رئيس أركان الجيش السوداني: التحرك في المرحلة القادمة سيكون دون توقف

أعلن رئيس أركان القوات المسلحة السودانية الفريق أول ياسر العطا أن الجيش يستعد لتوسيع عملياته العسكرية خلال المرحلة المقبلة، متعهدًا باستمرار التحرك «دون توقف» والتوجه إلى إقليم دارفور غربي البلاد، في وقت تتواصل فيه المواجهات مع قوات الدعم السريع على جبهات عدة.

وقال العطا، الثلاثاء، خلال تفقده قوات من اللواء 14 والقوات الخاصة وهيئة العمليات و«القوات الغربية»، وفق بيان للجيش السوداني، إن «التحرك في المرحلة القادمة سيكون دون توقف لكل القوات، سواء المرابطة أو التي على الخطوط الأمامية».

وأضاف مخاطبًا القوات: «نحن نقاتل من أجل حماية المواطن وليس بدافع الانتقام، لأننا جيش مهني قومي وليس مليشيا الدعم السريع».

واتهم رئيس أركان الجيش السوداني قوات الدعم السريع بممارسة «القتل الممنهج» في مدن ومناطق بينها الجنينة والفاشر والنيل الأزرق «على أساس عرقي»، إضافة إلى تجنيد الأطفال.

ولم يحدد بيان الجيش السوداني مكان تفقد العطا للقوات، كما لم يصدر تعليق فوري من قوات الدعم السريع بشأن الاتهامات التي وجهها إليها.

وتعهد العطا بالتوجه إلى دارفور، قائلاً: «نطمئن أهلنا في دارفور أننا قادمون لحمايتهم من انتهاكات المليشيا المتمردة، وتوفير الأمن والاستقرار كما تنعم بها بقية الولايات التي تم تطهيرها من التمرد».

وفي خطاب عسكري آخر خلال مخاطبته حشدًا من قوات الاحتياط في غرب أم درمان، أعلن العطا استعداد الجيش لتنفيذ تحرك واسع من محاور متعددة، متحدثًا عن عمليات برية وجوية متزامنة.

وقال: «أنتم ستتحركون، وإخوانكم سيتحركون من اتجاهات كثيرة، وبحمد الله الإمكانيات كلها متيسرة. جوا وأرضا سنهجم عليهم من كل اتجاه. أي اتجاه سيكون فيه متحرك واثنان. والسماء مليانة».

ويأتي خطاب العطا في وقت تتواصل فيه المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بما في ذلك ولايات شمال كردفان وغرب كردفان وجنوب كردفان، حيث تدور مواجهات بين الطرفين منذ 25 أكتوبر الماضي.

وتكتسب تصريحات رئيس أركان الجيش أهمية إضافية في ظل استمرار الضغوط الدولية لوقف الحرب، وبعد تحرك أميركي داخل مجلس الأمن الدولي لتوسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل جميع أنحاء السودان، مع تغطية صريحة للطائرات المسيّرة ومكوناتها والتقنيات المرتبطة بها.

وقال كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس، خلال جلسة لمجلس الأمن في 24 أغسطس، إن استمرار الدعم المالي والعسكري والسياسي الخارجي لطرفي النزاع يمثل أحد المحركات الأساسية للحرب، داعيًا إلى تشديد العقوبات الدولية وتوسيع حظر الأسلحة بهدف دفع الطرفين إلى التفاوض وإنهاء القتال.

وفي هذا السياق، رأى مراقبون أن حديث العطا عن «السماء مليانة» يعكس اعتماد الجيش المتزايد على الطائرات المسيّرة وقدراته الجوية، كما يثير تساؤلات بشأن حجم ونوعية الدعم العسكري الخارجي الذي يصل إلى الجيش، خصوصًا في مجالات المسيّرات وأنظمة تشغيلها والذخائر وتقنيات الرصد والاستطلاع.

ويربط هؤلاء المراقبون بين الخطاب العسكري وتصاعد قدرة الجيش على تنفيذ هجمات متزامنة على مساحات واسعة، في مؤشر، بحسب تقديرهم، إلى ثقة قيادة الجيش باستمرار تدفق المعدات العسكرية التي تتيح لها مواصلة العمليات، بدلًا من الاستجابة للدعوات الدولية لوقف القتال.

وتشير تصريحات العطا كذلك إلى تحد مباشر للضغوط الدولية، بعدما تحدث في خطاباته عن استمرار العمليات العسكرية وعدم التراجع عن خيار الحسم بالقوة.

ويأتي ذلك بينما تتزايد الدعوات الدولية إلى هدنة إنسانية ووقف إطلاق النار وفتح ممرات آمنة أمام المساعدات، في وقت تحولت فيه الحرب السودانية إلى أزمة إنسانية واسعة النطاق.

ويرى محللون سياسيون سودانيون أن خطاب العطا يعكس تمسك قيادة الجيش بالخيار العسكري، ويعتبرون أن تصريحات التحدي للضغوط الدولية تعبر عن رفض أي مسار يمكن أن يحد من تدفق السلاح أو يفرض قيودًا على العمليات العسكرية.

