في عوالم السينما الخيالية، تلتقي الحكايات على مفترق طرق فلسفي واحد: البحث عن الحقيقة. ففي فيلم ذا ماتركس (المصفوفة) الشهير، تبدأ الرحلة عندما تُدخل آلات حاسوبية واعية البشر في واقع افتراضي وهمي، بينما في فيلم أفاتار، تنطلق المغامرة من خلال دخول البطل إلى عالم غريب وحقيقي تماماً عبر جسد بديل. رغم اختلاف الاتجاه، فإن كلا الفيلمين يرسم خريطة وجودية واحدة: رحلة من فضولٍ يوقظ، إلى تحررٍ يُختتم بثمنٍ باهظ.
تظهر العبارة الغامضة “تابع الأرنب الأبيض” على شاشة حاسوب نيو، لا كمجرد رسالة تقنية، بل كبداية استفهام وجودي عميق. هذه العبارة، مع الخيار المصيري اللاحق بين حبة حمراء وأخرى زرقاء، تشكل معاً خريطة طريق فلسفية كاملة لرحلة البحث عن الحقيقة. إنها رحلة لا تبدأ بانفجار مدوّ، بل بشرارة فضول، وتنتهي عند منعطف اختيار قد يُقلب عالم المرء رأساً على عقب. هذه اللحظة من “الاستيقاظ” لمواجهة الوهم (مايا)، كما تُسميها الفلسفات الشرقية، هي نفسها المحرك لرحلة جيك سولي في عالم باندورا في فيلم أفاتار. فبينما يختار نيو الحبة الحمراء ليفيق من محاكاة رقمية إلى واقع مادي قاسٍ، يختار جيك جسد الأفاتار ليهجر واقعاً مادياً مدمراً (الأرض) ويندمج في عالم جديد وأكثر اكتمالاً روحياً.
هذا الأرنب الأبيض ليس مجرد دليل مادي في حبكة فيلم؛ إنه تجسيد للفضول الإنساني الخالص، ذلك النداء الداخلي الذي ينهض فينا عندما يبدو كل شيء مستقراً ومألوفاً. في حياتنا الواقعية، يتخفّى هذا الأرنب في أشكال متعددة. لكن الفضول وحده، رغم ضرورته، ليس كافياً. كم منّا لاحظ التناقضات، شعر بعدم الرضا، وبدأ يتبع خيط الأسئلة، فقط ليعود أدراجه عندما اقترب من الحافة؟ الأرنب الأبيض يوصلك إلى الباب، وهو إنجاز بحد ذاته، لكنه لا يفتحه لك.
وهنا يظهر المحك الحقيقي، ممثلاً في الحبة الحمراء في الماتركس، والتحول إلى الأفاتار في عالم باندورا. إذا كان اتباع الأرنب خطوة سلوكية قائمة على الفضول، فإن بلع الحبة الحمراء أو الارتباط بروح شجرة النعم هي خطوة وجودية قائمة على الإرادة. الفرق بينهما جوهري؛ فالأول قد يكون بريئاً بل وحتى لعوباً، أما الثاني فيتطلب قراراً واعياً بتحمل تبعات ما سيعرف. في تلك اللحظة السينمائية الفاصلة، يشرح مورفيوس لنيو جوهر الاختيار: الحبة الزرقاء تعني العودة إلى النوم، إلى النسيان، والاستمرار في الوهم المريح. أما الحمراء فتعني الاستيقاظ إلى الحقيقة، بكل ما تحمله من قسوة وصدمة. وبطريقة معاكسة ولكنها مكملة، فإن تحول جيك إلى الأفاتار والنَّاڤي هو أيضاً استيقاظ – ليس من وهم رقمي، بل من اغتراب عن الطبيعة والروح، ومن خداع ثقافي مادي يرى في الحياة مجرد مورد يستغل، تماماً كما تهدف الشركة البشرية في الفيلم إلى استخراج المعدن الثمين أونوبتانيوم من أراضي النَّاڤي.
تتمثل العلاقة بين الرمزين في كلا الفيلمين في كونها علاقة تراكمية. تبدأ الرحلة بمرحلة الاكتشاف، حيث يوقظنا الأرنب الأبيض أو جمال باندورا الخلاب من سبات القبول الأعمى. ثم تأتي مرحلة المواجهة الأصعب، حيث تختبرنا الحبة الحمراء أو الولاء الجديد: هل لدينا الشجاعة الكافية لدفع ثمن المعرفة والتحرر؟ ففي الماتركس، الثمن هو العيش في عالم حقيقي مدمر. وفي أفاتار، الثمن هو خيانة الجنس البشري والانقلاب على منظومته الاستعمارية الاستغلالية، التي يصورها المخرج جيمس كاميرون بشكل واضح كاستعارة عن الإمبريالية وتاريخ استعمار الأمريكتين.
الوصول للمعرفة طريق صعبة، ولكنها هي التي تمنح الحياة معناها الحقيقي. وكلا الفيلمين، في جوهرهما، يعيدان سرد حكاية خالدة عن التحرر. فالماتركس، بألوانها القاتمة وتقنيتها الباردة، تحذرنا من أن السجن الأقصى هو ذلك الذي لا نراه. بينما يقدم أفاتار، بألوانه الزاهية وطبيعته الحيوية، رؤية بديلة: أن التحرر الحقيقي قد لا يكون في الهروب من الجسد والمادة، بل في الاتحاد العميق معهما، وفي الانصهار في شبكة الحياة المترابطة (ممثلة في إلهة الطبيعة إيوا) والدفاع عنها ضد قوى الاستغلال. في النهاية، سواء اخترت الحبة الحمراء أو أصبحت أفاتار، فأنت تختار الوعي. تختار البعد القيمي للتقنية ، تختار أن ترى، وأن تعرف، وأن تقف في وجه الوهم ،سواء كان وهمًا رقميًا أو وهم التفوق المادي والاستهلاكي. وهذا الوعي نفسه هو أول خطوة في رحلة التحرر التي لا تنتهي.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.






اترك تعليقاً