خبير لـ«عين ليبيا»: نجاح المبادرات ليس بكثرة الاتفاقات والبعثة عاجزة عن فرض الانتخابات

تشهد الساحة السياسية الليبية في الآونة الأخيرة حراكاً دبلوماسياً مكثفاً لإنهاء حالة الانسداد التي تهيمن على المشهد منذ سنوات، حيث تسعى البعثة الأممية عبر خطتها الإستراتيجية إلى وضع إطار عملي يتجاوز العقبات التشريعية والأمنية التي واجهت المبادرات السابقة، ويأتي هذا التحرك بالتزامن مع تفاهمات لجنتَي الحوار، ووسط تباين في وجهات النظر حول مدى فاعلية القوانين الانتخابية الحالية، إذ يدور الجدل الأساسي في الأوساط السياسية حول واقعية تشكيل حكومة انتقالية جديدة تدير المرحلة المرتقبة، في ظل استمرار الانقسام المؤسسي والعسكري، وتتزايد التساؤلات حول جدوى الاعتماد على المسارات التشريعية المباشرة بين مجلسي النواب والدولة، مقارنة باللجوء إلى المادة 64 لإنشاء ملتقى حوار جديد، وتظل هذه التطورات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتوازنات الإقليمية والدولية المؤثرة في القرار الليبي، والتي تتأرجح سيناريوهاتها بين التسوية السياسية الشاملة أو استمرار الجمود الراهن.

وحول ذلك، وفي حديث خاص أدلى به خبير العلاقات الدولية الدكتور إلياس الباروني لشبكة عين ليبيا، أوضح أن الأطروحات الحالية تلمس الجوهر الحقيقي للأزمة الليبية، مؤكداً أن الإشكال الراهن لا يتعلق بابتكار مبادرات جديدة، بل يرتبط بالقدرة الفعلية على تحويل التوافقات السياسية النظريّة إلى واقع مؤسسي قابل للتطبيق على الأرض. وفكك الخبير أبعاد المشهد عبر محاور رئيسية شملت كافة تفاصيل الملف.

وبشأن تقييم التوافقات الأخيرة الصادرة عن لجنة (4+4)، يرى خبير العلاقات الدولية الدكتور إلياس الباروني أن هذه الخطوة تشكل تطوراً إيجابياً على الصعيد الإجرائي، غير أنها لا تبدو كافية لإعلان اقتراب البلاد من تسوية سياسية شاملة. واستند في ذلك إلى التجارب السابقة التي شهدتها ليبيا بدءاً من اتفاق الصخيرات مروراً بمسار جنيف والمسارات الدستورية المتعددة، والتي برهنت على أن المعضلة لا تكمن في صياغة التفاهمات داخل أروقة اللجان، بل في تحويل تلك التفاهمات إلى قرارات سياسية تحمل طابعاً إلزامياً.

وأشار إلى أن اللجنة نجحت بالفعل في تقليص بعض مساحات الخلاف، لكنها أحجمت عن حسم القضايا الأكثر حساسية، وفي مقدمتها شكل السلطة التنفيذية المقبلة، وآليات تطبيق القوانين الانتخابية، وضمان قبول الأطراف المختلفة لنتائج الصناديق، مما يجعل التوافقات مجرد مؤشر إيجابي يفتقر لصفة نقطة التحول الحقيقية، ما لم يقترن باتفاق سياسي شامل يحظى بضمانات داخلية وخارجية متينة.

وفيما يتصل بالخلاف المستمر بين مجلسي النواب والدولة والمقارنة بين مساري التوافق المباشر والحوار عبر المادة (64)، رجّح الدكتور إلياس الباروني كفة التوافق المباشر من منظور واقعي، مبرراً ذلك بكونه يرتكز على مؤسسات قائمة تمتلك نصيباً من الشرعية القانونية. وفي المقابل، يتطلب تفعيل المادة (64) صياغة لجنة حوار سياسي جديدة، وهو أمر يثير انقساماً واسعاً بالنظر إلى التجربة السابقة لملتقى الحوار السياسي.

