دمقرطة الأمم المتحدة.. ألم يحن الوقت للإصلاح الهيكلي في الأمم المتحدة؟

دمقرطة الأمم المتحدة.. ألم يحن الوقت للإصلاح الهيكلي في الأمم المتحدة؟

ا.د. محمد بالروين

أستاذ العلوم السياسية وعضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور

الملخص

الغرض الرئيسي من هذه المقالة مزدوج:
أولاً: مناقشة ماهية الأمم المتحدة وضرورة إصلاحها،
ثانياً: اقتراح كيفية القيام بذلك.

تبدأ المقالة بتلخيص أهداف الأمم المتحدة وأهم مؤسساتها، ثم تناقش سببين رئيسيين للإصلاح:
أولاً: التحول في موازين القوى العالمية، أي أهم التحديات الجديدة التي تواجه المجتمع الدولي اليوم.
ثانياً: لكي يتم إصلاح الأمم المتحدة، يجب معالجة ست قضايا مهمة وهي الآتي:
(1) تكوين مجلس الأمن وحجمه؛
(2) حق النقض؛
(3) معايير وشروط الدوام في عضوية المجلس؛
(4) انفتاح مجلس الأمن وشفافيته؛
(5) انعدام المساءلة؛
(6) المسؤولية المالية.

وأخيراً، سأختم هذا المقالة باقتراح “عشر نقاط” لإصلاح هذه المؤسسة الجامعة والضرورية.

من “عصبة الأمم” إلى “الأمم المتحدة”

أولاً: عصبة الأمم

عصبة الأمم هي أول محاولة من جانب المجتمع الدولي لتحقيق السلام والاستقرار والأمن الجماعي (راجع: كالدويل, 2000). أُنشئت ردًا على الحرب العالمية الأولى، التي لقي فيها أكثر من 9 ملايين جندي و5 ملايين مدني حتفهم، وأدت إلى انهيار اقتصادي وسياسي واجتماعي، واندلعت نتيجةً لعدم استقرار نظام توازن القوى.

توازن القوى

يعتمد مصطلح توازن القوى على تحقيق هدف مركزي يتمثل في “الاستقرار الدولي”(راجع: كالدويل, 2000). ولهذا المصطلح معانٍ عديدة، لعل من أهم مكوناتها:

  1. محاولة الحفاظ على استقرار عام في العلاقات بين الدول؛
  2. السلام لا يمكن ضمانه إلا من خلال تحقيق التوازن بين الدول؛
  3. وجود دول كبرى تلعب دورًا حاسمًا في ضمان استدامة التوازن؛
  4. تحالفات الدول قائمة على المصلحة لا على الصداقة أو الأيديولوجيا؛
    (راجع: دانزيجر، 1998).

ويمكن وصف “الأمن الجماعي”، بأنه سياسة تفترض أن جميع الدول المحبة للسلام ستتكاثف للحفاظ على السلام والقانون الدويين، وأنها ستستخدم قوتها الجماعية لردع أو معاقبة المعتدين الذين ينتهكونها.

الافتراضات الرئيسية للأمن الجماعي

  1. في حالة نشوب نزاع مسلح، تتحد جميع الدول ضد مُسبب النزاع؛
  2. جميع الدول لديها مصلحة في وقف العدوان؛
  3. جميع الدول تعمل بشكل مُوحد ضد المعتدي؛
  4. بمعرفة المعتدي حجم القوة التي ضده فإنه سيلجأ إلى تسوية نزاعاته سلمياً أو يُهزم. (راجع: ريمر وسيمون, 1997).

فشل عصبة الأمم

فشلت عصبة الأمم لأسباب عديدة من أهمها:

  1. رفض بعض الدول الانضمام إليها، بينما استُبعدت دول أخرى. فقد اختارت أمريكا عدم الانضمام، ولم تُقبل عضوية الاتحاد السوفيتي إلا عام 1934، ثم طُرد منها عام 1939. واختارت المانيا الانسحاب منها عام 1933.
  2. لم تستطع الاستجابة لتحديات السلام بين الحربين العالميتين 1919-1939. فعلى سبيل المثال، عندما غزت اليابان الصين عام 1931، لم تردّ عصبة الأمم إلا بالتنديدات الخطابية. وعندما هاجمت إيطاليا إثيوبيا عام 1934، لم تردّ عصبة الأمم إلا ببعض العقوبات الاقتصادية غير الفعّالة (راجع: كابلان, 1983). ونتج عن ذلك أن عصبة الأمم أغلقت أبوابها عام 1939 عند اندلاع الحرب العالمية الثانية (راجع: كالدويل, 2000 ص 102).

ثانياً: الأمم المتحدة

تأسست الأمم المتحدة عام 1945 بعد ست سنوات من حرب راح ضحيتها أكثر من ستين مليون قتيل. أراد الحلفاء المنتصرون في الحرب – الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، والاتحاد السوفيتي، وفرنسا، والصين – “أن يتجنبوا كارثة عالمية أخرى”. وبذلك تأسست الأمم المتحدة لتعزيز النظام الدولي وسيادة القانون” (راجع: ميثاق الامم المتحدة).

فقد نصت المادة الثانية من ميثاقها على أنه
“يمتنع جميع الأعضاء في علاقاتهم الدولية
عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها
ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي”.

وتكونت الأمم المتحدة من ثلاثة أجهزة مركزية هي:
مجلس الأمن، والجمعية العامة، والأمانة العامة.

  1. مجلس الأمن
    الهدف الأساسي للدول الأعضاء أن يكون مجلس الأمن هو الهيئة الرئيسية لحفظ السلام والأمن. وهو مُنظم بحيث يتمكن من العمل باستمرار، وأن يكون كل عضو من أعضائه حاضرًا دائمًا في مقر الأمم المتحدة. عند عرض شكوى تتعلق بتهديد السلام” (راجع: ماكليلاند, 1960).

يتألف مجلس الأمن من 15 عضوًا من أعضاء الأمم المتحدة هي: الصين، فرنسا، روسيا، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة أعضاء دائمون. عند انتخاب الأعضاء العشرة غير الدائمين، تولي الجمعية العامة الاعتبار أولًا، لمساهمة الدول في صون السلام والأمن الدوليين، وفي مقاصد الأمم المتحدة الأخرى، وكذلك للتوزيع الجغرافي العادل. يُنتخب كل عضو لمدة عامين، لا يحق له إعادة انتخابه فورًا.

