تتصاعد التحديات التي تواجه قطاع الإسكان في ليبيا في ظل استمرار اتساع الفجوة بين الطلب المتزايد على المساكن وتعثر تنفيذ المشاريع السكنية، وسط ارتفاع تكاليف البناء وتزايد الضغوط على البنية التحتية، وبينما تتجه الدولة إلى إطلاق مبادرات تمويلية تستهدف دعم الشباب وتوفير حلول سكنية، يرى خبراء أن معالجة الأزمة تتطلب رؤية أشمل تتجاوز منح القروض إلى إصلاح منظومة التخطيط العمراني والتسجيل العقاري والتمويل، بما يسمح بإعادة توظيف الأصول العقارية المعطلة وتحويلها إلى محرك للنمو الاقتصادي.
وفي هذا السياق، أكد رجل الأعمال حسني بي، في تصريح لـ«عين ليبيا»، أن أزمة السكن في ليبيا ليست أزمة نقص أموال، وإنما أزمة أصول معطلة وتخطيط غائب، مشيراً إلى أن البلاد تمتلك مئات المليارات من الدنانير في عقارات قائمة ومشروعات متوقفة، إلا أن جزءاً كبيراً منها خارج الدورة الاقتصادية والتمويلية، لذلك لا ينتج ثروة مستدامة.
وأوضح حسني بي أن أزمة السكن لا ينبغي اختزالها في عدد الوحدات السكنية المطلوبة أو حجم القروض التي يمكن أن تمنحها الدولة، لأن المشكلة، بحسب وصفه، أعمق بكثير، وتمتد إلى التخطيط الحضري، والتسجيل العقاري، والبنية التحتية، والتمويل، وإدارة الأصول.
وأضاف أن المدينة ليست مجرد مجموعة مساكن، بل تحتاج إلى مناطق سكنية وتجارية وصناعية وخدمية وترفيهية، حتى يتمكن المواطن من السكن والعمل والحصول على الخدمات ضمن بيئة حضرية متكاملة، لافتاً إلى أن ليبيا شهدت توسعاً عمرانياً كبيراً سبق المخططات والقوانين، الأمر الذي يتطلب تنظيمه وإدماجه ضمن برامج متكاملة.
وأشار إلى أن الاقتصاد سبق المؤسسات والإدارات، حيث بنى المواطنون مساكنهم، واشتروا وباعوا، وتمددت المدن، بينما بقي التخطيط والتسجيل العقاري والبنية التحتية متأخرة عن الواقع.
وقدّر حسني بي وجود ما يقارب مليون عقار ووحدة ومنشأة خارج المخططات المنظمة بدرجات متفاوتة، موضحاً أن القيمة التقديرية لهذه الثروة قد تتجاوز 500 مليار دينار، إضافة إلى نشوء مناطق تجارية وصناعية وخدمية عشوائية بجوارها، مؤكداً أن هذا الرقم يمثل تقديراً شخصياً تقريبياً وليس إحصاءً رسمياً أو نتيجة مسح حكومي.
وأوضح أن المشكلة الأساسية تكمن في أن هذه الثروة موجودة مادياً، لكنها في كثير من الحالات لا تمتلك شهادات عقارية سليمة أو تسجيلاً واضحاً أو رخص بناء أو مخططات معتمدة تتوافر فيها الخدمات، الأمر الذي يجعل قيمتها التمويلية لدى المصارف شبه معدومة، رغم أنها تمثل ثروة حقيقية فوق الأرض، لكنها معطلة مالياً وقانونياً.
وفيما يتعلق بالمشروعات السكنية المتوقفة، أشار إلى أن الأمر ينطبق أيضاً على نحو 380 ألف وحدة سكنية متوقفة منذ عام 2011، مقدراً القيمة الحالية لما هو قائم منها بنحو 120 مليار دينار، مع الحاجة إلى نحو 70 مليار دينار إضافية لاستكمالها، بخلاف تكلفة البنية التحتية، مؤكداً أن هذه أيضاً تقديرات تقريبية من وجهة نظره وليست أرقاماً رسمية.
وتساءل حسني بي: إذا كانت هناك عشرات المليارات من رأس المال مجمدة في مشاريع قائمة، فلماذا تبدأ الدولة في كل مرة من الصفر؟ مؤكداً أن الأولوية يجب أن تكون لجرد هذه المشروعات وتقييمها مشروعاً بمشروع، وتحديد ما يمكن استكماله سريعاً، وما يحتاج إلى إعادة هيكلة مالية، وما يمكن إسناده إلى القطاع الخاص من خلال شراكات تقوم على إدخال الأرض والمنشآت غير المكتملة مع التمويل الخاص لاستكمال المشاريع، إلى جانب إعادة تصميم ما يحتاج إلى ذلك.
وعن حجم الطلب على الإسكان، أوضح أن ليبيا تشهد تكوين نحو 50 ألف أسرة جديدة سنوياً، ما يرفع الحاجة الفعلية إلى ما بين 60 و70 ألف وحدة سكنية سنوياً، بعد احتساب الطلب المتراكم، واستبدال المساكن القديمة، والهجرة الداخلية بحثاً عن العمل والأمان والخدمات.
وأضاف أن ذلك يعني حاجة البلاد خلال خمس سنوات إلى نحو 300–350 ألف وحدة سكنية جديدة فقط لمنع اتساع الفجوة، ونحو 600–700 ألف وحدة خلال عشر سنوات، قبل معالجة العجز المتراكم أصلاً.
