بعد إلغاء القرار 49.. خبير قانوني يتحدّث لـ«عين ليبيا» عن مصير المقيمين في ليبيا

يعد ملف الهجرة وتنظيم إقامة الأجانب في ليبيا أحد أكثر القضايا تعقيدا وتشابكا في المشهد الراهن، حيث تتداخل فيه الأبعاد القانونية والسياسية مع التحديات الأمنية والاقتصادية التي تفرضها الضغوط الدولية وتنامي أعداد المقيمين على الأراضي الليبية، وهو ما يجعل البحث عن إطار تشريعي متوازن يجمع بين سيادة الدولة الليبية واحترام الالتزامات الإنسانية الدولية مطلبا وطنيا ملحا لتجاوز حالة التخبط الإداري، وضمان سير كافة الإجراءات وفق معايير واضحة تكرس مبدأ المشروعية وتنهي حالة الاستثناءات التي رافقت إدارة هذا الملف الحيوي لسنوات طوال.

وفي تصريح خاص لشبكة عين ليبيا، أكد أستاذ القانون العام المساعد بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا مجدي الشبعاني، أن هذه القضية لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها نزاعا حول قرار إداري قديم فحسب، وإنما باعتبارها اختبارا حقيقيا لمدى احترام الدولة لمبدأ المشروعية والتدرج التشريعي، وفي الوقت نفسه اختبارا لقدرتها على إدارة ملف الهجرة والإقامة وفق سياسة قانونية واضحة ومتوازنة، تراعي سيادة الدولة وتحترم حقوق الإنسان في آن واحد.

وبين مجدي الشبعاني في حديثه للشبكة تفاصيل القرار رقم (49) لسنة 1990، موضحا أنه صدر في ظل القانون رقم (10) لسنة 1989 بشأن حقوق وواجبات العرب، في سياق سياسي كانت تغلب عليه توجهات الانفتاح والوحدة العربية، حيث منح العرب المقيمين في ليبيا معاملة قانونية متميزة في عدد من المجالات، ومن أبرز ما رتبه القرار حق الإقامة وفق الضوابط القانونية، والعمل في الجهات العامة والأنشطة الاقتصادية وفق التشريعات النافذة، والاستفادة من بعض الخدمات العامة كالتعليم والعلاج، وبعض الحقوق المرتبطة بالتملك أو الانتفاع في الحدود التي يجيزها القانون.

وأشار مجدي الشبعاني إلى أن القرار لم يمنح الجنسية الليبية أو يرتب آثارها، وإنما قرر معاملة قانونية خاصة للعرب المقيمين، وقد عاد القرار إلى واجهة النقاش بعد اتخاذ إجراءات هدفت إلى إعادة تفعيل العمل به بالنسبة لبعض الفئات، ثم صدر حكم محكمة استئناف طرابلس بإلغاء تلك الإجراءات، تأسيسا بحسب ما ورد في حيثيات الحكم على أن القرار لم يعد قائما في ظل المنظومة التشريعية اللاحقة المنظمة لدخول وإقامة الأجانب، وأن الإدارة لا تملك إعادة إحيائه بإجراء إداري.

وعند سؤاله عن قراءته لحكم المحكمة، أكد مجدي الشبعاني أنه من الناحية القانونية يرى أن الحكم يكرس أحد أهم مبادئ القانون العام وهو مبدأ المشروعية، الذي يقتضي خضوع الإدارة للقانون وعدم جواز تجاوزها للحدود التي رسمها المشرع، كما يؤكد الحكم مبدأ التدرج التشريعي، ومؤداه أن القاعدة القانونية لا يجوز تعديلها أو إلغاؤها أو إعادة العمل بها إلا بأداة قانونية مساوية لها أو أعلى منها في المرتبة، فإذا كان القرار فقد سنده القانوني أو لم يعد نافذا وفق التشريعات اللاحقة وهو ما استندت إليه المحكمة، فإن إعادة العمل به لا تكون بتعميم أو تعليمات إدارية، وإنما من خلال السلطة المختصة وبالأداة التشريعية المناسبة، ومن هذه الزاوية، فإن الحكم لا يقتصر أثره على القرار رقم (49)، وإنما يعيد التأكيد على أن الإدارة ليست مصدرا للتشريع، وإنما جهة لتطبيقه.

وفي رده حول ما إذا كان الحكم يعزز سيادة القانون أو يخلق إشكاليات جديدة، أوضح مجدي الشبعاني أنه يحقق الأمرين معا؛ فمن جهة يعزز سيادة القانون لأنه يؤكد أن جميع السلطات التنفيذية ملزمة باحترام النصوص القانونية والتسلسل التشريعي، وهو ما يمثل ضمانة أساسية لدولة القانون، ومن جهة أخرى، قد يثير إشكالات عملية بالنسبة للأشخاص الذين رتبوا أوضاعهم القانونية استنادا إلى إجراءات التفعيل السابقة، سواء تعلق الأمر بعلاقات العمل أو بعض الحقوق الإدارية أو الانتفاع بالخدمات العامة، ومن ثم، فإن معالجة هذه الآثار ينبغي أن تتم وفق قواعد انتقالية واضحة تراعي مبدأ حسن النية، وتحافظ في الوقت ذاته على احترام الأحكام القضائية.

