رغم امتلاك ليبيا موارد نفطية كبيرة وتحقيقها إيرادات مرتفعة من قطاع الطاقة خلال فترات معينة، لا يزال الاقتصاد الليبي يواجه تحديات متراكمة مرتبطة بعدم الاستقرار السياسي والأمني، وتعثر الإصلاحات الاقتصادية، وضعف الإدارة والحوكمة، إلى جانب تفاقم مشكلات الإنفاق العام والاعتماد شبه الكامل على النفط.
وفي قراءة للوضع الاقتصادي الراهن، أكد الخبير الاقتصادي وحيد الجبو، في تصريح خاص لشبكة «عين ليبيا»، أن الاقتصاد الليبي يبدو مستقراً من حيث الشكل، لكنه يواجه صعوبات كبيرة نتيجة تعطل الإصلاحات الاقتصادية، واستمرار حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني، إضافة إلى عوامل داخلية وخارجية أثرت بشكل مباشر على الأداء الاقتصادي.
وقال الجبو إن من بين أبرز العوامل التي ساهمت في الأزمة الاقتصادية الحالية الفساد، والتدخلات الخارجية، إلى جانب بعض السياسات الاقتصادية التي وصفها بأنها «سياسات غير مدروسة» اتخذتها الدولة في فترات مختلفة وبشكل سريع، ما أدى إلى تراكم المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد اليوم.
وأوضح أن الاقتصاد الليبي لا يمكنه تجاوز التحديات الحالية في ظل استمرار غياب الاستقرار السياسي، وعدم إجراء الانتخابات، وغياب مبدأ وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، إضافة إلى عدم وجود مواجهة حقيقية للفساد الإداري والمالي.
وأضاف أن أي إصلاح اقتصادي حقيقي يحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة، ومؤسسات قادرة على تنفيذ الإصلاحات، وإدارة فعالة للموارد العامة.
الدينار الليبي يواجه ضغوطاً بسبب ارتفاع الطلب على الدولار
وفيما يتعلق بوضع الدينار الليبي في سوق الصرف، أكد الجبو أن العملة المحلية تواجه ضغوطاً حقيقية نتيجة زيادة الطلب على الدولار مقارنة بحجم المعروض منه، مشيراً إلى أن ارتفاع الطلب على العملة الأجنبية في السوق الموازية يؤدي بشكل مباشر إلى انخفاض القوة الشرائية للدينار الليبي.
وأوضح أن محدودية الإنتاج النفطي الليبي، الذي لا يتجاوز بحسب تقديره مليوناً وأربعمائة ألف برميل يومياً، تؤثر على حجم الإيرادات العامة، وتساهم في وجود عجوزات في الميزانية، خصوصاً أن ليبيا تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتغطية احتياجاتها.
وقال إن ليبيا تستورد أكثر من 90% من احتياجاتها بالعملة الصعبة، ولا تعتمد بالشكل الكافي على الصناعات المحلية، الأمر الذي يجعل الطلب على الدولار مرتفعاً ويزيد الضغوط على الدينار الليبي.
وأشار إلى أن مصرف ليبيا المركزي يحاول معالجة الأزمة من خلال أدوات السياسة النقدية، إلا أن قدرته تبقى محدودة، موضحاً أن المصرف مسؤول عن السياسة النقدية وليس مسؤولاً عن السياسة المالية أو معالجة الفساد، وهي ملفات تقع خارج نطاق عمله.
وأضاف أن السياسة المالية تحتاج إلى مراجعة، خصوصاً في ظل الإنفاق الحكومي المرتفع، قائلاً إن الإنفاق العام تجاوز الحدود المطلوبة وأصبح يشكل ضغطاً على الاقتصاد الوطني.
تعديل سعر الصرف وتأثيره على المواطن
وحول سعر صرف الدينار، أوضح الجبو أن تعديل سعر الصرف تم بالفعل، وأصبح الدولار يباع عبر مصرف ليبيا المركزي والمصارف التجارية التابعة له بحوالي ستة دنانير ونصف، مشيراً إلى أنه لا يرى حاجة حالياً إلى تعديل جديد لسعر الصرف في ظل استمرار حالة التخبط الاقتصادي.
وأكد أن المواطن الليبي هو المتضرر الأكبر من هذه الأوضاع، موضحاً أن ارتفاع الأسعار ليس مرتبطاً بالوقت الحالي فقط، بل هو نتيجة تراكمات مستمرة خلال السنوات الماضية.
وقال إن وصول سعر الدولار في السوق الموازية إلى نحو ثمانية دنانير أدى إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطن، مشيراً إلى أن مرتباً يصل إلى أربعة آلاف دينار لم يعد كافياً لتغطية احتياجات الأسرة في ظل ارتفاع الأسعار.
ارتفاع إيرادات النفط لم ينعكس على الخدمات
وفيما يتعلق باستمرار الأزمات الاقتصادية رغم ارتفاع إيرادات النفط، أوضح الجبو أن المشكلة الأساسية لا تكمن في نقص الموارد، وإنما في طريقة إدارتها.
وقال إن ليبيا تعاني من مشكلة في الموارد البشرية، ومشكلة في الإدارة، خصوصاً إدارة المال العام، مشيراً إلى أن ضعف الإدارة والفساد المستشري والوساطة والمحسوبية ساهمت في تراجع الأداء الاقتصادي.
وأضاف أن الوضع الأمني غير مستقر في بعض المناطق، وهو ما ينعكس على النشاط الاقتصادي، مؤكداً أن الفساد أصبح منتشراً في مختلف القطاعات.
