تتواصل تداعيات أزمة الكهرباء في ليبيا وسط تصاعد الاحتجاجات وإغلاق عدد من المؤسسات والمرافق الحيوية، في وقت يرى مراقبون أن الأزمة لم تعد مرتبطة بقطاع الطاقة فقط، بل أصبحت تعكس اختلالات اقتصادية وإدارية أوسع.
وفي هذا السياق، أكد رجل الأعمال حسني بي، في تصريح لشبكة «عين ليبيا»، أن الاحتجاجات الحالية جاءت نتيجة تراكمات طويلة، مشيراً إلى أن أزمة الكهرباء تحولت من مشكلة خدمية إلى أزمة اقتصادية تهدد النشاط التجاري والإنتاج والاستثمار، وأن استمرار تعطيل المؤسسات والمنشآت الحيوية ستكون له كلفة يتحملها المواطن في النهاية.
وأوضح حسني بي أن الاحتجاج حق مشروع عندما تتعطل الخدمات الأساسية وتمس حياة المواطنين، لكن من الناحية الاقتصادية يجب التفريق بين التعبير السلمي عن المطالب وبين تعطيل المؤسسات والمرافق الحيوية.
وأضاف أن إغلاق الوزارات والمؤسسات الحكومية يؤدي إلى تعطيل مصالح المواطنين والشركات، وتأخير الإجراءات الإدارية والتراخيص والمدفوعات والعقود، بينما تكون تكلفة إغلاق الشركات الخدمية أو المنشآت النفطية والغازية أكبر، لأنها تمس مصدر الدخل الرئيسي للدولة وإمدادات الوقود والغاز اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء.
وأشار إلى أن الاحتجاجات الأخيرة شهدت إغلاق مؤسسات وطرق ومرافق مرتبطة بالطاقة، كما أدى اقتحام مجمع مليتة إلى توقف حقل الفيل بالكامل وتعطل جزئي في حقل الوفاء، قبل استئناف الإنتاج، مع تأثر إمدادات الغاز المخصصة لمحطات الكهرباء.
وأكد أن هذه الاحتجاجات ليست أصل المشكلة، بل نتيجة تراكمات طويلة، موضحاً أن ما يحدث اليوم هو نتيجة مدخلات وآليات ونموذج اقتصادي وإداري صُمم منذ عقود بطريقة لا تسمح له بالعمل بكفاءة أو الاستمرار مالياً.
وقال إن الاقتصاد لا يعرف وجود شيء مجاني، موضحاً أن كل يوم تتوقف فيه مؤسسة أو شركة أو مصنع له تكلفة يتحملها المواطن في النهاية، سواء عبر تراجع الدخل، أو ارتفاع الأسعار، أو انخفاض قيمة الدينار، أو تراجع الخدمات وفرص العمل.
وحول تأثير أزمة الكهرباء على الاقتصاد، أكد حسني بي أن الأزمة لم تعد أزمة خدمية أو فنية فقط، بل أصبحت أزمة اقتصادية شاملة تهدد التجارة والإنتاج والاستثمار والتشغيل.
وأوضح أن جميع المحلات التجارية تتوقف فور انقطاع الكهرباء، ولا تعود إلى العمل في كثير من الحالات إلا في اليوم التالي، مشيراً إلى أن استمرار الانقطاع يجعل تشغيل النشاط التجاري غير ممكن أو غير مجدٍ اقتصادياً.
وأضاف أن بعض المصانع التي توجد مساهمات فيها اضطرت إلى وقف الإنتاج أو تقليصه بسبب عدم استقرار الكهرباء وارتفاع تكلفة التشغيل بالمولدات والديزل.
ولفت إلى أن انقطاع الكهرباء لا يؤدي فقط إلى إظلام المنازل، بل يتسبب في توقف المبيعات والإنتاج، وضياع ساعات العمل، وزيادة تكلفة السلع، وتلف بعض المواد والمخزونات، وتعطيل الاستثمارات، وفقدان فرص العمل، وزيادة الاعتماد على الاستيراد.
وشدد على ضرورة عدم قياس أزمة الكهرباء بعدد ساعات طرح الأحمال فقط، بل بحجم الناتج المحلي المفقود، وعدد المصانع والمحلات المتوقفة، والدخول التي فقدتها الأسر، والاستثمارات التي جرى تأجيلها أو إلغاؤها.
وفيما يتعلق بحجم الخسائر الناتجة عن استمرار تعطيل المؤسسات أو توقف القطاعات الحيوية، أوضح حسني بي أنه لا يمكن تحديد رقم دقيق دون بيانات يومية عن الإنتاج والمبيعات وساعات العمل، إلا أن الخسائر تقع على عدة مستويات.
وبيّن أن هناك خسائر مباشرة تتمثل في توقف الإنتاج والمبيعات والخدمات، وخسائر غير مباشرة تنتج عن ارتفاع تكلفة المولدات والوقود والصيانة، وتأخر العقود، وتعطل سلاسل التوريد، وفقدان ثقة المستثمرين.