ومع ذلك، نوه الخبير بأن مسار التوافق المباشر يبقى مرتهناً بمدى قدرة المجلسين على الانعتاق من حساباتهما السياسية الضيقة، وهو ما لم يتحقق بشكل كامل حتى اللحظة. وأضاف أن اللجوء للمادة (64) ربما يتحول إلى خيار تتبناه البعثة الأممية في حال وصول المحادثات المباشرة إلى طريق مسدود، رغم ما سيواجهه هذا التوجه من اعتراضات واسعة من قوى ترى في إنتاج أجسام جديدة مجرد عملية لإعادة تدوير الأزمة عوضاً عن تفكيكها.

وحول فاعلية الخطة الأممية الممتدة بين عامي 2025 و2028 في فرض مسار انتخابي ملزم، أفاد خبير العلاقات الدولية الدكتور إلياس الباروني بأن الخطة تقدم إطاراً سياسياً متكاملاً، لكنها تجد نفسها مجردة من أدوات التنفيذ الحقيقية على الساحة المحلية. فالبعثة الدولية تملك القدرة على تقريب الرؤى، وطرح المبادرات، وتوظيف الضغط الدبلوماسي، لكنها تعجز تماماً عن فرض الانتخابات قسراً في غياب إرادة سياسية محلية، مثلما تعجز عن إلزام المجموعات المسلحة بالاعتراف بالنتائج، وبناءً عليه، يظل نجاح المقترح الأممي مرتبطاً بوجود توافق دولي موحد، وهو العنصر الذي غاب طوال السنوات الماضية بفعل الانعكاس المباشر للانقسامات الدولية على الوضع الداخلي الليبي.

أما عن إمكانية تشكيل حكومة انتقالية جديدة، فقد وصف الدكتور إلياس الباروني هذا السيناريو بالمرجح والقائم، مستدركاً بأنه لا يمثل الخيار الأمثل للبلاد.

وأوضح أن المحطات الماضية أكدت أن الحكومات المؤقتة في ليبيا تتحول سريعاً لتصبح جزءاً من الأزمة عوضاً عن كونها أداة لحلها، نظراً لانزلاقها في صراعات الشرعية، وتنازع الصلاحيات، وتقاسم النفوذ. وحدد نجاح أي حكومة جديدة باشتراط أن تكون مهامها محددة بجدول زمني صارم، ومحصورة في تهيئة الأجواء للانتخابات، شريطة وجود ضمانات حقيقية تحول دون تمديد المرحلة الانتقالية مرة أخرى.

وفي تشخيصه لطبيعة الأزمة بين القوانين الانتخابية وآليات تنفيذها، جزم خبير العلاقات الدولية الدكتور إلياس الباروني بأن المعضلة الأساسية غدت سياسية وأمنية بامتياز وليست قانونية، فالساحة الليبية باتت تمتلك أساساً قانونياً صالحاً للبناء عليه عقب التفاهمات الأخيرة، بيد أن التحدي الحقيقي يبرز في هوية الجهة التي ستضمن إنفاذ هذه القوانين، والطرف القادر على فرض احترام النتائج إذا ما قوبلت بالرفض من أي فصيل. وبذلك، تصبح الأزمة أزمة سلطة تنفيذية وضمانات واقعية لا أزمة نصوص تشريعية.

وربط الدكتور إلياس الباروني المسار الانتخابي بالواقع الأمني ارتباطاً وثيقاً، مؤكداً استحالة فصل الصناديق عن بيئتها الأمنية. فاستمرار التشرذم العسكري، وانتشار التشكيلات المسلحة المتعددة، مع غياب مؤسسة أمنية موحدة، يجعل أي عملية انتخابية عرضة للطعن، أو التعطيل، أو حتى رفض مخرجاتها بالكامل. ومن هنا، يبرز توحيد الأجهزة الأمنية والعسكرية، أو التوصل كحد أدنى إلى ترتيبات أمنية مشتركة، بوصفه شرطاً جوهرياً لنجاح أي استحقاق انتخابي قادم.