وتطرق مجدي الشبعاني إلى مدى ارتباط الجدل الحالي بمخاوف التوطين والهجرة غير النظامية، مؤكدا أنه لا يمكن فصل هذا الجدل عن السياق العام الذي تعيشه ليبيا اليوم، فملفات الهجرة غير النظامية، والضغوط الدولية، ومخاوف التوطين، والأعباء الاقتصادية والأمنية، جعلت أي قرار يتعلق بالمقيمين الأجانب محل اهتمام واسع، لكنه شدد على أنه من الناحية القانونية يجب التمييز بين مسألتين مختلفتين، هما تنظيم حقوق المقيمين بصورة قانونية، وسياسات التوطين أو منح الجنسية، فالحقوق المقررة للمقيم النظامي لا تعني بالضرورة التوطين، كما أن تنظيم الإقامة لا يعني منح صفة المواطن، ومن المهم ألا يتحول النقاش القانوني إلى نقاش سياسي يخلط بين هذه المفاهيم المختلفة.

وحول الموازنة بين الاعتبارات الإنسانية والسيادة الوطنية، بين مجدي الشبعاني أن تحقيق هذا التوازن يمثل أحد أهم تحديات الدولة الحديثة، فمن ناحية، تلتزم الدولة باحترام المبادئ الإنسانية، ولا سيما تجاه الفئات الفارة من النزاعات المسلحة أو الأوضاع الاستثنائية، ومن ناحية أخرى، تظل الدولة صاحبة الاختصاص الأصيل في تنظيم الدخول والإقامة والعمل، بما يحفظ أمنها القومي واستقرارها الاقتصادي والاجتماعي، ولذلك، فإن الاعتبارات الإنسانية لا ينبغي أن تدار عبر حلول استثنائية أو مؤقتة، وإنما من خلال إطار قانوني واضح يحدد الفئات المستحقة للحماية، ونطاق الحقوق المقررة لها، ومدة تلك الحماية، والجهة المختصة بمنحها أو إنهائها، وبذلك تتحقق الإنسانية دون الإخلال بمبدأ السيادة.

وعن وجود فراغ تشريعي أو ضعف في التطبيق في ليبيا، أفاد مجدي الشبعاني في تقديره أن المشكلة ليست غياب النصوص وحده؛ فالتشريعات المنظمة لدخول وإقامة الأجانب موجودة، كما توجد قواعد تنظم العمل والإقامة والعقوبات المتعلقة بالمخالفة، غير أن الإشكال الأكبر يتمثل في تعدد الجهات المختصة، وغياب سياسة وطنية موحدة للهجرة، وضعف التنفيذ والرقابة، وكثرة الاستثناءات، وعدم وجود قاعدة بيانات دقيقة للمقيمين، ومن ثم، فإن الأزمة تبدو في جانب كبير منها أزمة إدارة وتطبيق وحوكمة، أكثر منها أزمة نقص في التشريع.

وبخصوص التمييز بين اللاجئ والمهاجر الاقتصادي، أوضح مجدي الشبعاني أن هذا التمييز ضروري من الناحية القانونية والعملية؛ فاللاجئ هو شخص يطلب الحماية بسبب تعرضه لخطر الاضطهاد أو النزاع أو غير ذلك من الأسباب التي يحددها القانون الدولي، وتحدد صفته وفق إجراءات قانونية مختصة، أما المهاجر الاقتصادي، فهو ينتقل أساسا بهدف العمل أو تحسين ظروفه المعيشية، ويخضع للقوانين الوطنية المنظمة للهجرة والعمل، والخلط بين الفئتين يؤدي إلى اضطراب السياسات العامة، ويؤثر في إدارة الموارد، ويضعف قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها القانونية والدولية.

وفيما يخص المرحلة المقبلة، يعتقد مجدي الشبعاني أنها تتطلب تبني سياسة وطنية شاملة للهجرة والإقامة تقوم على عدة مرتكزات، وهي: احترام الأحكام القضائية وتنفيذها، ومراجعة القرارات الإدارية لضمان توافقها مع التشريعات النافذة، وتحديث الإطار التشريعي المنظم للهجرة والإقامة واللجوء بما يواكب التحديات الراهنة، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة للمقيمين، ووضع ضوابط واضحة لسوق العمل وتنظيم العمالة الأجنبية، ووضع نظام قانوني متكامل للحماية الإنسانية يراعي الالتزامات الدولية ويحفظ السيادة الوطنية، وتعزيز التعاون الدولي في مكافحة الهجرة غير النظامية مع الحفاظ على القرار الوطني المستقل.

وفي الختام، يرى مجدي الشبعاني أن حكم محكمة استئناف طرابلس يتجاوز مجرد الفصل في نزاع يتعلق بالقرار رقم (49) لسنة 1990، ليؤكد مبدأ دستوريا راسخا، هو أن الإدارة لا تملك إنشاء الشرعية أو إحياء النصوص الملغاة بإرادتها المنفردة، وإنما تظل خاضعة للقانون وللتسلسل التشريعي، وفي الوقت ذاته، يكشف هذا الجدل الحاجة الملحة إلى تبني سياسة وطنية واضحة في مجال الهجرة والإقامة، تقوم على تشريع حديث، وإدارة فعالة، واحترام الأحكام القضائية، بما يحقق التوازن بين حماية السيادة الوطنية، والوفاء بالالتزامات الإنسانية، وصون الحقوق التي يكفلها القانون.

اقترح تصحيحاً