تعهد زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأمريكي تشاك شومر بالعمل على إنهاء الحرب مع إيران، عقب فوز حزبه بأغلبية مجلسي الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي، في نتيجة ربط مسؤولون أمريكيون وإيرانيون تداعياتها السياسية باستمرار الصراع وارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة.
وقال شومر للصحفيين إن «هذه الحرب يجب أن تنتهي»، مشيرًا إلى انضمام عدد من الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التوجه نحو وقف العمليات القتالية، في إشارة إلى تحرك حزبه لاستخدام الأغلبية الجديدة للضغط على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن استمرار الحرب.
وحقق الديمقراطيون تقدمًا واسعًا في انتخابات 3 نوفمبر، وانتزعوا السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، بعدما حصلوا على أغلبية لا تقل عن 54 مقعدًا مقابل 44 في مجلس الشيوخ، إلى جانب مكاسب لا تقل عن 30 مقعدًا في مجلس النواب، مع استمرار حسم بعض المنافسات الانتخابية.
وأظهرت النتائج أن الحرب مع إيران، إلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة والرسوم الجمركية ومخاوف الفساد، كانت من العوامل التي أسهمت في تحول أصوات ناخبين بمناطق جمهورية تقليدية لمصلحة الديمقراطيين، وفق ما أوردته وكالة رويترز.
ومن المقرر أن يتولى الديمقراطيون السيطرة الفعلية على المجلسين مع بدء عمل الكونغرس الجديد في يناير، ما يمنحهم صلاحيات رقابية وتشريعية أوسع، تشمل التحقيق في سياسات الإدارة الأمريكية، والتأثير في تمويل العمليات العسكرية، وعرقلة بعض التعيينات والتشريعات التي تحتاج إلى موافقة الكونغرس.
وفي أعقاب النتائج، أقر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الحرب مع إيران كانت أحد أسباب خسارة الجمهوريين، وقال للصحفيين إنه يعتقد أن الصراع أسهم في رفع أسعار البنزين لفترة، لكنه دافع عن قرار شن العمليات العسكرية، مؤكدًا أنه كان سيكرر الخطوة نفسها لو أتيحت له الفرصة مجددًا، لأن الولايات المتحدة لا تستطيع السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي.
كما نفى ترامب شعوره بالقلق من احتمال شروع الديمقراطيين في إجراءات لمساءلته وعزله، وأبدى استعداده للتعاون مع أعضاء الحزب المعارض، مؤكدًا أنه لا يدرس استبدال وزير الحرب بيت هيغسيث، رغم تقارير تحدثت عن مشاورات داخل الإدارة بشأن مستقبله بعد خسارة الجمهوريين.
وفي المقابل، حمّل نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس الحرب مسؤولية الهزيمة الانتخابية، وقال إن سبب الخسارة واضح ويتمثل في الصراع مع إيران، مشيرًا إلى أن عددًا من الأمريكيين الذين صوتوا لترامب ونائبه في انتخابات 2024 اختاروا مرشحي الحزب الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي.
وأضاف فانس أن أي نقاش جاد بشأن المرحلة المقبلة يجب أن يبدأ من هذه الحقيقة، معتبرًا أن استمرار الحرب كلّف الجمهوريين خسارة الأغلبية في مجلس الشيوخ، في موقف أثار تساؤلات بشأن حجم الخلاف داخل الإدارة حول مستقبل العمليات العسكرية.
وتزامنت تصريحات فانس مع تقارير إعلامية تحدثت عن انقسام داخل البيت الأبيض بشأن الخيارات المتاحة أمام ترامب، بين اتجاه يدفع نحو إعطاء المفاوضات فرصة جديدة، وآخر يطالب بتوسيع العمليات العسكرية ضد إيران.