وأكد حسني بي أن بناء المنازل وحده لا يكفي، موضحاً أن بناء مدينة متكاملة يتطلب توفير الطرق وشبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات والمدارس والخدمات ومناطق العمل، وإلا فإن النتيجة ستكون توسعاً جديداً للعشوائيات.
وأشار إلى أن مناطق واسعة تعتمد اليوم على شبكات كهرباء عشوائية، وتستهلك الطاقة بصورة شبه مجانية، وتعتمد على الآبار في ظل غياب شبكات المياه، وتستخدم خزانات للصرف الصحي، محذراً من أن تسرب هذه الخزانات إلى التربة والمياه الجوفية يحول أزمة السكن إلى أزمة بنية تحتية وبيئة وصحة عامة.
وبشأن مبادرة القروض السكنية بقيمة 150 ألف دينار، قال حسني بي إن القرض وحده لا يمثل سياسة إسكان، موضحاً أنه إذا جرى رفع قدرة المواطنين على الشراء دون زيادة عدد الوحدات السكنية المعروضة، فإن النتيجة ستكون ارتفاع أسعار الأراضي والعقارات ومواد البناء، بما يعني تمويل التضخم العقاري بدلاً من تمويل السكن.
وأكد ضرورة أن يسير تمويل الطلب وزيادة العرض بالتوازي، مشيراً إلى أن مبلغ 150 ألف دينار لا يمكن أن يكون مناسباً لجميع المدن والحالات، لأن التمويل العقاري يجب أن يرتبط بقيمة العقار، ودخل الأسرة، وقدرتها على السداد، ومدة القرض، ونسبة التمويل إلى قيمة الأصل.
وأضاف أنه لا يرى أن الدولة يجب أن تكون المقاول والممول والموزع في الوقت نفسه، واصفاً ذلك بأنه “ضرب من الخيال”، موضحاً أن الدور الأساسي للدولة يتمثل في التخطيط والتنظيم والتسجيل، وتوفير البنية التحتية، وحماية الملكية والعقود، مع توفير مساكن لغير القادرين في إطار نظام إيجار رمزي، وليس من خلال التمليك.
وأوضح أن البناء والتمويل والتطوير يمكن أن تتولى الجزء الأكبر منه مؤسسات القطاع الخاص والمصارف وصناديق الاستثمار، مع مشاركة المواطنين عبر أدوات تمويل مثل الصكوك الإسلامية والسندات.
وفي ما يخص المشاريع المتوقفة، اقترح إنشاء شركات مشروع مستقلة (SPV)، تدخل فيها الأراضي والمنشآت القائمة كحصص عينية بعد تقييم مستقل، ثم ينضم إليها المطور والممول لاستكمال المشروع، بحيث تتحول الأصول القائمة نفسها إلى جزء من رأس مال المشروع بدلاً من البدء من الصفر.
وأكد أن خفض أسعار السكن لا يتحقق بإجبار المستثمرين على البيع بأقل من التكلفة، لأن ذلك سيؤدي إلى توقف الاستثمار، وإنما عبر خفض تكلفة إنتاج الوحدة السكنية من خلال توفير الأراضي المخططة، والبنية التحتية، وتسريع إجراءات التراخيص والتسجيل، وتقليل مخاطر النزاعات العقارية، وفتح التمويل طويل الأجل وتعزيز المنافسة.
كما شدد على ضرورة إعادة تفعيل السجل العقاري بصورة عملية، معتبراً أنه من غير المنطقي تعطيل ثروة شعب كامل بسبب نسبة محدودة من المخالفات، موضحاً أنه إذا كانت نحو 5% من الحالات تحتاج إلى مراجعة أو نزاع قانوني، فلا يجوز تجميد 95% من العقارات السليمة بسببها.
ودعا إلى فرز الحالات، وتسوية ما يمكن تسويته، وإحالة النزاعات إلى آليات قانونية واضحة، وفتح الباب أمام تسجيل بقية الأصول.
وفي ختام تصريحه، أكد حسني بي أن ليبيا ليست فقيرة في العقار، بل تمتلك، بحسب تقديره، ثروة عقارية ضخمة، إلا أن جزءاً كبيراً منها ما يزال خارج الدورة الاقتصادية المنظمة.
وأشار إلى أنه يقدّر قيمة نحو مليون عقار ومنشأة خارج المخططات بما قد يتجاوز 500 مليار دينار، فيما تبلغ القيمة التقديرية لما هو قائم في نحو 380 ألف وحدة سكنية متوقفة قرابة 120 مليار دينار، مع الحاجة إلى نحو 70 مليار دينار إضافية لاستكمالها، بخلاف البنية التحتية، مكرراً أن هذه الأرقام تمثل تقديرات شخصية تقريبية وليست بيانات رسمية.
وختم بالقول إن السؤال الحقيقي ليس كم ستنفق الدولة من مليارات جديدة، وإنما كيف يمكن تحويل مئات المليارات الموجودة بالفعل في العقارات والأراضي والمشروعات المتوقفة إلى أصول مسجلة وقابلة للرهن والتمويل والاستثمار، مؤكداً أن نجاح ذلك لن يقتصر على حل أزمة السكن، بل سيطلق أحد أكبر الأصول المجمدة في الاقتصاد الليبي، ويحوّل العقار من عبء على الخزانة العامة إلى محرك للاستثمار والتمويل والتشغيل والنمو وخلق الثروة.