وانتقد الجبو تضخم عدد الموظفين في الدولة، مشيراً إلى وجود أكثر من مليوني ونصف المليون موظف، معتبراً أن هذا العدد يمثل عبئاً كبيراً على خزينة الدولة في ظل غياب الإنتاجية والقيمة المضافة.
وقال إن جزءاً كبيراً من العاملين دخلوا إلى الوظيفة العامة باعتبارها حقاً في الحصول على جزء من ثروة البلاد، لكن الوظيفة يجب أن ترتبط بالإنتاج وتقديم خدمة حقيقية.
وأوضح أن الدولة خلال العقود الماضية، سواء في النظام السابق أو بعده، اتخذت قرارات خاطئة بتعيين آلاف الموظفين دون وظائف فعلية، حيث يحصل الموظف على المرتب ويبقى في منزله، في ظل تعثر مشاريع التنمية وسوء التخطيط.
وأضاف أن ليبيا تعاني من سوء إدارة في قطاعات التنمية والصناعة والصحة والمالية والإسكان، معتبراً أن الإدارة العامة تعاني من الفوضى وغياب التخطيط.
الاعتماد على النفط عطّل تنويع الاقتصاد
وحول تأثير الاعتماد الكبير على النفط، أكد الجبو أن الاقتصاد الليبي يعتمد منذ نحو ستين عاماً على إنتاج وتصدير النفط دون بناء قاعدة اقتصادية متنوعة.
وأوضح أن ليبيا لم تعتمد بشكل حقيقي على الصناعة المحلية، باستثناء بعض الصناعات الغذائية والكسائية التي كانت موجودة في مراحل سابقة.
وأشار إلى أن محاولات تنويع مصادر الدخل التي جرت خلال السنوات الماضية فشلت بسبب سوء الإدارة وغياب الإرادة والرؤية الاقتصادية الواضحة.
وقال إن هناك أسباباً تعيق تنويع الاقتصاد، وربما توجد جهات تستفيد من استمرار اعتماد ليبيا على النفط فقط، باعتبار أن ذلك يسمح باستمرار استيراد مختلف السلع من الخارج، مشيراً إلى أن بعض هذه التحليلات تندرج ضمن ما يعرف بنظرية المؤامرة.
وأكد أن الحل يكمن في بناء اقتصاد منتج يقوم على الصناعة والزراعة والسياحة، وعدم الاعتماد على مورد واحد.
أزمة الكهرباء مشكلة إدارة وليست نقص تمويل
وفي ملف الكهرباء، أكد الجبو أن الأزمة لا ترتبط بنقص التمويل، موضحاً أن الحكومات الليبية المتعاقبة أنفقت مليارات على هذا القطاع، وبالتالي فإن المشكلة الأساسية تكمن في الإدارة والحوكمة.
وقال إن الفساد المنتشر داخل وخارج القطاع، إضافة إلى مشكلات الوقود واعتماد بعض المحطات على الغاز، ساهمت في استمرار الأزمة.
وأضاف أن هناك أيضاً مشكلات في قطاع النفط بسبب الفساد، مشيراً إلى أن قطاعات حيوية تدار بطريقة غير مهنية نتيجة ضعف الإدارة، وهو ما انعكس على فشل قطاع الكهرباء وحتى قطاع النفط.
الإنفاق العام يركز على الاستهلاك وليس التنمية
وحول الإنفاق العام والموازنة، أكد الجبو أن الإنفاق الحكومي مبالغ فيه، خصوصاً في ملف المرتبات، مشيراً إلى أن وجود أكثر من مليوني ونصف المليون موظف يشكل عبئاً كبيراً على الدولة.
وأوضح أن الموازنة الحالية تركز بدرجة كبيرة على الإنفاق الاستهلاكي، ولا تعكس وجود أولويات اقتصادية حقيقية قادرة على تحقيق التنمية.
وقال إن المطلوب هو إعادة هيكلة الاقتصاد الليبي، وإلغاء المؤسسات التي أُنشئت بطريقة غير صحيحة، وإبعاد المفسدين، وإنهاء سيطرة مجموعات على المؤسسات العامة دون خبرة أو استحقاق.
إعادة هيكلة الاقتصاد وتحويل الموظفين إلى الإنتاج
وفيما يتعلق بالإجراءات العاجلة المطلوبة لإنقاذ الاقتصاد، أكد الجبو ضرورة تحويل مئات الآلاف من العاملين في القطاع العام إلى العمل الإنتاجي، قائلاً إن زيادة الإنتاج تعني زيادة الرخاء.
وشدد على ضرورة إعادة فتح المصانع المتوقفة وصيانتها، وتحويل القوى العاملة الليبية من وظائف مكتبية غير منتجة إلى قطاعات إنتاجية.
وأضاف أن ليبيا تعاني من ظاهرة البطالة المقنعة، حيث توجد أعداد كبيرة من الموظفين الذين يتقاضون المرتبات دون تقديم إنتاج فعلي.
وأكد أهمية إعادة ترتيب وتأهيل الموارد البشرية، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، إلى جانب تنويع مصادر الدخل عبر إقامة مشاريع صناعية وزراعية وسياحية.
كما شدد على ضرورة توفير بيئة مناسبة للاستثمار، ودعوة المستثمرين من الخارج، وتسهيل الإجراءات أمامهم لإقامة مشاريع داخل ليبيا.
وختم الجبو بالتأكيد على أن الاقتصاد الليبي يحتاج إلى مجموعة من الإجراءات العاجلة لإنقاذ ما تبقى منه، مشدداً على أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من معالجة سوء الإدارة، ومحاربة الفساد، وبناء اقتصاد منتج قادر على توفير فرص العمل وتحسين مستوى معيشة المواطن.





