
تجتاح الإعلاميين التونسيين خلال هذه الأيام موجة من الجدل حول حرية الإعلام العمومي بعد تصريحات لنقيب الصحفيين ناجي البغوري قال فيها إن النقابة “ورد عليها أكثر من لفت نظر من الزملاء الصحفيين في الإعلام العمومي وبشكل أساسي في الإذاعة والتلفزةً، حيث يهاتفهم أشخاص من السلطة التنفيذية، ويتكلمون معهم بلغة العتب أو النصح أو التوجيه أو الإرشاد” منبّها إلى مخاطر محاولات السيطرة على الإعلام من قبل السلطة التنفيذية فيما نفت مصادر رسمية أي توجه للهيمنة على الإعلام مشددة على أن حرية الإعلام “خط أحمر”.
يأتي ذلك في وقت يعتبر فيه التونسيون أن “حرية الإعلام” هي المكسب الوحيد لثورة يناير/كانون الثاني 2014 حيث تسلح الصحفيون والإعلاميون بكثير من الجرأة والنضال من أجل الدفاع عن ممارسة مهنتهم بكل حرية بعيدا عن شتى أشكال الضغوطات التي مارستها الحكومات المتعاقبة.
وبدأ “الجدل” حول حرية الإعلام العمومي حين كشف نقيب الصحفيين التونسيين ناجي البغوري أن عددا من الصحفيين والإعلاميين اتصلوا بالنقابة ولفتوا نظرها إلى “أن أشخاصا من السلطة التنفيذية ما انفكوا يتصلون بهم هاتفيا ويتكلمون معهم بلغة العتب أو النصح أو التوجيه أو الإرشاد” وحذر البغوري من “محاولات السيطرة على الإعلام من قبل السلطة التنفيذية سواء رئاسة الحكومة أو رئاسة الجمهورية.
وأثارت تصريحات البغوري “مخاوف جدية” لدى الصحفيين والإعلاميين من “تدجين” مهنتهم وتجريدها من حريتها ونزاهتها وموضوعيتها في التفاعل مع الشأن العام بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
فقد أطلقت الإعلامية بالتلفزة التونسية الحكومية أمال الشاهد نداء إلى السلطات والهيئات بما فيها الحكومة ورئاسة الجمهورية والبرلمان وكذلك إلى الصحفيين والإعلاميين احترام حرية الإعلام واستقلاليته “بعيدا عن لوبيات المال والسياسة”.
غير أن رئاسة الجمهورية سارعت إلى التأكيد على احترام حرية الإعلام إذ صرح فيصل الحفيان المكلف بمتابعة المؤسسات الخاضعة إلى رئاسة الجمهورية بأن “رئاسة الجمهورية تتعامل بصفة ايجابية مع كل وسائل الإعلام وتعتبر الإعلام سلطة رابعة وجب احترامها وبالتالي كل ما قيل او ما يقال خلاف ذلك لا صحة له” ودعا نقابة الصحفيين إلى المزيد من التحري”.
ومن جهته قال معز السيناوي المكلف بالإعلام في رئاسة الجمهورية معلقا على تصريحات نقيب الصحفيين “هم لم يذكروا أسماء، ولم يذكروا لا الزمان ولا المكان، بصفة عامة رئاسة الجمهورية لا تتعامل بهذه الصفة مع أيّ صحفي أو إعلامي، وإذا ورد أي تشكيك فليقل المشككون اسم وصفة من قام معهم بهذه التصرفات، نحن لسنا مع هذا التمشي مطلقا، بل بالعكس نتعامل مع الإعلام، العمومي أوالخاص، بصفة شفافة، ونحن ليس لدينا أي استعداد لكي نرجع بالإعلام إلى الوراء، مهجتنا في حرية التعبير.. فإذا كان هناك مكسب في تونس ربحناه من الثورة، هو حرية التعبير، ولا تراجع فيها، وهو الركيزة الأساسية للديمقراطية للجمهورية الثانية”.
غير أن مدير التلفزيون الحكومي مصطفى بن لطيف اعتبر أن “النزعة للتدخل أو للتعقيب تأتي من السلطة، وهذا ليس غريبا، فكل سلطة تريد أن يكون الإعلام في خدمة تصوراتها، وهذه الظاهرة موجودة في العالم” مضيفا “نحن نعيش فترة مخاض في البلاد بين نزعة تريد القطع مع الماضي ويكون الإعلام العمومي مرفقا عاما وليس إعلاما حكوميا، هناك بعض الموظفين أو المستشارين لديهم مبالغات.. حرية الإعلام من المكاسب، نحن ندافع عنها، وهناك من يريد الجذب إلى الوراء وهناك من يدفع للأمام”.
ويقول الصحفيون والإعلاميون التونسيون إن طبيعة مهنتهم ووعيهم بالمرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد تستوجب الوقوف على نفس المسافة من الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني مشددين على أن “استقلاليتهم وشفافية المهنة” لا تتعارض مع توجهات الإعلام العمومي الذي يبقى في خدمة الدولة، غير أنهم يلاحظون أن “خدمة الدولة لا يضمنها إعلام مدجن بل يضمنها إعلام حر يتحلى بالجرأة والنقد ليكون مرآة تعكس مشاغل التونسيين”.




