شهد يوم عرفة ذروته الروحانية مع توافد أكثر من 1.5 مليون حاج إلى صعيد عرفات منذ ساعات الفجر الأولى، في واحد من أعظم أيام السنة وأهم محطات الحج، حيث وقف ضيوف الرحمن على صعيد واحد، بملابس الإحرام، تذوب الفوارق بينهم، وترتفع الأصوات بالدعاء والتلبية في مشهد إيماني لا يتكرر إلا مرة كل عام.
ومع دخول وقت الظهر، أُقيمت صلاتا الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، اقتداءً بسنة النبي محمد ﷺ، بعد الاستماع إلى خطبة عرفة التي ألقاها خطيب المسجد، والتي حملت رسائل قوية حول التقوى، ووحدة الأمة، وإصلاح ذات البين، والتأكيد على أن الحج عبادة خالصة لله بعيدة عن كل الشعارات والاختلافات.
ومع اقتراب غروب شمس هذا اليوم العظيم، بدأت جموع الحجاج في التحرك تدريجيًا من صعيد عرفات، في ما يُعرف بـ”النفير إلى مزدلفة”، وسط تنظيم دقيق وحركة تفويج محكمة، ضمن خطة تشغيلية ضخمة تشرف عليها السلطات السعودية لضمان سلامة وانسيابية انتقال الحشود.
وتحوّلت الطرق المؤدية إلى مزدلفة إلى مسارات إيمانية نابضة بالتلبية، حيث ترددت أصوات “لبيك اللهم لبيك” في أرجاء المكان، بينما كانت الحشود تتحرك بهدوء وروحانية، في واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في رحلة الحج.
ويستعد الحجاج في مشعر مزدلفة لقضاء جزء من ليلتهم هناك، حيث يؤدون صلاتي المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا، ويبيتون حتى فجر يوم العاشر من ذي الحجة، كما يقومون بجمع الحصى استعدادًا لرمي الجمرات في منى، إيذانًا بانتقالهم إلى مرحلة جديدة من مناسك الحج.
ويُعد هذا الانتقال من عرفات إلى مزدلفة أحد أبرز مشاهد اليوم، إذ يجمع بين ختام الركن الأعظم للحج في عرفات، وبداية الاستعداد ليوم النحر، الذي يشهد أعمالًا متعددة تبدأ برمي جمرة العقبة الكبرى، ثم الحلق أو التقصير، فطواف الإفاضة والسعي.
وفي السياق ذاته، أكدت الجهات المنظمة أن خطط التفويج هذا العام جرت بانسيابية عالية، مدعومة بقطار المشاعر والحافلات المنظمة، مما ساهم في تقليل الازدحام وتسريع حركة انتقال الحجاج بين المشاعر، في واحدة من أكبر عمليات إدارة الحشود على مستوى العالم.
ومع حلول الليل في مزدلفة، يدخل الحجاج مرحلة جديدة من السكينة والهدوء بعد يوم حافل بالدعاء والدموع والابتهال في عرفات، في مشهد تختلط فيه مشاعر التعب بالطمأنينة، استعدادًا ليوم جديد من أعظم أيام المناسك.
ويبقى هذا اليوم في ذاكرة الحجاج يومًا استثنائيًا، تتجلى فيه معاني التوبة والرجاء، وتُرفع فيه الأكف إلى السماء في أقدس بقعة على وجه الأرض، قبل أن تبدأ رحلة الانتقال إلى بقية مناسك الحج في منى.





