تأتي زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى ليبيا في توقيت تشهد فيه البلاد تطورات سياسية وأمنية متسارعة، بالتزامن مع حالة من التوتر في الغرب الليبي، وانفجارات واغتيال رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية في بنغازي، وسط حراك دولي وإقليمي متزايد بشأن مستقبل العملية السياسية في ليبيا.
وتطرح الزيارة تساؤلات بشأن طبيعة الدور التركي خلال المرحلة المقبلة، وما إذا كانت أنقرة تتجه نحو إعادة ترتيب نفوذها وعلاقاتها مع مختلف الأطراف الليبية، بما في ذلك الشرق، في ظل تحركات أميركية ومصرية وسعودية وأممية تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي والدفع نحو تسوية تنهي المرحلة الانتقالية.
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي محمد كشادة، في تصريح لـ«عين ليبيا»، أن زيارة فيدان تحمل رسالة تركية إلى طرفي الصراع في ليبيا بأن تركيا معنية بالاستقرار، مشيراً إلى أن التحركات التركية تستهدف بالدرجة الأولى ضمان النفوذ والمصالح التركية، مع بقاء قدرة أنقرة على التأثير في المشهد الليبي محدودة بفعل تعدد الأطراف الدولية والإقليمية وتداخل المصالح.
وقال كشادة إن زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى ليبيا تحمل رسالة تركية إلى طرفي الصراع في ليبيا بأن تركيا معنية بالاستقرار في ليبيا، خاصة وأن الزيارة تزامنت مع توترات في الغرب الليبي واغتيال مسؤول رفيع في بنغازي هو رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية.
وأوضح أن التحركات التركية في ليبيا، والتي من ضمنها زيارة هاكان فيدان وزير الخارجية التركي، هدفها ضمان النفوذ والمصالح التركية في ليبيا، مشيراً إلى أن مسألة دعم العملية السياسية والانتخابات في ليبيا معقدة وتحتاج إلى وقت طويل في ظل غياب الثقة بين الأطراف السياسية الليبية، وأيضاً رفض الطبقة الحاكمة شرقاً وغرباً الخروج من المشهد السياسي.
وأشار كشادة إلى أن لتركيا قدرة على التأثير في الأطراف الفاعلة على الأرض، ويمكن أن تساعد في احتواء التصعيد ومنع انزلاق البلاد نحو حرب كبرى، إلا أن هذا التأثير محدود نظراً لوجود دول أخرى متدخلة في الأزمة الليبية ولها وزن وثقل سياسي، وهذا يعني بأن تركيا ليست هي اللاعب الوحيد في الملف الليبي.
وأضاف أن قدرة تركيا على احتواء التشكيلات المسلحة أيضاً محدودة، لأن التشكيلات المسلحة تمثل مراكز قوة في مؤسسات الدولة، ولها قوة وثقل على الأرض، ولديها تحالفات وقدرات اقتصادية ومالية، أي تملك الجماعات المسلحة القدرة على المناورة وفرض أجنداتها ومصالحها.
وحول تزامن الزيارة مع الانفجارات واغتيال المنصوري، قال كشادة إنه لا يعتقد وجود رابط بين هذه التوترات والانفجارات والاغتيالات التي حدثت هذه الأيام والحراك الدولي والإقليمي حول ليبيا، وذلك بسبب أن ليبيا ومنذ عام 2011 تشهد مخاضاً عسيراً وصراعات كبرى، والمشهد الليبي طوال 14 عاماً لم ينعم بالاستقرار السياسي والأمني.
وأوضح أن التوترات الأمنية والاغتيالات والاشتباكات العسكرية تحدث باستمرار بين الحين والآخر، وفي مختلف أنحاء البلاد، وبالتالي فإن ما يحدث من توترات أمنية واغتيالات وتفجيرات هو انعكاس لحالة الصراع السياسي بين أطراف الصراع في ليبيا.
وفيما يتعلق بالانفتاح التركي على مختلف الأطراف الليبية، بما فيها الشرق، أكد كشادة أن تركيا تريد أن تضمن مصالحها في ليبيا، ولهذا تتعامل مع طرفي الصراع شرقاً وغرباً.
