تمر الدولة الليبية اليوم بمرحلة هي الأصعب في تاريخها الحديث؛ حيث لم يعد المشهد مجرد خلاف على سلطة أو صراع على موارد، بل تحول إلى “حالة استعصاء” شاملة طالت الهياكل السياسية واستقرت في أعماق الوعي المجتمعي. هذا الانسداد المزدوج بات يهدد كينونة الدولة ويضع المواطن في أتون معاناة يومية لا تنتهي، مما يفرض علينا وقفة مكاشفة لتفكيك هذه المعضلة.
المسار السياسي: دوامة “الموت السريري”
يعيش المسار السياسي الليبي حالة من الركود التي تجاوزت حدود الأزمة لتصبح “موتاً سريرياً”. فالمؤسسات التي كان من المفترض أن تكون جسوراً للعبور نحو الاستقرار، تحولت إلى خنادق للحفاظ على “الوضع القائم” عبر ثلاثة محاور:
أولا : جمود النخب واستدامة الفراغ: تحولت الأجسام السياسية إلى كيانات تبحث عن البقاء الذاتي، حيث يُستنزف الوقت في حوارات عقيمة واتفاقات هشة تنهار سريعاً أمام مصالح الفئات الضيقة.
ثانيا ارتهان السيادة: لم يعد القرار الليبي حبيس الجغرافيا الوطنية، بل صار رهينة لتوافقات القوى الدولية والإقليمية، مما أفقد المسار السياسي “بوصلته الوطنية” وجعله عرضة لتقلبات الأجندات الخارجية.
ثالثا التشظي المؤسساتي: أدى هذا الانقسام إلى غياب رؤية اقتصادية موحدة، مما تسبب في تعطل مشاريع التنمية وتآكل البنية التحتية لقطاع النفط، الشريان الوحيد الذي يغذي البلاد.
تكلس الوعي الجمعي: المعضلة الخفية
بموازاة الانسداد السياسي، يبرز انسداد آخر لا يقل خطورة في “الوعي الجمعي”. فالمجتمع الذي عانى عقوداً من التغييب، يجد نفسه اليوم أسيراً لأنماط فكرية تعيق النهوض، وتتجلى في:
- النكوص نحو الهويات الصغرى: في ظل غياب الدولة الحامية، لجأ الفرد إلى القبيلة أو الجهة كدرع بديل، مما أضعف مفهوم “المواطنة الجامعة” وجعل الولاء للجزء يطغى على الولاء للكل.
- ثقافة الاستقطاب واليأس: سيطر خطاب التخوين والإقصاء على الفضاء العام، مما خلق حواجز نفسية جعلت الحوار العقلاني تهمة. هذا المناخ أنتج “يأساً منظماً” أدى للقبول بالأمر الواقع وتعطيل قوة الضغط الشعبي.
- الفاتورة الباهظة: المواطن في مواجهة الانهيار
نتائج هذا الانسداد المزدوج ليست مجرد تحليلات، بل هي واقع مؤلم يتجرعه الليبيون يومياً؛ فالاقتصاد يئن تحت وطأة التضخم ونقص السيولة، والنسيج الاجتماعي يتمزق بفعل الاغتراب الذي يدفع الشباب نحو “قوارب الموت” كحل وحيد. - استراتيجية الخروج: خارطة الطريق نحو “الانفراج”
إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب جراحة وطنية عاجلة، لا تكتفي بمسكنات الحلول السياسية، بل تنفذ إلى جوهر الأزمة عبر أربعة مرتكزات:
- الشرعية التكنوقراطية (تصفير الأزمة)
يجب الانتقال من منطق “المحاصصة الجهوية” إلى منطق “الكفاءة الوطنية”. الحل يبدأ بتشكيل حكومة تكنوقراط مصغرة بمهام زمنية محددة، تتركز مسؤوليتها في تهيئة الأرضية التقنية واللوجستية للانتخابات، مع تفعيل أدوات الرقابة الرقمية لضمان تحييد المال العام عن التوظيف السياسي. - العقد الاجتماعي و”المواطنة الرقمية”
لمواجهة تكلس الوعي، لا بد من صياغة ميثاق وطني يرتكز على “المواطنة” كبديل للهويات الضيقة. هنا يلعب التحول الرقمي دوراً محورياً، ليس فقط كأداة إدارية، بل كوسيلة لتعزيز الشفافية التي تبني جسور الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسة. - اقتصاد المعرفة كقاطرة للاستقرار
كسر دائرة اليأس يتطلب حلولاً اقتصادية ملموسة؛ عبر تحرير قطاع النفط من التجاذبات، وتفعيل شراكات دولية ذكية تضمن نقل المعرفة. إن خلق فرص عمل مرتبطة بـ “اقتصاد المعرفة” سيحول طاقات الشباب من “وقود للصراع” إلى “محركات للتنمية”. - الندية الدولية واستعادة السيادة
الخروج من “السندان الدولي” يتطلب خطاباً دبلوماسياً موحداً يرتكز على المصالح المشتركة لا الارتهان الكلي. إن ليبيا القوية هي مصلحة إقليمية، والوصول لهذا الفهم يتطلب إرادة وطنية تفرض “الندية” في التعامل مع الفواعل الخارجية.
خاتمة:
إن انسداد المسارات في ليبيا ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة لغياب الإرادة وتكلس الفكر. إن معركة “النهضة” هي في جوهرها معركة وعي قبل أن تكون صناديق اقتراع. ليبيا تملك الموارد والكفاءات، وما ينقصها هو تحرر العقل من قيود الماضي والسياسة من ارتهان الخارج، لتبدأ رحلة البناء نحو “ليبيا المستقبل”.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.