مُنح مجلس الأمن صلاحيات واسعة للتدخل في النزاعات الدولية واتخاذ التدابير اللازمة لوقفها باستخدام أي وسيلة تقريبًا، بما في ذلك العمل العسكري. وبمجرد أن يتخذ مجلس الأمن قراره، يصبح من واجب جميع أعضاء الأمم المتحدة دعم هذا القرار وتنفيذه.

لكل عضو في مجلس الأمن صوت واحد. ومع ذلك، لم يُمنح وضع دائم إلا للدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية وأعطي لها حق النقض (الفيتو) ضد أي مقترحات تُعرض على مجلس الأمن.

  1. الجمعية العامة
    هي الجهاز المركزي الثاني للأمم المتحدة وتضم جميع أعضاء الأمم المتحدة. ففي بداية عام 1946، كان عدد الدول الأعضاء 51 دولة، أما اليوم فقد ارتفع العدد إلى 193 دولة.

تجتمع الجمعية العامة كل خريف، من أواخر سبتمبر إلى بداية يناير، في جلسة عامة. ووفقًا لميثاق الأمم المتحدة، تُعد الجمعية العامة الجهاز التداولي الرئيسي للأمم المتحدة. وتتألف من ممثلي جميع الدول الأعضاء،
ولكل منها صوت واحد.

تتطلب القرارات المتعلقة بالمسائل المهمة، كالمتعلقة بالسلام والأمن، وقبول أعضاء جدد، ومسائل الميزانية، أغلبية الثلثين. أما القرارات المتعلقة بالمسائل الأخرى، فتُتخذ بالأغلبية البسيطة. ومع أن قرارات الجمعية العامة لا تُلزم الحكومات قانونًا، إلا أنها تُمثل الرأي العام العالمي والتزامات الأخلاقية للمجتمع الدولي.

  1. الأمانة العامة
    الجهاز المركزي الثالث للأمم المتحدة هو الأمانة العامة، التي يرأسها الأمين العام للأمم المتحدة، والذي يُنتخب لولاية مدتها خمس سنوات. وهي الفرع الإداري الرئيسي لها. والغرض منها هو إدارة سياسات وبرامج
    الأمم المتحدة.

ويسمح الميثاق للأمين العام باستخدام منصبه للعمل كوسيط محايد في النزاعات الدولية، كما يتمتع، بسلطة إحالة أي مسألة قد تهدد السلم والأمن الدوليين إلى مجلس الأمن، ومن ثم القيام بدور رئيسي في وضع جدول أعمال الأمم المتحدة في شؤون الأمن الدولي.

وعليه يمكن النظر لدور الأمم المتحدة اليوم من خلال رأيين:

الرأي الأول يعتبرها حلمًا تحقق، وهي “أداة دولية لا غنى عنها لتعزيز السلام ومنع الحرب” (راجع: ماكجريجور بيرنز وآخرون).

أما الرأي الثاني، يعتبرها حلم قد انتهى عندما أصبحت الأمم المتحدة أشبه بحكومة عالمية، قوية، وغير فعالة، وغير ديمقراطية (ماك كالدويل, 2000).

ضرورة الحفاظ على الأمم المتحدة وإصلاحها

أُنشئت الأمم المتحدة عام 1945, لتحقيق “أمن جماعي”، وتعزيز “سلام عالمي”, وبناء “علاقات ودية”, والمشاركة في “حل المشكلات” بين الدول بشكل تعاوني وعلى اسس “القيم المشتركة”، (للمزيد راجع: الأمين العام, 1996).

وتُعد الأمم المتحدة منظمة بالغة الأهمية كـ “نقطة اتصال وحوار” عالمية بين الدول. ولكن يمكن القول إنها قد اصبحت، أخيرا، مؤسسة غير فعّالة ديمقراطيًا وعاجزة، وإن مجلس أمنها يُجسد عدم المساءلة وغير الديمقراطية، وخصوصا في حالات إساءة استخدام حق النقض (الفيتو) المتكررة من قبل الأعضاء الدائمين، (راجع: قولدستين، 1996).

هذا يدعو إلى ضرورة إجراء إصلاحات ومعالجة أسباب خلل التوازن في القوي العالمية، إذا أردنا الحفاظ على هذه المنظمة والاستفادة منها، ومن أهم الأسباب التي يجب معالجتها الآتي:

التحول في ميزان القوى العالمي
السبب الرئيسي الذي أدى إلى خلل في منظومة الأمم المتحدة، وبالتالي الحاجة إلى الإصلاح، هو التحول الملحوظ في هياكل القوى العالمية منذ عام 1945. فمنذ نشأتها، استندت الأمم المتحدة إلى مبدأ ضرورة الحفاظ على السلام والأمن العالميين كما تصورتهما القوى العالمية المهيمنة آنذاك.

ولكن اليوم، وبعد 80 سنة، أصبح للعالم هياكل ومراكز قوى مختلف تمامًا، ولم تعد عضوية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة انعكاسًا حقيقياً وواضحًا لذلك، وهناك عدد من القضايا التي توضح آثار هذا التغيير لعل من أهمها:

أولاً: التغير السكاني

القضية الأولى التي توضح أسباب التحول الكبير في ميزان القوى تتعلق بـ: “التغير السكاني”. فعلى مر السنين، ازداد عدد السكان، وخاصة في الدول النامية، وبذلك لم يعد من الممكن اعتبار بعض الدول الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن دولاً كبيرة من حيث عدد السكان.

فعلى سبيل المثال، يوضح الجدول (1) أن فرنسا وبريطانيا (كعضوين دائمان في مجلس الأمن وتتمتع كل منهما بحق النقض (الفيتو)، يبلغ عدد سكان كل منهما حوالي 69 مليون نسمة، في حين أن هناك 17 دولة أخرى ذات عدد سكان أكبر بكثير لا تتمتع بسلطة مماثلة في هذه المجلس، بالرغم من أن ديباجة ميثاق الأمم المتحدة تبدأ بعبارة:

“نحن، شعوب الأمم المتحدة، الذين نتعهد بالسلام
وحقوق الإنسان والعدالة والتقدم الاجتماعي والاقتصادي
والتسامح وحسن الجوار… قد عزمنا على توحيد
جهودنا لتحقيق هذه الأهداف”.