وأشار إلى أن تركيا تخلت منذ زمن عن سياسة الاصطفاف مع حلفائها في الغرب الليبي، وفتحت قنوات التواصل مع حفتر في الشرق، موضحاً أن هناك نشاطاً كبيراً للشركات التركية في مشروعات الإعمار في شرق ليبيا، إلى جانب زيارات متبادلة بين حفتر وأبنائه والمسؤولين الأتراك.
وأضاف أن الحديث عن التوازن هنا في علاقات تركيا مع طرفي الصراع، الهدف منه ضمان المصالح التركية، خاصة فيما يتعلق بالاتفاقية الليبية-التركية الموقعة في نوفمبر 2019، حيث تسعى تركيا لاعتراف البرلمان الليبي برئاسة عقيلة صالح بهذه الاتفاقية، وأهداف أخرى تتعلق بتعزيز الوجود التركي سياسياً واقتصادياً في كل ليبيا شرقاً وغرباً.
وفي ظل الحديث عن المبادرة الأميركية والتحركات المصرية والسعودية والأممية، قال كشادة إن تركيا جزء من ترتيبات دولية لإعادة تشكيل المشهد السياسي الليبي، لكنها لا تملك تركيا وحدها مفتاح الحل للأزمة الليبية، ولا تملك القدرة وحدها على إعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي.
وأوضح أن ذلك يأتي نظراً لوجود دول أخرى وأطراف دولية وإقليمية فاعلة ولها حضورها في المشهد السياسي الليبي، كما أن هناك عقبات كبيرة أمام أي ترتيبات دولية لإعادة تشكيل المشهد السياسي الليبي.
وأشار إلى أن ذلك يتضح من خلال طرح مبادرة بولس التي واجهت عقبات كبيرة، وأصبح من الصعب أن تمر هذه المبادرة، ناهيك عن التعقيدات السياسية والأمنية التي تجعل من الصعب فرض ترتيبات دولية جديدة لإعادة تشكيل المشهد السياسي الليبي.
وحول إمكانية أن تتحول زيارة فيدان إلى نتائج عملية في ملفات توحيد المؤسسات، والانتخابات، والترتيبات الأمنية، وخروج ليبيا من المرحلة الانتقالية، أكد كشادة أنه لا يمكن لزيارة وزير الخارجية التركي فيدان أن تحدث تغيرات إيجابية ملموسة باتجاه توحيد المؤسسات، أو إجراء الانتخابات، أو أي ترتيبات أمنية.
وأوضح أن ذلك يعود إلى أن المشهد السياسي الليبي معقد جداً، لأسباب عديدة داخلية وخارجية، والتي من أهمها غياب الإرادة السياسية لدى الدول المتدخلة في الأزمة الليبية لإيجاد حل حقيقي للأزمة، نظراً لاختلاف وجهات النظر، وتضارب الأجندات.
ولفت إلى أن الدليل على ذلك هو عدم طرح أي دولة من الدول المتدخلة، وأيضاً البعثة الأممية، لمقترح عرض الدستور الليبي على الاستفتاء، مشيراً إلى أن الاستفتاء على الدستور يتم دائماً تجاهله، والهروب نحو حلول تلفيقية مثل إعداد قاعدة دستورية وغيرها من الحلول غير ذات الجدوى.
وبالنظر إلى مجمل التطورات الأمنية والسياسية الحالية، أكد كشادة أن كل المؤشرات تؤكد بأنه لا حلول للأزمة الليبية في المدى المنظور، وأن التسوية السياسية ما تزال بعيدة المنال.
واستدل على ذلك بتصريحات الدبيبة وحفتر، على سبيل المثال، في ذكرى تأسيس الجيش الليبي في 9 أغسطس 2026، خاصة بإعلان حفتر بأن الجيش لن يترك السياسة، ورد الدبيبة عليه بأن الجيش يفترض ألا يتدخل في السياسة ومهمته حماية الحدود وسيادة البلاد.
وأوضح أن التوافق بين القوى السياسية شرقاً وغرباً غائب، مؤكداً أن هذه التصريحات بين الفرقاء السياسيين الليبيين تؤكد بأن الحل ما زال بعيداً.
وشدد كشادة على أنه في ظل هكذا مشهد، فإن التوترات الأمنية والتصعيد الأمني احتمال قائم في أي وقت.





