فيها الدكتور محمد عبد الرحمن بالروين، ممثل دائرة مصراتة بالهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، بشأن الإشكاليات والتناقضات والدوافع التي أدت لإطلاق مبادرته وبمشاركة مجموعة من الأكاديمين والأكاديميات.
وفي بداية اللقاء أكد د. رمضان بن زير الأمين العام المفوض للمركز العربي الأوربي لحقوق الإنسان والقانون الدولي وعضو اللجنة العلمية للمركز القومي للبحوث الدراسات العلمية على أهمية متل هذه اللقاءات المتميزة لأن المشاركين فيها قامات علمية مرموقة.
وأضاف د . بن زير أن هذا اللقاء جاء في وقته لأننا في حاجة إلى وقفة جدية لحسم مشروع مسودة الدستور التي تم إقرارها عام 2017 ولم يتم عرضها بسبب وجود بعض الإشكاليات الجوهرية في هذا المشروع ورفضها من قبل ممثلي بنغازي مصراتة والبيضاء والزاوية، وتابع: “لهذا أدعوكم للاستماع للضيفنا الدكتور محمد بالروين لطرح مبادرته والتي جاء فيه:
أولاً: الدوافع الجوهرية لتقديم المبادرة
حدد الدكتور بالروين أربعة أسباب رئيسية جعلت من الضروري التدخل بمبادرة لحل الأزمة:
1. غياب الشفافية: انتقد آلية إقرار المشروع في الجلسة رقم (74)، حيث تم التصويت عليه “حزمة واحدة” في غضون 40 دقيقة فقط، دون جدول أعمال مسبق، و بالمخالفة للائحة الداخلية التي كانت تشترط النقاش “مادة مادة” أو “باباً باباً”.
2. صورية الاستفتاء: حذر من أن يتحول الاستفتاء إلى مجرد نعم أو لا دون وعي شعبي حقيقي بالمحتوى، خاصة و أن الكثير من المواطنين لم يشاركوا في صياغته أو حتى قراءته.
3. الاستغلال السياسي: التخوف من استغلال المعاناة الاقتصادية و الصحية للشعب لتمرير مشروع معيب أو تحقيق أجندات جهوية و عرقية.
4. التسييس: ضرورة إبعاد القضية الدستورية عن المعترك السياسي و المحاصصة لضمان بناء دولة حديثة.
ثانياً: الإشكاليات الفنية و التناقضات في مسودة الدستور:
سلط الدكتور الضوء على نقاط يعتبرها “إشارات خطرة” و تناقضات دستورية، ومنها:
- تجاهل الإرادة الشعبية: أشار إلى أن المسودة تركت تحديد علم الدولة و نشيدها للقانون، متجاهلة نتائج مسح وطني (2013) أظهر أن الأغلبية الساحقة (88-89%) تفضل علم الاستقلال و نشيد “يا بلادي”.
- التناقض في معايير الاستحقاق: تنص المادة (17) على تولي الوظائف بناءً على الجدارة، بينما تفرض المادة (75) محاصصة و كوتا للأقاليم و المكونات، و هو ما يراه تناقضاً صارخاً مع مبدأ المواطنة في المادة (7).
- تعزيز الدكتاتورية: انتقد المادة (95) التي تسمح بانتقال اختصاصات أحد المجلسين للآخر في حال الحل، معتبراً إياها أداة سهلة للرئيس للسيطرة و التسلط.
- غموض المصطلحات: اعترض على استخدام مصطلحات غير دستورية و غامضة مثل “أسباب وجيهة” لحل السلطة التشريعية، مما يمنح الرئيس سلطة تقديرية واسعة دون رقابة حقيقية.
- إشكالية مجلس البحوث الشرعية: يرى أن دسترة هذا المجلس (المادة 161) قد تُعطي انطباعاً بوجود مؤسسات “غير شرعية” و تفتح الباب للجدل حول إلزامية الفتاوى و علاقتها بسلطات الدولة.
- التناقض في “وحدة الدستور”: بالرغم من أن المادة (194) تنص على أن الدستور وحدة واحدة، إلا أن هناك نصوصاً متناقضة مثل الجمع بين منع مزدوجي الجنسية من المناصب (المادة 192) و بين مبادئ المواطنة العامة.
