شهد إقليم دارفور غرب السودان، تصعيدًا عسكريًا جديدًا أسفر عن سقوط 24 قتيلًا على الأقل وعشرات الجرحى، جراء غارات بطائرات مسيّرة استهدفت مدنًا عدة في مناطق خاضعة لسيطرة «قوات الدعم السريع»، وسط تبادل للاتهامات بين الأطراف المتحاربة وغياب تعليق رسمي فوري من الجيش السوداني.
وقالت مصادر ميدانية وشهادات محلية إن القصف شمل مدن الضعين والسريف وتلولو في ولاية شرق دارفور، إضافة إلى مدينة الجنينة في غرب دارفور، حيث استهدفت إحدى الغارات سوقًا شعبيًا، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى واندلاع حرائق واسعة داخل الموقع، وسط حالة من الذعر بين المدنيين.
وأفاد تحالف «تأسيس» المدعوم من «قوات الدعم السريع» بأن غارات بطائرات مسيّرة تابعة للجيش السوداني أدت إلى مقتل 15 شخصًا وإصابة 17 آخرين في شرق دارفور، فيما أسفر قصف منفصل على سوق مدينة الجنينة عن مقتل 9 مدنيين وإصابة 12 آخرين، بحسب روايات محلية وشهود عيان.
وأشار التحالف إلى أن القصف تسبب في تدمير واسع داخل السوق واندلاع حريق كبير أتى على أجزاء منه، مع العثور على جثث متفحمة تعذر التعرف على هوياتها حتى الآن، داعيًا إلى تدخل دولي عاجل واتخاذ موقف واضح تجاه استهداف المدنيين.
وفي السياق ذاته، قال «التجمع الاتحادي» إن طائرة مسيّرة استهدفت سوق مدينة الجنينة، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، معتبرًا أن الاستهداف طال مدنيين وبنية تجارية حيوية، ومطالبًا بفتح تحقيق دولي مستقل ومحاسبة المسؤولين عن الهجمات.
ولم يصدر الجيش السوداني أي تعليق رسمي حول هذه الاتهامات حتى الآن، في وقت تتواصل فيه المواجهات المسلحة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ أشهر، مع تزايد استخدام الطائرات المسيّرة في استهداف مواقع داخل إقليم دارفور.
وفي تطور سياسي متصل، أطلق ممثلو قوى سودانية مدنية مشاركة في الاجتماع التحضيري لـ«مؤتمر برلين»، المنعقد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، نداءً مشتركًا يدعو إلى خفض التصعيد ووقف الهجمات على المدنيين، والتوجه نحو مسار سياسي شامل لإنهاء الحرب.
وأكد المشاركون أن الأزمة الإنسانية في السودان بلغت مستويات كارثية، مشددين على أن الحل العسكري غير ممكن، وأن العملية السياسية تمثل المسار الوحيد نحو الانتقال الديمقراطي بقيادة مدنية، داعين إلى وقف إطلاق النار وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
ويأتي هذا التحرك في ظل استعدادات لعقد «مؤتمر برلين» في 15 أبريل، بمشاركة دولية وأوروبية وإفريقية، إلى جانب أطراف إقليمية، في محاولة لإعادة دفع جهود التسوية السياسية في السودان بعد سنوات من النزاع المستمر.
700 قتيل بهجمات مسيّرات و70% من السودانيين تحت خط الفقر مع تفاقم الأزمة الإنسانية
كشف الأمم المتحدة عن مقتل نحو 700 مدني في السودان منذ بداية يناير جراء هجمات بطائرات مسيّرة، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الإنسانية والاقتصادية بشكل غير مسبوق، وفق تصريحات رسمية وتقارير دولية.
وأوضح مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، أن الضربات التي نُفذت خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام أسفرت عن هذا العدد من الضحايا، واصفًا الذكرى الرابعة للحرب بأنها مرحلة قاتمة تعكس إخفاق المجتمع الدولي في التعامل مع الأزمة السودانية.
في السياق ذاته، أشار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى تضاعف معدلات الفقر منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، حيث بات نحو 70% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، مقارنة بـ38% قبل النزاع.
وقال الممثل المقيم للبرنامج في السودان، لوكا ريندا، إن واحدًا من كل أربعة سودانيين يعيش في فقر مدقع بأقل من دولارين يوميًا، في مؤشر على التدهور الحاد في مستويات المعيشة.
كما حذر برنامج الأغذية العالمي من أن السودان يواجه أكبر أزمة جوع إنسانية في العالم، مع معاناة أكثر من 19 مليون شخص من انعدام حاد في الأمن الغذائي من أصل نحو 45 مليون نسمة.
وبيّن ريندا أن معدلات الفقر ترتفع إلى نحو 75% في مناطق النزاع، خاصة في دارفور وكردفان، في ظل استمرار القتال وتداعياته على الاقتصاد والبنية الاجتماعية.
وأشار تقرير حديث لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى تراجع متوسط الدخل في السودان إلى مستويات لم تُسجل منذ عام 1992، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع تلك المسجلة في ثمانينات القرن الماضي.
وأكد ريندا أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍ إنساني، بل تمثل تآكلًا ممنهجًا لمستقبل البلاد، مع انعكاسات مباشرة على الأسر والأطفال وسبل العيش، حيث تتراجع فرص جيل كامل بشكل متسارع.
واندلعت الحرب في 15 أبريل 2023 بين رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح ما لا يقل عن 11 مليون شخص، في واحدة من أكبر أزمات النزوح والجوع عالميًا.
وتشير التقديرات إلى صعوبة تحديد حصيلة دقيقة للضحايا بسبب تعطل الاتصالات وصعوبة الوصول إلى مناطق واسعة داخل البلاد، في ظل دمار واسع طال البنية التحتية.
ووفق التقرير الأممي، قد يعيد استمرار الحرب اقتصاد السودان إلى مستويات ستينات القرن الماضي، مع احتمال ارتفاع معدلات الفقر المدقع إلى أكثر من 60%، لتشمل نحو 34 مليون شخص إضافي بحلول عام 2030.
كما تكبد الاقتصاد السوداني خسائر تُقدّر بنحو 6.4 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2023 وحده، مع توقف أكثر من 80% من المصانع عن العمل، وتوجيه الجزء الأكبر من الموارد لدعم العمليات العسكرية.