وفي المقابل، يربط هؤلاء المحللون بين استمرار الحرب والخلافات السياسية بشأن مستقبل الحكم في السودان، معتبرين أن الصراع لا يدور فقط حول السيطرة العسكرية، وإنما يرتبط أيضًا بمستقبل السلطة والعلاقة بين المؤسسة العسكرية والقوى المدنية.

وفي حديث سابق إلى «سكاي نيوز عربية»، حذر القيادي المدني خالد عمر يوسف من مخاطر انتقال الحرب السودانية إلى دول الجوار، معتبرًا أن تهديدات ياسر العطا تعكس توجهًا تصعيديًا لدى قيادة الجيش والجماعات الإسلامية المتحالفة معها.

وقال خالد عمر إن رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش عبد الفتاح البرهان يطيل أمد الحرب أملًا في أن تمنحه، في نهايتها، فرصة للبقاء في السلطة، مضيفًا أن القوى المرتبطة بالنظام السابق تنظر إلى استمرار القتال باعتباره وسيلة للعودة إلى الحكم، وليس فقط معركة من أجل حماية الدولة أو استعادة الانتقال المدني.

وتتزامن هذه التصريحات مع مخاوف من انتقال تداعيات الحرب إلى دول الجوار، خصوصًا تشاد.

وفي 20 أغسطس، أعلنت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التشادية أن طائرات ومسيّرات تابعة للقوات المسلحة السودانية أو لقوات متحالفة معها لاحقت قافلة مركبات وقصفتها داخل مقاطعة إنيدي الشرقية، على مسافة تتجاوز 100 كيلومتر من الحدود السودانية.

وأدان الجيش التشادي ما وصفه بأنه «انتهاك جديد» لسلامة أراضي البلاد، ورفع قواته إلى أعلى درجات التأهب، محذرًا أطراف الحرب السودانية من نقل عملياتها إلى داخل تشاد، ومؤكدًا احتفاظه بحق الدفاع عن سيادة البلاد وأمنها.

كما دانت الولايات المتحدة الضربات المنسوبة إلى الجيش السوداني داخل تشاد، ودعت إلى وقف العنف داخل السودان وخارجه، محذرة من توسيع نطاق النزاع.

وفي المقابل، نفت وزارة الخارجية التابعة لسلطة بورتسودان استهداف الأراضي التشادية.

وسبق للعطا أن أطلق تهديدات ضد مطارات ومنشآت في دول مجاورة بينها تشاد، وهو ما يعيد طرح المخاوف بشأن احتمال اتساع نطاق الحرب خارج الحدود السودانية.

وتأتي هذه التطورات بينما تتفاقم الأوضاع الإنسانية داخل السودان، خصوصًا في مناطق القتال في إقليم كردفان.

وقالت منظمة أطباء بلا حدود، في تقرير نشرته في الأول من سبتمبر، إن جنوب كردفان تحول إلى إحدى الجبهات الرئيسية للحرب، وإن استمرار القتال وتغير خطوط المواجهة يدفعان مزيدًا من الأسر إلى النزوح، في وقت يعاني فيه النظام الصحي من هشاشة شديدة وتتزايد مخاطر تفشي الأوبئة مع موسم الأمطار.

ووفق المنظمة، تستضيف أبو جبيهة في جنوب كردفان 57,880 نازحًا موزعين على 62 موقعًا، معظمهم من النساء والأطفال، ويعيش بعضهم في خيام لا تتجاوز مساحتها عشرة أمتار مربعة.

وقالت أطباء بلا حدود إنها قدمت منذ يونيو أكثر من مليون لتر من المياه، إلى جانب خدمات مكافحة الملاريا وسوء التغذية ورعاية الأمهات، ودعم حملات التطعيم وخدمات الطوارئ.

وتبرز هذه الأرقام حجم التداعيات الإنسانية لاستمرار العمليات العسكرية، في وقت تتوسع فيه حركة النزوح وتتراجع قدرة السكان على الوصول إلى المياه والرعاية الصحية والغذاء والمأوى.

ومنذ أبريل 2023، يخوض الجيش السوداني وقوات الدعم السريع حربًا أسفرت، وفق تقديرات أممية ودولية، عن عشرات الآلاف من القتلى ونحو 13 مليون نازح.

ومع دخول الحرب عامها الرابع، يضع خطاب العطا خيار الحسم العسكري في مقدمة المشهد، بالتزامن مع استمرار المبادرات السياسية والدعوات الدولية إلى وقف القتال.

وبينما تطرح قيادة الجيش مبادرات للحوار، يعلن رئيس أركانها الاستعداد لتوسيع العمليات «جوا وأرضا» ومهاجمة قوات الدعم السريع «من كل اتجاه».

ويقول محللون إن هذا التباين يعكس صعوبة الفصل بين المسار السياسي والعسكري في السودان، بينما تبقى تداعيات الحرب على المدنيين ودول الجوار العامل الأكثر ضغطًا في أي محاولة لإنهاء الصراع.

اقترح تصحيحاً