وأضاف أن هناك خسائر اجتماعية لا تظهر فوراً في الحسابات، مثل فقدان فرص العمل، وانخفاض دخول العمال وأصحاب الأنشطة الصغيرة، وارتفاع أسعار السلع نتيجة تحميل المستهلك تكلفة الطاقة البديلة.
وأكد أن صاحب المصنع الذي يدفع تكلفة إضافية للمولد يضيفها إلى سعر السلعة، وصاحب المحل الذي يخسر جزءاً من ساعات العمل يرفع هامش السعر لتعويض المخاطر، بينما الدولة التي تفقد إيرادات نفطية قد تلجأ إلى السحب من الاحتياطيات أو التوسع النقدي.
وحول تأثير الاحتجاجات على قطاع النفط، أكد حسني بي أن المخاطر كبيرة جداً، لأن الاقتصاد الليبي يعتمد بصورة رئيسية على النفط والغاز في تمويل الإنفاق العام وتوفير النقد الأجنبي.
وقال إن أي توقف في الإنتاج أو التصدير يؤدي إلى خسارة مباشرة في الإيرادات الدولارية، وإذا استمر التوقف فإنه يضغط على قدرة مصرف ليبيا المركزي على تمويل الواردات وتلبية الطلب على النقد الأجنبي، وقد ينعكس على سعر الصرف والأسعار.
وأوضح أن بعض المنشآت النفطية والغازية مرتبطة مباشرة بمنظومة الكهرباء، وأن ما حدث في مليتة يوضح خطورة هذه العلاقة، إذ أدى تعطيل تدفق الغاز إلى خروج وحدات توليد وارتفاع خطر حدوث انقطاع واسع في الشبكة قبل استعادة الإمدادات تدريجياً.
وأضاف أن توقف النفط لا يعالج أزمة الكهرباء، بل قد يزيدها سوءاً، لأن الدولة تعطل في الوقت نفسه مصدر تمويلها ومصدر الوقود والغاز اللازم للتوليد.
وأكد ضرورة حماية المنشآت النفطية والكهربائية باعتبارها ملكاً لجميع الليبيين، مع ضمان حق المواطنين في الاحتجاج السلمي والمطالبة بالمحاسبة والإصلاح.
وفي تفسيره لاستمرار أزمة الخدمات رغم الموارد المالية الكبيرة التي تحصل عليها ليبيا من النفط، قال حسني بي إن الخلل ليس في نقص الموارد فقط، وإنما في النموذج الذي تُدار به هذه الموارد.
وأوضح أن ليبيا أنفقت مبالغ ضخمة على الكهرباء والخدمات، لكن الإنفاق لم يُربط بصورة كافية بمؤشرات الأداء والكفاءة والاستدامة.
وأضاف أن المطلوب هو قياس تكلفة الكيلوواط المنتج، وكفاءة المحطات، وحجم الفاقد، وتكلفة رأس المال، واستهلاك الأصول، والعائد على الاستثمار، وتكلفة كل وظيفة أو خدمة.
وأشار إلى أن الشركة العامة للكهرباء أُنشئت بموجب القانون رقم 17 لسنة 1984 كشركة مساهمة تتمتع بالشخصية الاعتبارية المستقلة، وليس كجهاز إنفاق مفتوح بلا ميزانية تجارية واضحة أو مسؤولية عن الإيرادات والتكاليف.
وقال إن النموذج المطبق حالياً ابتعد عن فلسفة القانون، فأصبحت الشركة تعمل أقرب إلى مرفق حكومي يعتمد على الخزانة بدلاً من شركة عامة لها رأس مال وقوائم مالية وإهلاكات واحتياطيات ومؤشرات أداء واضحة.
وأكد أنه لا توجد شركة في العالم تستطيع الاستمرار إذا كانت تبيع منتجها بسعر لا يغطي تكلفته، ولا تظهر بصورة كاملة قيمة أصولها واستهلاكها وتكلفة إحلالها، ثم تعتمد كل عام على مزيد من الإنفاق العام.
وحول قدرة الحكومة على معالجة الأزمة عبر الإنفاق والحلول العاجلة، أوضح حسني بي أن الحلول العاجلة ضرورية لمنع انهيار الشبكة وتخفيف معاناة المواطنين، لكنها لن تعالج أصل الأزمة.
وقال إن شراء قطع الغيار أو توفير الوقود أو إجراء الصيانة أو إضافة وحدات توليد قد يخفف الأزمة مؤقتاً، لكن استمرار النموذج نفسه سيؤدي إلى عودة المشكلة مرة أخرى.