أنظر الجدول الآتي:

فإذا كان الأمر كذلك، لماذا نستمر في السماح لأقلية صغيرة أن تُملي مصير ما يُقارب من ثماني مليارات نسمة؟

ومع دخولنا القرن الحادي والعشرين، بلغ مجموع عدد سكان الدول الأعضاء الدائمة في المجلس حوالي 2 مليار نسمة، مما ترك أكثر من ثلاث أرباع سكان العالم بدون تمثيل في مجموعة الدول الدائمة. علاوة على ذلك، إذا استثنينا الصين، فسيبلغ مجموع سكان الأعضاء الأربعة الدائمين الآخرين في مجلس الأمن حوالي 620,427,540 مليون نسمة، مما يترك حوالي7,521,628,910 مليار من سكان العالم بدون تمثيل في مجموعة الأعضاء الدائمين. ان هذا التحول السكاني الكبير، يُثير استهزاءً بالجدول (1)، وايضا بعبارة “نحن شعب الأمم المتحدة”، الواردة في ديباجة ميثاقها.

ثانياً: عدم المساواة أمام القانون الدولي

القضية الثانية التي توضح أسباب التحول الكبير في ميزان القوى تتعلق

بـ: “عدم المساواة أمام القانون الدولي”. فمن الناحية النظرية، تقوم الأمم المتحدة على مبدأ “الدول متساوية بموجب القانون الدولي”. ولكن من الناحية العملية، إن الفرق بين أقوى الدول وأضعفها هائل جدا (للمزيد راجع: واتسن, 1998). هذه الطبيعة غير الديمقراطية للأمم المتحدة هي أحد أسباب هذا التفاوت ويجب تصحيحها.

فعندما كُتب الميثاق عام 1945، كان عدد الدول المستقلة أقل من 40 دولة، بينما اليوم (2025) يوجد 193 دولة مستقلة وكلها أعضاء في الأمم المتحدة. وبالرغم من أن القانون الدولي يستلزم، نظرياً، معاملة جميع أعضاء الأمم المتحدة على قدم المساواة، إلا أن في الواقع العملي
لا وجود له (راجع: سنو وبراون, 2000).

ثالثاً: اختلال التوازن في التمثيل الجغرافي

القضية الثالثة التي توضح أسباب التحول الكبير في ميزان القوى هو “اختلال التوازن في التمثيل الجغرافي”. فالتركيبة الحالية لعضوية المجلس، وخاصة مجموعة الأعضاء الدائمين، تتجه في الغالب نحو أوروبا. فعلى سبيل المثال، يضم الاتحاد الأوروبي، المكون من 27 دولة، عضوين دائمين؛ كما تضم ​​منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، المكونة من 32 دولة، عضوين دائمين؛ وتضم مجموعة الدول المعروفة باسم مجموعة الثماني (G-8) أربعة أعضاء دائمين.

من ناحية أخرى، ضمت دول حركة (ما كان يعرف حتى نهاية ثمانينات القرن الماضي) “دول عدم الانحياز”، والتي بلغ عددها 114 دولة (جميعها من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية)، وكانت تشكل أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، كان لها في المجلس أربعة أعضاء غير دائمين فقط.

وبرغم من ان افريقيا، التي تتكون من 57 دولة، والتي واجهة (ولازالت تواجه حتى اليوم) تحديات عديدة ومُعقدة، الا ان المجلس قد تجاهلها تماما، وكانت (ومازالت) أكثر تضرراً من قرارات هذا المجلس! وذلك لأنها حتى نهاية ستينيات القرن الماضي، كانت مُستعمرة إلى حد كبير من قبل عضوين دائمين (هما: فرنسا وبريطانيا) في مجلس الأمن. (لشرح أكثر راجع: المقال باللغة الانجليزية, 2002).

لهذه الاسباب وغيرها، ينبغي إصلاح المجلس وأن يشمل الاصلاح التمثيل الجغرافي العادل.

رابعاً: اختلال التوازن في التمثيل الأيديولوجي

القضية الرابعة التي توضح أسباب التحول الكبير في ميزان القوى هو “اختلال التوازن في التمثيل الأيديولوجي”. بمعني، اليوم وأكثر من أي وقت مضى، يتضح اختلال التوازن في التمثيل الأيديولوجي جليًا. فعلى سبيل المثال، برغم من ان هناك 57 دولة إسلامية، تمثل ما يُقارب من 2 مليار نسمة، ولكنها دون تمثيل في مجلس الأمن، وبذلك يصبح عرقلة الوصول المتساوي والتمثيل العادل للمسلمين في مجلس الأمن مسألة شرعية وعدالة وضرورية.

وقد يُشكك البعض، في هذا الطلب لاعتقادهم بأن المجتمعات الإسلامية غير متجانسة، وتُصنف تحتها دول مثل تركيا ومصر وإيران والمملكة العربية السعودية وإندونيسيا وباكستان وماليزيا والبزسنية. ومع ذلك، يجب الا يمكن التجانس شرطًا لمنح نظام عقائدي معين عضوية دائمة في مجلس الأمن، إذ لا توجد أي أيديولوجية متجانسة أخرى في العالم.

خامساً: اختلال التوازن في عملية أتخاد القرار

القضية الخامسة التي توضح أسباب التحول الكبير في ميزان القوى هو “اختلال التوازن في عملية أتخاد القرار”. ففي الوقت الذي يتمتع مجلس الأمن بسلطة شبه مطلقة لحل النزاعات ومقاومة العدوان، وامتلاك سلطة تُلزم جميع الدول الأعضاء بقبولها وتنفيذها، بينما الجمعية العامة، التي تتكون من 193 دولة، تقف شبه عاجزة، ولا يمكن أن تأمر اي دولة بفعل أي شيء، وان أصواتها مجرد مناشدات وتوصيات للراي العام العالمي (للمزيد: راجع: مونرو, 1960).

سادساً: حق النقض (الفيتو)

القضية السادسة التي توضح أسباب التحول الكبير في ميزان القوى تتعلق بـ: “حق قرار النقض”, وتمكين الأعضاء الخمس الدائمين في مجلس الأمن من الحصول علي حق النقض لأنهم انتصروا في الحرب العالمية الثانية وأنشأوا الأمم المتحدة عام 1945.

لقد تولت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا مقاعد دائمة في مجلس الأمن، تم أضاف الرئيس الأمريكي روزفلت الصين (قبل سيطرة الشيوعيين عليها) أملاً منه في أن تحل محل اليابان كقوة آسيوية رائدة، وأضاف تشرشل فرنسا لأنه أراد منها أن تساعد في تحقيق التوازن مع الاتحاد السوفيتي المتوسع في أوروبا (للمزيد راجع: ميزلر, 1995).

ولو افترضنا انه كان من حق الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن المطالبة بحق النقض لأنهم كانوا المنتصرين في الحرب ويُعتبرون القوى العظمى حينذاك، الا ان هذا الأساس لم يعد قائماً الان. فهناك دول عديدة أخرى اليوم أصبحت أقوى من فرنسا وبريطانيا، ولم يعد من الممكن اعتبار أي منها، على الرغم من امتلاكها القدرة النووية، قوة عظمى.