وفي معرض حديثه عن التدخلات الخارجية، أشار خبير العلاقات الدولية الدكتور إلياس الباروني إلى أنها لا تزال تمثل واحداً من أبرز العوامل المؤثرة في المشهد، دون أن تنفرد بكونها السبب الوحيد، فالأطراف الإقليمية والدولية تحوز نفوذاً جلياً على الأدوات المحلية، مما يضع أي توافق داخلي رهن وجود توافق خارجي موازٍ.

ودعا الخبير إلى عدم اختزال الأزمة في الشق الخارجي فحسب، كون الانقسام الداخلي هو الذي أتاح المجال أصلاً لهذه التدخلات، لينتهي إلى أن القرار الليبي أضحى نتاجاً لامتزاج الإرادة المحلية بالتوازنات الإقليمية والدولية، دون أن يكون مسلوباً بالكامل لصالح طرف خارجي محدد.

واستشرافاً للمستقبل خلال العامين المقبلين، حدد الدكتور إلياس الباروني ثلاثة سيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحاً، يتجسد في التوصل لتسوية سياسية تفضي إلى إعادة هيكلة السلطة التنفيذية، ومن ثم المضي نحو الانتخابات عقب استكمال الترتيبات الدستورية والأمنية المطلوبة.

السيناريو الثاني يتمثل في استمرار حالة الجمود الحالي، مع بقاء الحكومات والمؤسسات الراهنة في مواقعها، وتأجيل الاستحقاق الانتخابي مجدداً، ليكون امتداداً للوضع القائم.

السيناريو الثالث يبرز في حال إخفاق كافة المسارات، حيث يُحتمل أن تندفع الأطراف الدولية نحو فرض صيغة سياسية مبتكرة، أو إطلاق لجنة حوار موسعة تنبثق عنها سلطة انتقالية جديدة، وهو خيار ينطوي على مخاطر استنساخ التجارب السابقة.

واختتم خبير العلاقات الدولية الدكتور إلياس الباروني قراءته بالتأكيد على أن الأزمة الليبية تجاوزت مربع النصوص واللجان التفاوضية، لتستقر في مربع التنفيذ، والضمانات، وبناء الثقة السياسية، ولذا، فإن نجاح أي مسعى، محلياً كان أم أممياً، لا يقاس بحجم الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرته الفعلية على تشييد مؤسسات موحدة، وكفالة احترام نتائج الصناديق، وإنهاء فلسفة المراحل الانتقالية التي كبلت ليبيا منذ عام 2011، وحذر من أن غياب هذه الركائز سيجعل كافة التوافقات مجرد محطة إضافية ضمن مسلسل إدارة الأزمة، لا خطوة حقيقية لإنهائها وتفكيكها.

هذا وتعيش ليبيا حالة من الانقسام السياسي والمؤسسي منذ عام 2011، حيث تعاقبت الحكومات والمراحل الانتقالية دون الوصول إلى استقرار مستدام، وتتوزع السلطة حالياً بين أجسام تشريعية وتشكيلات أمنية متباينة في الشرق والغرب، مما دفع نحو تشكيل لجان تفاوضية مثل لجنة (4+4) المشتركة بغية تقريب وجهات النظر والوصول إلى قاعدة دستورية وقوانين انتخابية تحظى بقبول كافة الأطراف، وتأتي هذه التحليلات بالتزامن مع مساعي البعثة الأممية لطرح خطط استراتيجية تمتد حتى عام 2028 لإنهاء الانسداد السياسي وتجاوز الصراعات المستمرة حول الشرعية والنفوذ.

اقترح تصحيحاً