وبحسب التقارير، يقود نائب الرئيس جي دي فانس، بدعم من المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، توجهًا يمنح المسار الدبلوماسي فرصة للتوصل إلى تفاهم، في ظل مخاوف من تداعيات استئناف الحرب على الاقتصاد الأمريكي وأسعار الطاقة والمستقبل السياسي للحزب الجمهوري.
وفي المقابل، يدفع وزير الحرب بيت هيغسيث نحو خيار عسكري أكثر حسمًا، بينما ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال اتصال مع ترامب، باتجاه تنفيذ ضربات جديدة، وفق ما أوردته التقارير ذاتها.
أما وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسنت، فتحدثت التقارير عن تفضيلهما استمرار الضغوط الاقتصادية والعقوبات مع تجنب العودة إلى حرب واسعة، في وقت لم تعلن فيه الإدارة موقفًا نهائيًا بشأن الخطوات المقبلة.
وكان ترامب أعلن قبل الانتخابات أنه لا يملك خططًا فورية لشن هجوم جديد على إيران، وقال في مقابلة مع صحيفة «فايننشال تايمز» إن بلاده ليست في عجلة من أمرها، وإن القوات الأمريكية مستعدة للتحرك إذا اقتضت الضرورة.
كما قال لموقع «أكسيوس» إنه لا يستعجل اتخاذ قرار بشأن استئناف العمليات العسكرية، مشيرًا إلى أن الضغوط الاقتصادية ألحقت أضرارًا بإيران.
ورغم هذه التصريحات، تحدثت تقارير صحيفة «وول ستريت جورنال» عن استمرار ضربات أمريكية محدودة ضد أهداف في جزيرة قشم الإيرانية، وصفها مسؤولون بأنها إجراءات دفاعية لحماية الأصول الأمريكية، وليست استئنافًا للعمليات القتالية الكبرى، كما أفادت تقارير بإسقاط الحرس الثوري الإيراني طائرة أمريكية مسيرة من طراز «إم كيو-9» فوق شرق مضيق هرمز.
وعلى الجانب الإيراني، قال مسؤول رفيع لوكالة رويترز إن واشنطن وطهران لا تزالان بعيدتين عن اتفاق ينهي الحرب، وإن المحادثات النووية لن تبدأ قبل تلبية الشروط الإيرانية، مؤكدًا رفض بلاده ما وصفه بالمطالب الأمريكية المفرطة.
وتتمثل المطالب الإيرانية، وفق التصريحات الواردة في المواد المتعلقة بالمفاوضات، في رفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، وتخفيف العقوبات المفروضة على صادرات النفط، والإفراج عن الأصول المجمدة، مقابل إعادة فتح مضيق هرمز.
وفي الوقت نفسه، تواجه إيران ضغوطًا اقتصادية متزايدة، مع ارتفاع الأسعار بنحو 90 في المئة على أساس سنوي، وتأثر صادرات النفط بالحصار البحري، فيما تستمر الاتصالات غير المباشرة عبر وسطاء من قطر وباكستان.
وتداولت تقارير مقترحات إيرانية تتضمن فتح مضيق هرمز مقابل تنازلات أمريكية، من بينها خطة لوقف التصعيد لمدة يومين، بينما حذرت طهران من أن أي هجوم جديد سيقابل برد وصفته بأنه غير متوقع وقد يتجاوز الحدود الجغرافية لإيران.
وفي سياق الردود الإيرانية على نتائج الانتخابات الأمريكية، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي إن الشعب الإيراني ألحق بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب هزيمة استراتيجية في ميدان المواجهة ومضيق هرمز، وهزيمة سياسية في واشنطن، مضيفًا أن الأمريكيين تحملوا تكلفة الحرب.
وربط رضائي خسارة الجمهوريين للأغلبية في الكونغرس باستمرار الحرب مع إيران، محذرًا من أن كل من يواجه بلاده سيدفع الثمن، من ساحة المعركة إلى داخل الولايات المتحدة.
من جانبه، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن مهاجمة إيران لن تحقق النصر، وإن الولايات المتحدة لن تتمكن من ترهيب بلاده بالتهديدات أو إخضاعها بالعمليات العسكرية.