فهل نستمر في قبول بريطانيا وفرنسا كقوتين عظيمتين،
وأن يكون لهما حق الفيتو؟!
وماذا عن ألمانيا واليابان والهند وتركيا وإيران؟

فعلى سبيل المثال، نجد أن ألمانيا واليابان يساهمان، هذه الأيام، بمبالغ أكبر في ميزانية الأمم المتحدة من فرنسا وبريطانيا، وأن روسيا هي عاشر دولة في سلم المساهمات! أنظر الجدول (2) الآتي:

من هذا الجدول يتضح Bن مجموع ما تدفعه الدول الخمس دائمة العضوية سنوياً لا يزيد عن 51.2%, وإذا استثنينا الصين فإن ما تدفعه الدول الأربعة الأخرى لا يزيد عن 31.2% من ميزانية الأمم المتحدة!

ليس هذا فقط، ففي الوقت الذي نجد أن 151 دولة عضواً (من 193 دولة) سددت مساهماتها كاملة لعام 2025, واغلبها من افريقيا وأسيا، لا تزال الولايات المتحدة أكبر دولة مُدينة، حيث تدين بمبالغ كبيرة، وأيضا الصين وروسيا لهما ديون غير مسددة. من كل ما تقدم يتضح إن هيكل مجلس الأمن الحالي لا يعكس التغيرات في قواعد القوة الحقيقية، للدول الموجودة الآن في الساحة الدولية.

سابعا: إساءة استخدام حق النقض (الفيتو)

القضية السابعة التي توضح أسباب التحول الكبير في ميزان القوى تتعلق بـ: “إساءة استخدام حق النقض (الفيتو)”. بمعنى ليس منح حق النقض (الفيتو) إجراءً غير ديمقراطي فحسب، بل الأسوأ هو أُساءت استخدامه. فمنذ تأسيس الأمم المتحدة، أي من 1946 إلى 2025، بلغ عدد مرات استخدم حق النقض 293 مرة، الجدول (3) يوضح ذلك.

أما فيما يتعلق بدور الجمعية العمومية فقد انحازت خلال العقدين الأولين
من عمر الأمم المتحدة، إلى الولايات المتحدة وبالتالي
لم تكن بحاجة إلى استخدام حق النقض (الفيتو).

ولكن مع تزايد انضمام الدول إلى الأمم المتحدة (مند منتصف ستينات القرن الماضي) وتصويتها في الجمعية العامة، وجدت الولايات المتحدة وبريطانيا أن عدد حلفائهما المقربين لهما والذين تنتخبهم الجمعية العامة لشغل المناصب غير الدائمة في مجلس الأمن يتناقص باستمرار. وكنتيجة لذلك، ولحماية مصالحهما، “وجدت الولايات المتحدة وبريطانيا ضرورة متزايدة لاستخدام حق النقض (الفيتو)” (للمزيد راجع: بابي, 2000).

مند ذلك الحين بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها أصبحوا ينتقدون ما يسمونه “استبداد الأغلبية” الذي شكلته الدول النامية في الجمعية العامة متناسين أغلبيتهم السابقة (خلال الخمسينات وبداية الستينات) في الجمعية العامة واستخدامهم لتلك الأغلبية لتحقيق مصالحهما (لشرح أكثر راجع: مقالنا باللغة الانجليزية, 2002).

فعلى سبيل المثال، عندما صوّتت الجمعية العامة، لأول مرة، في 25 أكتوبر 1971, وبأغلبية 76 صوتًا مقابل 35 صوتًا، على قرار يقضي بضمّ الشيوعيين الصينيين (الصين الآن) إلى مجلس الأمن بدلًا من القوميين الصينيين (تايوان)، ندّد سفير أمريكا لدى الأمم المتحدة بالتصويت ووصفه بأنه “لحظة عار” في تاريخ الأمم المتحدة (للمزيد راجع: جيورجى وجوبز, 1955).

المهم في هذا السرد أن جميع حالات النقض (الفيتو) الـ293 التي استُخدمت بين عامي 1946 و2025 لم تستُخدم لمصلحة تحقيق الاستقرار والسلام في المجتمع الدولي؛ بل أنها استُخدمت لتعزيز مصالح الدول دائمة العضوية، بدلًا من احترام ميثاق الأمم المتحدة الذي أوكل لهم مهمة توفير السلام والأمن العالميين.

ثامناً: الانتقائية وازدواجية المعايير

القضية الثامن والأخيرة، التي توضح أسباب التحول الكبير في ميزان القوى تتعلق بـ: “الانتقائية وازدواجية المعايير”. بمعني إلى جانب أن امتياز حق النقض (الفيتو) يقوّض مبدأ “المساواة بين الدول”، ويُحدث انقسامات بين الدول الأعضاء بسبب الانتقائية وازدواجية المعايير في استخدامه، وهذه التصرفات لم تقوّض الأمن الجماعي فحسب، بل شككت في مصداقية المنظمة نفسها.

فعلى سبيل المثال، يمكن للمرء أن يسأل:

أين كان مجلس الأمن عندما كانت رواندا في حالة فوضي واضطراب؟!

وأين كان مجلس الأمن عندما غزت أمريكا وحلفائها أفغانستان؟!

وأين كان مجلس الأمن عندما دمرت أمريكا وحلفائها العراق؟!

وأين كان مجلس الأمن عندما اقتحمت إسرائيل أخيراً غزة وارتكبت أبشع الجرائم والانتهاكات؟!

ففي الوقت الذي كانت الإبادة الجماعية تحدث في رواندا، وقُتل فيها أكثر من نصف مليون شخص، كان مجلس الأمن يناقش مشكلة لوكربي، مع أن قضية لوكربي (ضد ليبيا) ما كانت لتُحال للأمم المتحدة لولا إصرار الولايات المتحدة كطرف مُهتم بهذه القضية. فقد تم تفجير العديد من الطائرات قبل مأساة لوكربي دون أن يُبدي مجلس الأمن أي اهتمام بها (للمزيد راجع: الجمعية العمومية, 1995).

وفي الوقت الذي كانت الإبادة الجماعية والجرائم الوحشية تحدث في غزة، كان جُل اهتمام الولايات المتحدة وحلفائها منصب على العدوان الروسي على أوكرانيا؟! والأسوأ من ذلك أن الولايات المتحدة استخدمت حق النقض في مجلس الأمن 10 مرات لحماية إسرائيل والدفاع عنها! (لشرح ومعرفة أمثلة أكثر عن ازدواجية المعايير راجع: مقالنا باللغة الانجليزية, 2002).