ثالثاً: المبادرة المقترحة للحل (الخطوات الثلاث)
اقترح الدكتور حلاً يتلخص في مدة 60 يوماً عبر ثلاث مراحل متتالية:
1.الإحالة: تشكيل لجنة تحكيم وطنية مستقلة تكون قراراتها نهائية و ملزمة تتكون من (15 عضواً بالتساوي بين الأقاليم الثلاثة)، بحيث تكون مهامها حصر المواد الخلافية خلال 7 أيام، و اعتبار المواد غير المعترض عليها مواد توافقية، و الاستماع إلى المؤيدين و المعارضين في جلسات علنية منقولة مباشرة، و اتخاذ القرارات و الفصل فيها بالتوافق، أو بأغلبية الثلثين + 1.
2.الرجوع: في حال بقاء إشكاليات، يتم الرجوع إلى ما نص عليه دستور 1951 و تعديلاته في 1963، كحل توافقي و نهائي لها.
3.الترحيل: إذا تعذر الحل، يتم ترحيل الإشكاليات المتبقية ليختار الشعب بين مقترحات متعددة أثناء الاستفتاء، أو ترحيلها لمرحلة مستقبلية.
خلاصة قوله:
- دعا المحاضر إلى مراجعة شاملة للمواد المتضاربة و وضع آليات واضحة للتفسير و التطبيق.
- شدد على أهمية الوضوح و الدقة في الصياغة الدستورية لتجنب التأويل و الانقسام.
- طالب بضمان توازن السلطات و حماية الديمقراطية من خلال نصوص دستورية واضحة و عادلة.
واختتم قائلا: إن الاستمرار في مسودة المشروع الحالي دون معالجة هذه “العيوب” سيؤدي إلى “تقسيم المقسم و تكريس الجهوية والمحاصصة المقيتة”.
من جانبه قدم المهندس طارق خير الله أحد قيادات المشروع الحضاري النهضوي الليبي، رأي قيادات المشروع النهضوي حول مبادرة الدكترو بالروين، والتي تضمنت ما يلي:
· الإشكاليات المطروحة تستحق النقاش الجاد، خاصة تلك المتعلقة بتوازن السلطات و المواطنة.
· المبادرة المقترحة ممتازة و تستحق الدراسة، لكنها تحتاج إلى:
- ضمانات تنفيذية واضحة.
- مهلة زمنية محددة لتجنب التأخير.
- قد لا يكون هناك توافق بين دستور 1951، حيث كان ملكياً و مركزياً، و ما يتناسب مع ليبيا المعاصرة التي تتجه نحو اللامركزية.
· البديل الأفضل قد يكون دمج آلية التحكيم مع استفتاء شعبي على المواد الخلافية، بحيث يكون للشعب الكلمة الأخيرة.
. النقطة الغائبة في أغلب النقاشات حول إشكالية الدستور (و التي ينادي بها دائماً المشروع الحضاري النهضوي) هي عدم النظر بجدية إلى ضرورة اعتماد رؤية وطنية واضحة تحقق الاستقرار و تفرض الأمن و المصالحة كخطوة أساسية وتحقق التنمية والنهضة الشاملة.
ولذلك حسب وجهة نظر قيادات المشروح الحضاري النهضوي الليبي يمكن الوصول إلى كتابة الدستور على مرحلتين اثنين:
الأولى في ظل حكومة تكنوقراط موقتة فيها يتم الاتفاق على قاعدة دستوريةً يتم من خلالها سن قوانين الانتخابات والبدء في الانتخابات، ثم تشكيل لجنة من المختصين من كل مناطق الوطن يتم من خلالها الاتفاق على روية وطنية يراجع الدستور على أساسها ويتم الاتفاق على بعض نقاط الخلاف أوكلها.
الثانية في الستة أشهر الأولى من الحكومة المنتخبة يتم عرض الدستور على الاستفتاء ويحسم الشعب نقاط الخلاف إن وجدت.
خلاصة القول: المبادرة التي تقترح آلية حوار وطني حقيقي هي الطريق الأكثر أماناً، خاصة إذا تم ربطها برؤية استقرار شاملة.






اترك تعليقاً