وأضاف بقائي أن ما وصفه بالغرور والتكبر يقود إلى السقوط، معتبرًا أن واشنطن وضعت نفسها في خدمة إسرائيل عندما شنت هجومًا على إيران، ومحذرًا من أن تجاهل دروس التاريخ ومواصلة المسار العسكري سيؤدي إلى عواقب تتجاوز ما شهدته المواجهة حتى الآن.
كما وصف رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف الولايات المتحدة بأنها مقامر يخسر باستمرار ولا يستطيع مغادرة طاولة القمار، وذلك ردًا على تصريحات فانس بشأن مسؤولية الحرب عن خسارة الجمهوريين في الانتخابات.
وتساءل قاليباف عن سبب عدم توجيه فانس انتقاداته إلى الرئيس الأمريكي مباشرة، في إشارة إلى حديث نائب الرئيس عن ضرورة مراجعة مسار الحرب، كما قال إن الشعب الأمريكي بعث برسالة رافضة للحرب من خلال التصويت للديمقراطيين.
وفي المقابل، رفض مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون تحميل تل أبيب مسؤولية التداعيات الاقتصادية للحرب، مؤكدًا أن قرار مهاجمة إيران اتخذته الولايات المتحدة وليس إسرائيل، رغم دعم الحكومة الإسرائيلية للتحرك العسكري.
وقال دانون، في مقابلة مع قناة «آي 24 نيوز»، إن ربط ارتفاع أسعار النفط بالوضع في إسرائيل أمر مؤسف، ووصف القرار الأمريكي بمهاجمة إيران بأنه صائب، مشيرًا إلى أن حسم مسار المفاوضات مع طهران يعود إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وأضاف أن إسرائيل ستواصل اتخاذ الإجراءات التي تراها ضرورية لحماية نفسها، معتبرًا أن إيران تشكل تهديدًا للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، بما يشمل السفارات والأفراد الأمريكيين، وليس لإسرائيل وحدها.
وبدأت الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما على أهداف داخل إيران في 28 فبراير 2026، وردت طهران بضربات على إسرائيل وقواعد عسكرية أمريكية في الأردن ودول خليجية، قبل توقيع مذكرة لوقف الأعمال القتالية في منتصف يونيو، أعقبها تبادل ضربات جديد، ليظل النزاع دون تسوية نهائية مع استمرار احتمالات استئناف العمليات.
وفي تطور أمني متصل بالتوترات الإقليمية، أعلنت وزارة الدفاع التركية، الخميس، مقتل جندي تركي إثر إطلاق نار قالت إن مصدره يُعتقد أنه الجانب الإيراني من الحدود، خلال محاولة منع عبور غير قانوني في 31 أكتوبر الماضي.
وأوضحت الوزارة أن الجندي يوسف سايت أونلو أُصيب خلال الواقعة في منطقة مسؤولية مخفر إنجين مايين الحدودي بمحافظة هكاري، ونُقل إلى المستشفى على متن مروحية، لكنه فارق الحياة متأثرًا بإصابته.
وأضافت أن السلطات التركية فتحت تحقيقًا قضائيًا وإداريًا عقب الحادث، وعقد مسؤولون أتراك وإيرانيون اجتماعًا في موقع الواقعة في 3 نوفمبر، مشيرة إلى أن السلطات الإيرانية فتحت بدورها تحقيقًا مماثلًا، وأن التنسيق مستمر بين البلدين لكشف جميع ملابسات الحادث.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه واشنطن ضغوطًا سياسية داخلية بشأن الحرب، بالتزامن مع استمرار التوتر العسكري في المنطقة وتعثر التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، فيما يترقب الطرفان بدء عمل الكونغرس الجديد في يناير وما قد يفرضه من قيود سياسية ورقابية على قرارات الإدارة الأمريكية المتعلقة بالعمليات العسكرية.