أهم المحاولات السابقة لإصلاح الأمم المتحدة في 3 ديسمبر/كانون الأول 1993، اعتمدت الجمعية العامة القرار 48/26، الذي وافقت فيه على إنشاء فريق عمل مفتوح العضوية للنظر في جميع جوانب مسألة زيادة عضوية مجلس الأمن والمسائل الأخرى المتعلقة به.

بدأ الفريق العامل مداولاته في يناير 1994, وكانت القضية الجوهرية متعلقة بإصلاح مجلس الأمن وكيفية توسيعه (راجع: كيلي كيت, 2000).
بمعني:

ما هو الحجم المناسب لتوسيع المجلس؟
كيف ينبغي اختيار الأعضاء الدائمين الجدد؟
وهل ينبغي منحهم حق النقض؟

وفي هذا الصدد، قُدّمت مقترحات عديدة ومختلفة من أعضاء الجمعية العامة. وكان من أهمها مقترحات رئيسية ثلاث أثارت جدلًا واسعًا هي:

أولاً: مُقترح حركة عدم الانحياز

في عام 1996، قدمت حركة عدم الانحياز اقتراحا يقضي بتوسيع عضوية المجلس الدائمة وغير الدائمة، وذلك بزيادة العضوية غير الدائمة إلى 17 عضوًا على النحو التالي:

أفريقيا/آسيا من خمسة إلى تسعة أعضاء؛
وأوروبا الشرقية من عضو واحد إلى عضوين؛
وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي من عضوين إلى ثلاثة؛
وأوروبا الغربية وغيرها من دول أخرى من عضوين إلى ثلاثة.

وكان الهدف هو تحقيق تمثيل عادل بين المناطق، واعتماد نظام تناوب عادل، وحظر إعادة الانتخاب الفوري. كما اقترحت حركة عدم الانحياز زيادة حجم مجلس الأمن من 15 إلى 26 عضوًا، مع النظر في إضافة مقعد دائم واحد لكل من أفريقيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. وأن تصبح اليابان وألمانيا عضوين دائمين، لان اليابان وألمانيا تُصنفان كقوى عظمى من الناحية الاقتصادية، وتساهمان برسوم كبيرة للأمم المتحدة، كما تقدمان مساهمات كبيرة لبرامج الأمم المتحدة وعمليات حفظ السلام (للمزيد راجع: الجمعية العامة, 1998).

والحقيقة إن ضم اليابان وألمانيا فقط كعضوين دائمين في مجلس الأمن لن يحل المشكلة الرئيسية، ولن يحل أزمة خلل التوازن! علاوة على ذلك، إن إضافة ألمانيا ستعني أن هناك ثلاثة من الأعضاء السبعة الدائمين سيكونون أوروبيين. وهذا سيعطي المنطقة وزنًا غير عادل وغير مستحق في السياسة العالمية،

وإذا مُنحت اليابان وألمانيا مقاعد دائمة، فماذا عن الدول الإسلامية التي تُشكل ما يقرب من ثلث الجمعية العامة وخُمس سكان العالم؟ ليس هذا فقط، بل يتجاهل هذا الاقتراح الإصلاحي أيضًا دولة الهند، التي تضم أكثر من 20% من سكان العالم.

وبالرغم من أن هذا الاقتراح يُعد خطوة في الاتجاه الصحيح، إلا أنه فشل في معالجة المشكلة الأساسية، وهي إساءة استخدام حق النقض من قبل بعض الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وبالتالي لا يمكن اعتباره خطة حل مناسبة لإصلاح الأمم المتحدة.

ثانياً: مُقترح إسماعيل

في عام 1997، قُدِّم اقتراحٌ ثانٍ للإصلاح من السيد رزالي إسماعيل، ممثل ماليزيا لدى الأمم المتحدة، اقترح فيه زيادة عضوية مجلس الأمن من 15 إلى 24 عضوًا بإضافة خمسة أعضاء دائمين وأربعة أعضاء غير دائمين. واقترح انتخاب الأعضاء الخمسة الدائمين الجدد والأعضاء الأربعة غير الدائمين. وان يمثل الخمسة أعضاء الدائمين:

واحد من كل من الدول النامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي،
واثنان من الدول الصناعية،
وأربعة أعضاء غير دائمين،
واحد من كل من الدول الأفريقية والدول الآسيوية ودول أوروبا الشرقية ودول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. وقد عارضت بعض الدول هذا الاقتراح، (راجع: الجمعية العامة, 1996).

وكما هو الحال مع اقتراح حركة عدم الانحياز، جادلت بعض الدول ضد فكرة إضافة أعضاء دائمين. فعلى سبيل المثال، عارضت باكستان أي زيادة في العضوية الدائمة للمجلس، مُصرِّحةً بأن ذلك لن يخدم سوى مصالح عدد قليل من الدول، ودعت باكستان، بدلاً من ذلك، إلى زيادة متناسبة في عدد الأعضاء غير الدائمين (راجع: الجمعية العامة, 1997).

وهنا يمكن القول، إن العيب الرئيسي في هذا الاقتراح هو عدم وضوحه بما يكفي. فهو لم يوضح ما إذا كان الأعضاء الخمسة الدائمون الجدد سيتمكنون من ممارسة حق النقض ام لا؟ وإذا ما تضمن هذا الحق، فإن مشكلة إساءة استخدامه ستزداد تعقيداً! علاوة على ذلك، لم يتضمن هذا الاقتراح كيفية معالجة هذه المشكلة بنجاح.

ثالثاً: مقترح إيطاليا طرح المندوب الإيطالي لدى الأمم المتحدة فكرة مفادها أن الحل الأمثل لتوسيع مجلس الأمن هو زيادة عدد المقاعد غير الدائمة. وبناءً على ذلك، أوصى بإضافة من ثمانية إلى عشرة مقاعد غير دائمة جديدة، يتم انتخابهم من بين الدول الـ 24 إلى 30 الأكثر إسهامًا في تحقيق أهداف المنظمة.

من مزايا هذا الحل أنه يسمح بمشاركة أكثر تأثيرًا في المجلس من قِبل الدول التي تتحمل أعباءً ومسؤوليات أكبر، ليس فقط من حيث الموارد المالية، بل أيضًا من حيث القوات لعمليات حفظ السلام وغيرها من الأنشطة. في الوقت نفسه، يسهّل هذا المقترح وصول جميع الدول الأعضاء إلى المجلس، إذ سيقلل بشكل كبير من المنافسة الشديدة المعتادة مع الدول الأكبر حجمًا داخل مجموعاتها الإقليمية (راجع: الجمعية العامة, 1998).