وأكد الحاجة إلى إصلاح شامل يقوم على إعادة الشركة العامة للكهرباء إلى طبيعتها كشركة عامة مستقلة تعمل وفق أسس تجارية ومحاسبية مع بقاء ملكيتها للدولة، وإعداد قوائم مالية حقيقية، والفصل بين دور الدولة كمالك ومنظم ودور الشركة كمنتج ومشغل.
كما دعا إلى التوسع في الغاز الطبيعي ومحطات الدورة المركبة، وتركيب العدادات الذكية، وتقليل الفاقد الفني والتجاري والسرقات، وفتح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في التوليد والطاقة المتجددة ضمن عقود شفافة.
وشدد على أهمية تغيير سياسة الدعم من دعم سعري مفتوح إلى دعم نقدي مباشر للمواطن.
وفيما يتعلق بتأثير عدم الاستقرار والاحتجاجات على سعر الصرف والسوق المحلية وثقة المستثمرين، أكد حسني بي أن سعر الصرف يتأثر بتوقعات الناس بشأن مستقبل الإيرادات النفطية والإنفاق العام والاستقرار المؤسسي.
وقال إن الخوف من تعطل النفط أو ارتفاع الإنفاق أو ضعف قدرة الدولة على تمويل الواردات يؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار، وقد يوسع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية.
وأضاف أن تعطل الكهرباء يرفع تكلفة الإنتاج والنقل والتخزين، وهو ما ينعكس على أسعار السلع، كما أن توقف المصانع المحلية يزيد الاعتماد على الواردات ويرفع الطلب على النقد الأجنبي.
وأكد أن المستثمر لا ينظر فقط إلى حجم السوق أو توفر الموارد، بل يبحث عن استقرار الكهرباء وقدرة المؤسسات على العمل وتنفيذ العقود وإمكانية توقع التكاليف وسعر الصرف.
وفي حال استمرار التصعيد الشعبي، طرح حسني بي ثلاثة سيناريوهات اقتصادية محتملة.
وأوضح أن السيناريو الأول يتمثل في الاحتواء السريع عبر استعادة استقرار الشبكة وفتح المؤسسات بالتوازي مع إعلان برنامج إصلاح واضح وشفاف.
أما السيناريو الثاني فهو استمرار الاحتجاجات والانقطاعات بصورة متقطعة، ما يؤدي إلى تراجع النشاط التجاري والإنتاج وزيادة الاعتماد على المولدات والديزل وارتفاع الأسعار وتراجع ثقة المستثمرين.
بينما يتمثل السيناريو الثالث والأخطر في امتداد الإغلاقات إلى الحقول والموانئ ومنشآت النفط والغاز، ما قد يؤدي إلى تراجع الإيرادات الدولارية وزيادة العجز والضغط على احتياطيات النقد الأجنبي وسعر الصرف.
وفي حديثه عن إصلاح سياسة دعم الكهرباء، أوضح حسني بي أنه لا يدعو إلى إلغاء الدعم وترك المواطن يواجه التكلفة، وإنما إلى تغيير المستفيد وطريقة الدعم.
وقال إن هناك فرقاً بين دعم سعر الكهرباء ودعم المواطن، موضحاً أن الدعم السعري المفتوح يستفيد منه المستهلك الكبير أكثر من محدود الدخل ويشجع على الهدر.
وأضاف أن الدعم النقدي المباشر يمنح المواطن القدرة على إدارة استهلاكه، بينما يتم بيع الكهرباء بسعر يعكس تكلفتها تدريجياً.
وأشار إلى أن كل مواطن ليبي يساهم اليوم بصورة غير مباشرة بما لا يقل عن نحو 600 دينار شهرياً في تكلفة منظومة الكهرباء ودعمها، وفق تقديراته.
وأكد أن الانتقال إلى الدعم النقدي سيساهم في ترشيد الاستهلاك وتقليل الأحمال وخفض تشغيل الوحدات المكلفة وتقليل استيراد الديزل وتحسين ميزان المدفوعات وتخفيف الضغط على الاحتياطيات وسعر الصرف.
واختتم حسني بي تصريحه بالقول: “لا يوجد شيء مجاني في الاقتصاد. الكهرباء التي لا ندفع ثمنها في الفاتورة ندفع ثمنها من عائدات النفط، أو عبر التضخم، أو انخفاض قيمة الدينار، أو تراجع الصحة والتعليم والبنية التحتية”.
وأكد أن ما تعيشه ليبيا اليوم ليس مفاجأة، وإنما نتيجة طبيعية لنموذج يحتاج إلى إعادة النظر، مشدداً على أن الحل لا يكمن في زيادة الإنفاق فقط، بل في تغيير جذري للنموذج الاقتصادي، من دعم السلعة إلى دعم المواطن، ومن إدارة الشركة باعتبارها جهازاً تابعاً للخزانة إلى شركة عامة مستقلة لها مؤشرات أداء ومحاسبة، بما يجعل الكهرباء مستقبلاً محركاً للإنتاج والاستثمار والنمو.