ولكن المشكلة الرئيسية في هذا المُقترح، هي أن الاقتصار على زيادة عدد الأعضاء غير الدائمين سيزيد من اختلال التوازن في تكوين المجلس والعلاقات بين الأعضاء، فالمشكلة لا تكمن في حجم المجلس بحد ذاته، بل في توزيع السلطة بين أعضائه وكيفية استخدامهم لها (راجع: الجمعية العامة, 1997). في الواقع، لقد تم زيادة عدد المقاعد غير الدائمة في الماضي، لكن ذلك لم يحل مشكلة إساءة استخدام حق النقض (الفيتو).

ختامًا، يمكننا الإشارة إلى نقطتين رئيسيين في هذه المقترحات الثلاثة.

أولا: يُعدّ تركيزها الرئيسي على توسيع حجم مجلس الأمن بحيث يكون لجميع المناطق تمثيلٌ ما فكرةً جيدةً، وإن كانت غير كافية لما تطالب به دول عديدة وهو تمثيل فعّال وهادف في إدارة مجلس الأمن.

ثانيا: يُعدّ فشل هذه المقترحات في معالجة مسألة إساءة استخدام حق النقض (الفيتو) من قِبل بعض الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن نقطة ضعف رئيسية تمنع تطبيقها بنجاح. فمن الواضح أنه إذا فشلت الدول في معالجة مشكلة إساءة استخدام السلطة في مجلس الامن، فإن أي إصلاحات آخري ستكون بلا معنى.

مُقترح لإصلاح الأمم المتحدة
ربما نتفق، أن الأمم المتحدة، بقيادة مجلس الأمن الحالي، هي منظمة
غير فعّالة وغير عادلة، ولكن كما جادل أحد الباحثين:
“لا ينبغي أن نكسر المرآة
لأنها تعكس صورة أسوأ اليوم
مما كانت عليه في الماضي”
(راجع: الجمعية العمومية, 1998).

مع ذلك، يبقى السؤال مطروحًا:
هل الإصلاح الهيكلي للأمم المتحدة ضروريًا وممكنا؟!

الإجابة، في اعتقادي المتواضع، وفي عبارة واحدة:
نعم الإصلاح ضروري وممكن.

والسؤال: كيف؟

أولاً: ينبغي التسليم بأن إصلاح الأمم المتحدة سيجعلها أقوي وأكثر شرعية.

ثانياً: ينبغي التسليم بأنه إذا لم تُجرى الإصلاحات الآن، فإن أيًا من المسألتين اللتين ناقشتهما أعلاه – أي “اختلال ميزان القوى العالمية” و”إساءة استخدام حق النقض”, لن يتم معالجتهما.

ثالثاً: ينبغي التسليم بأن كل ذلك قد يؤدي إلى أن تسير الأمم المتحدة على خُطى عصبة الأمم، أي حتمية فشلها وغلق أبوابها قريباً، لا سامح الله.

ولكي يكون الإصلاحٍ عملياً وفعّالًا يجب أن يُعالج ست قضايا رئيسية

وهي الآتية:

أولاً: تركيبة مجلس الأمن وحجمه

أول مسألة يجب معالجتها لنجاح الإصلاح هي تركيبة مجلس الأمن وحجمه، وهي مسالة تتجلى بوضوح في مختلف مقترحات الإصلاح السابقة. ولكي يكون النظام الدولي الجديد عملياً وفعالاً، يجب أن يقوم على أساس حق جميع الدول المستقلة في المشاركة الكاملة لحماية
وتعزيز السلام والاستقرار العالميين.

ثانياً: حق النقض (الفيتو)

المسألة الثانية التي يتعين معالجتها لنجاح أي إصلاح هي ضرورة

مساواة جميع الأطراف سياسيًا، أي يجب ألا يقتصر دور الدول على امتلاك صوت متساوٍ فحسب، بل يجب أن يكون لها أيضًا حق تصويت متساوٍ في عمليات صنع القرار. لذلك لابد من دراسة مفهوم حق النقض (الفيتو).

ويتضح جليًا أنه بعد انتهاء الحرب الباردة عام 1989, وظهور نظام سياسي عالمي جديد، لم يعد من الممكن تبرير استمرار استخدام حق
النقض (الفيتو) بشكل عادل. وفي هذا الصدد، تتباين مواقف الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بين:

دول ترفض فكرة حق النقض (الفيتو) لكونه حكرًا على الأعضاء الدائمين، بينما يرفض الأعضاء الدائمون قبول أي قيود على هذا الحق، (للمزيد راجع: ديلي، 1976).

دول ترى أن حق النقض (الفيتو) حق غير عادل، وتسعى إلى الحد من نطاقه، وإلى الاستخدام المحدود له. وتطالب، كخطوة أولى، أن يقتصر استخدامه على التدابير المنصوص عليها في الفصل السابع من الميثاق،) للمزيد راجع: الجمعية العمومية, 1996).

ودول أخري تؤيد التزاماً أحادياً من جانب الأعضاء الدائمين بالسعي إلى توافق في الآراء في المجلس، وتقييد استخدام حق النقض، وشرح الأسباب المؤدية إلى استخدامه،) للمزيد راجع: الجمعية العمومية, 1999).

ثالثاً: معايير ومؤهلات الدوام

المسألة الثالثة التي يتعين معالجتها هي معايير ومؤهلات الدوام. بمعنى:

  1. ماهي معايير تحديد الدول المؤهلة للعضوية الدائمة؟
  2. كيف يمكن تحديد الدوام بناءً على معايير هي نفسها غير
    دائمة وتتغير بمرور الوقت؟
  3. ماهي الآلية التي يمكن بموجبها انتخاب الدول ذات القدرات
    المتميزة للمساهمة في الأمن والسلم الدوليين لعضوية المجلس
    بوتيرة أكبر أو لفترة أطول من غيرها؟

أما فيما يتعلق بالعضوية غير الدائمة، فمن الضروري الالتزام التام بأحكام المادة 23 من الميثاق، التي تحدد معايير الدول التي تسعى للحصول على مقاعد غير دائمة في المجلس، تنص المادة 23 على أنه:

“عند اختيار أعضاء مجلس الأمن غير الدائمين،
ينبغي للجمعية العامة أن تُولي الاعتبار الواجب
لمساهمة الأعضاء في صون السلم والأمن
الدوليين والتمثيل الجغرافي العادل”.

ومن ناحية أخرى، نظرًا لعدم وجود معايير لتحديد الدول المؤهلة للعضوية الدائمة في مجلس الأمن، ينبغي للجمعية العامة أن تُولي الاهتمام لما يلي:

يجب أن تكون العملية عادلة، وألا تُفضي إلى نظام تمييز أسوأ من النظام القائم.

يجب ربط الدوام وحق التصويت بالالتزامات. ومن بين العناصر التي يجب مراعاتها عدد سكان الدولة، وحجمها الجغرافي، وإمكانياتها الاقتصادية، ومساهماتها في حفظ السلام.

جـ. يجب تمثيل جميع المناطق الخمس تمثيلًا عادلًا في العضوية الدائمة في مجلس الأمن.

د. يجب أن تقع على عاتق الجمعية العامة مسؤولية إعادة النظر في تركيبة المجلس وبشكل دوري (أي كل 25 إلى 30 سنة).

رابعاً: الانفتاح والشفافية

المسألة الرابعة التي يتعين معالجتها هي انفتاح وشفافية عملية صنع القرار. بمعني يجب أن تكون جميع العمليات في المنظمة متاحة لجميع الأعضاء. فمنذ إنشاء مجلس الأمن عام 1945، تُتخذ جميع قراراته خلف أبواب مغلقة ودون حضور الأعضاء المعنيين. وإلى اليوم، لا تزال المناقشات والمداولات غير مفتوحة لجميع الأعضاء. عليه يتطلب أي إصلاح ناجح انفتاحًا وشفافية في عملية صنع القرار، ويجب إرساء علاقة منهجية بين مجلس الأمن والجمعية العامة، ويجب تطبيق المادة 31 من الميثاق، التي تتعلق بمشاركة الدول غير الأعضاء في مناقشات المجلس.

ولتعزيز الانفتاح وتحسين أساليب عمل مجلس الأمن،

يجب اتخاذ التدابير التالية:

يجب أن تكون هناك اجتماعات ومناقشات مفتوحة تسمح لجميع الدول غير الأعضاء المعنية بالمشاركة في المناقشات.

يجب ألا تُستخدم الجلسات المفتوحة فقط لإضفاء الطابع الرسمي على القرارات التي اتُخذت خلف أبواب مغلقة.

يجب نشر جدول أعمال المجلس مُسبقًا، مما يتيح وقتًا كافيًا لجميع الأعضاء المعنيين والراغبين في المشاركة في المناقشة.

يجب إتاحة جميع مسودات قرارات المجلس قبل مناقشتها في الاجتماعات.

خامساً: غياب المساءلة

المسألة الخامسة التي يتعين معالجتها هي غياب المساءلة. بمعنى يجب أن يكون جميع الأعضاء مسؤولين عن كل ما يفعلونه، فكلما زادت المساءلة كلما زادت قوة مجلس الأمن. فعلى سبيل المثال، منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، بلغ عدد مرات استخدم حق النقض 293 مرة، كان خلالها المجلس سيد قراراته، والأسوأ من ذلك، لا وجود لسجل رسمي مُفصل يوضح أسباب استخدام حق النقض (الفيتو).

ولإصلاح هذا الخلل يمكن اقتراح ما يلي:

يجب على أعضاء مجلس الأمن الالتزام بميثاق الأمم المتحدة واحترامه، وخاصةً الفصلين: السادس المُعنون “التسوية السلمية للنزاعات”, والسابع المُعنون “الإجراء المتخذ في حالات تهديد السلم والإخلال به وأعمال العدوان”.

يجب أن تُلزم كل دولة تستخدم حق النقض (الفيتو) بشرح أسباب ذلك للجمعية العامة.

يجب أن تكون قرارات المجلس خاضعة لحق الطعن من قبل أعضاء مجلس الأمن الآخرين، وللبت النهائي يُعرض هذا الحق على كل من مجلس الأمن والجمعية العامة. ويجب أن يُقرّ قرار الطعن في كلا المجلسين بأغلبية ثلثي (3/2) الأصوات.

يجب أن يتطلب أي قرار تتخذه الأمم المتحدة بشأن إعلان الحرب على دولة ذات سيادة أغلبية (4/3) الأصوات في كلا الهيئتين، الجمعية العامة ومجلس الأمن، ولا ينبغي أن يكون لأي دولة حق النقض.

السادسة: المسؤولية المالية

المسألة السادسة (والأخيرة) التي يتعين معالجتها هي الأزمة المالية. لا شك أن النظام المالي للأمم المتحدة بحاجة إلى إصلاح. ولكي تكون حزمة الإصلاح موثوقة وناجحة، ينبغي أن تتضمن:

أولاً: يجب المراجعة الموضوعية لجداول الحصص المقررة، بما
يعكس القدرة الحقيقية للدول الأعضاء على سداد اشتراكاتها.

ثانيا: يجب على الدول الأعضاء سداد اشتراكاتها المقررة بالكامل.

ثالثا: يجب ألا تكون مساهمات الدول الأعضاء مشروطة.

رابعا: يجب حماية استقلالية الأمم المتحدة ومصداقيتها.

الخلاصة

يمكن تلخيص أهم الاقتراحات في هذه المقالة كالآتي:

  1. يجب زيادة حجم مجلس الأمن من 15 إلى 26.
  2. يجب تحقيق تمثيل جغرافي وأيديولوجي عادل.
  3. يجب تمثيل جميع المناطق الخمس بشكل عادل في العضوية الدائمة.
  4. يجب ربط الدوام وحق التصويت بالالتزامات.
  5. يجب أن تكون الجمعية العامة مسؤولة عن إعادة النظر بشكل شامل في مسألة تكوين المجلس وبشكل دوري كل 25 إلى 30 عامًا.
  6. يجب عقد اجتماعات ومناقشات مفتوحة تتيح لجميع الدول غير الأعضاء المعنية المشاركة فيها.
  7. يجب على مجلس الأمن الالتزام بميثاق الأمم المتحدة واحترامه، وخاصةً الفصل السادس، والفصل السابع منه.
  8. يجب على أي دولة تستخدم حق النقض (الفيتو) أن توضح للجمعية العامة أسباب قيامها بذلك.
  9. يجب أن تخضع قرارات المجلس لحق الطعن أمام كل من مجلس الأمن والجمعية العامة. ويجب أن يُقرّ قرار الطعن النهائي في كلا المجلسين بأغلبية ثلثي (3/2) الأصوات.
  10. في حالة إعلان الحرب على دولة ذات سيادة، يجب أن يتطلب قرار الحرب أغلبية ثلاثة أرباع (4/3) الأصوات في كل من الجمعية العامة ومجلس الأمن، ولا يجوز لأي دولة أن تمتلك حق النقض (الفيتو).

باختصار شديد، يمكن تحقيق هذا المقترحات بتعديل ميثاق الأمم المتحدة. وبما أن الميثاق يعطي الحق للجمعية العامة في تعديله متى شأت، إذ قامت في الماضي (1996) بتعديل مادتين من هذا الميثاق هما:

المادة (23) المتعلقة بعدد أعضاء مجلس الأمن وتخويل
الجمعية العامة بانتخاب أعضاء غير دائمين في المجلس،
وكنتيجة لذلك تم تعديل المادة 23 بزيادة عدد أعضاء
المجلس من 11 إلى 15 عضوًا.

والمادة (27) المتعلقة بتحديد قواعد التصويت في المجلس،
وذلك بزيادة عدد الأصوات المؤيدة لاتخاذ القرار (بما في ذلك
أصوات الأعضاء الخمسة الدائمين) من سبعة إلى تسعة أعضاء
(للمزيد راجع: الجمعية العمومية, 1996).

وعليه تُشير هذه السابقة القانونية إلى:

إمكانية وضرورة تعديل الميثاق بما يتناسب
مع الظروف المتغيرة والاحتياجات الجديدة.

كما تُشير إلى أن هذا التعديل من اختصاص الجمعية العامة وهو حق أصيل لها.

ويُظهر إمكانية وسهولة إجراء الإصلاح،
ويقترح سُبل وآليات القيام به.

ختاماً، نظرًا للحاجة المُلِحّة للإصلاح الهيكلي في الأمم المتحدة،
فقد آن الأوان أن تتحد كل الدول المحبة للسلام والاستقرار،
لإصلاح وتعزيز النظام الدولي الذي تأسست
من أجله الأمم المتحدة عام 1945,
فقد حان الوقت،
ولا مُبرر للتردد أو التأخير.

أدعو الله أن يتحقق ذلك.

أخيراُ، لا تنسوا يا أحباب،
أن هذا مجرد اجتهاد،
أعتقد أنه صواب،
فمن أتى باجتهاد أحسن منه قبلناه،
ومن أتى باجتهاد يختلف عنه احترمناه.

والله المستعان.

المراجع

*دمقرطة الأمم المتحدة -Democratization of the United Nations
ترجمة مُختصره ومُحدثة لمقالى المنشور في مجلة الشؤون الدولية. المجلد 2، العدد 2 (شتاء 2002)، الصفحات 40-62 , نشر فرانك كاس، لندن.
ISSN 1475-3553
https://smallpdf.com/file#s=1a6ce6a0-d436-4ab3-9ed1-d33a1c31bf63

D. Caldwell, World Politics and You (New Jersey: Prentice Hall, 2000), p. 101.

J. Danziger, Understanding the Political World: A Comparative Introduction to Political Science (New York: Longman, 1998), p. 320.

See, for instance, M. Kaplan, System and Process in International Politics (New. York: Wiley, 1957); H.J. Morgenthau, Politics Among Nations (New York: Knopf, 1985).

N. Riemer and D.W. Simon, The New World Politics: An Introduction to Political Science (San Diego: Collegiate Press, 1997), p. 291,

D. Caldwell, World Politics,2000, p. 102.

C. Henderson, International Relations: Conflict and Cooperation at the Turn of the 21st Century (New York: McGraw-Hill 1997).

Caldwell, World Politics, p. 391.

All quotations from the UN Charter are from http://www.un.org/aboutun/charter/index.html

C.A. McClelland, The United Nations: The Continuing Debate (San Francisco: Chandler, 1960).

James MacGregor Burns et al., Government by the People: Texas Version. 2/e (New Jersey:

McClelland, The United Nations,1960, p. 16.

SG/SM/5938. 26 March 1996
https://press.un.org/en/1996/19960326.sgsm5938.html

J.S. Goldstein, International Relations (New York: HarperCollins, 1996).

A. Watson, The Practice Outruns the Theory”, in B.A. Robertson, International Society and the Development of International Relations Theory (Washington: Pinter, 1998), p. 148.

Donald M. Snow and Eugene Brown, International Relations: The Changing Contours of Power (New York: Addison Wesley Longman, 2000), p. 423.

Security Council Resolutions: 658, 690, 725, 809, 907, 973, 922, 952, 1075, 1083, 1087, 1098. 1102.: 1106. 1118, 1127, 130, 1135, 1149, 1157, 1164, 1176-1180, 1190, 1195, 1202, 1212, 1219, 1221, 1229, 1237 and 1268.

Stanley Meisler, The United Nations: The First Fifty Years (New York: Atlantic Monthly Press; 1995).

D.S. Papp, Contemporary International Relations: Frameworks for Understanding (Boston: Allyn and Bacon, 1997); KA. Mingst and M.P. Karns, The United Nations in the Post-Cold War Era (Boulder: Westview Press, 2000)

A. Gyorgy and H. Gibbs, Problems in International Relations (New Jersey: Prentice Hall, 1955), p. 219

Kelly-Kate Pease, International Organizations: Perspectives on Governance in the Twenty First Century (New Jersey: Prentice-Hall 2000).

GA/9430, 24 August 1998 https://press.un.org/en/1998/19980824.ga9430.html

GA/9151, 1 November 1996 https://press.un.org/en/1996/19961101.ga9151.html

GA/9228, 20 March 1997 https://press.un.org/en/1997/19970320.ga9228.html

GA/9509, 20 November 1998 https://press.un.org/en/1998/19981120.ga9509.html

GA9511, 23 November 1998 https://press.un.org/en/1998/19981123.ga9511.html

General Assembly /9511, 1998. https://press.un.org/en/1998/19981123.ga9511.html

John Charles Daly, The Future of the United Nations. A Round Table held on November 16, 1976. Sponsored by the American Enterprise Institute for Public Policy, Washington DC.

General Assembly/9151, 1 November 1996; 2. https://press.un.org/en/1996/19961101.ga9151.html

General Assembly/9151, 1 November 1996. https://press.un.org/en/1996/19961101.ga9151.html

General Assembly/9689, 16 December 1999. https://press.un.org/en/1999/19991216.ga9689.doc.html

Secretary General/SM/5906, 4 March 1996. https://press.un.org/en/1996/19960304.sgsm5906.html

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

ا.د. محمد بالروين

أستاذ العلوم السياسية وعضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور

اترك تعليقاً