«مصرف ليبيا المركزي في زمن الأزمات».. رواية «الصديق الكبير» تحت مجهر الأرقام

يستعد كتاب «مصرف ليبيا المركزي: إدارة السياسة النقدية في ظل الأزمة»،أو «The Central Bank of Libya: Managing Monetary Policy Under Crisis» للصدور في نوفمبر 2026، من تأليف المحافظ السابق لمصرف ليبيا المركزي الصديق عمر الكبير، بالاشتراك مع مايكل جي. شيفر، الممثل السابق للبنك الدولي في ليبيا والمستشار السابق للقطاع العام لدى البنك الدولي.

وبحسب وصف الناشر، يتناول الكتاب تطور السياسة النقدية ومصرف ليبيا المركزي خلال سنوات اتسمت بالانقسام السياسي والمؤسسي والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، مع عرض لتطور النظام المالي والسياسات النقدية وإدارة الاحتياطيات وسعر الصرف والإصلاحات المصرفية.

ومن حيث المبدأ، يمثل صدور عمل يوثق تجربة إدارة أهم مؤسسة نقدية في ليبيا خلال واحدة من أكثر مراحل البلاد اضطرابًا إضافة مهمة للنقاش الاقتصادي، خصوصًا أن أحد مؤلفيه ترأس مصرف ليبيا المركزي خلال الجزء الأكبر من الفترة التي يتناولها الكتاب.

لكن قيمة هذه الرواية لا تعني التعامل معها بوصفها الكلمة الأخيرة في تقييم تلك المرحلة، بل باعتبارها شهادة أحد أبرز المشاركين في صنع السياسة النقدية خلالها.

والتقييم الجاد لأي مصرف مركزي لا يتوقف عند حجم الاحتياطيات الأجنبية أو النوايا المعلنة، وإنما يمتد إلى نتائج السياسة النقدية: استقرار قيمة العملة وقوتها الشرائية، تطور الأسعار، نمو عرض النقود، سلامة الجهاز المصرفي، قدرة المواطنين على الوصول إلى السيولة، واستقرار منظومة المدفوعات، إلى جانب مستوى التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية.

أزمة 2014 وانقسام النظام المصرفي

من الأسئلة المركزية في تقييم تلك المرحلة ما جرى للنظام المصرفي الليبي عقب الانقسام السياسي والمؤسسي الذي بدأ في 2014.

فالانقسام انعكس على عمل المؤسسات المالية وعلى إدارة النقد الأجنبي والإنفاق العام، كما ارتبط بظهور ترتيبات مصرفية موازية في الشرق، بينما ظل مصرف ليبيا المركزي في طرابلس محور إدارة الاحتياطيات الأجنبية والسياسة النقدية على المستوى الدولي.

وهنا لا يقتصر السؤال على الخلفية السياسية للانقسام، بل يمتد إلى كلفته الاقتصادية: ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى المصارف التجارية والمودعين، ووحدة منظومة المدفوعات، والرقابة المصرفية، والسيطرة على السيولة؟

كما تستحق الحوكمة المؤسسية تقييمًا مستقلًا، بما في ذلك أداء مجلس إدارة المصرف المركزي وترتيبات اتخاذ القرار خلال سنوات الانقسام. وهذه ليست تفاصيل إدارية، بل عناصر أساسية في تقييم قدرة مؤسسة نقدية على اتخاذ قرارات مستقرة وقابلة للمساءلة.

الدفاع عن سعر الصرف الرسمي

مع تراجع الإيرادات النفطية وتصاعد الضغوط المالية، برزت بصورة متزايدة مشكلة الفجوة بين السعر الرسمي للدينار والسعر في السوق الموازية.

وبمرور الوقت أصبح الوصول إلى النقد الأجنبي بالسعر الرسمي مرتبطًا بالقنوات والضوابط التي يحددها النظام المصرفي، بينما يعكس السعر الموازي الطلب غير المستوعب عبر تلك القنوات.

وهنا تظهر إحدى أهم قضايا السياسة النقدية الليبية: الحفاظ على سعر رسمي لا يعني بالضرورة أن السعر نفسه يمثل القيمة التي يستطيع المواطن أو النشاط الاقتصادي الحصول عندها على الدولار بصورة فعلية.

وعندما تتسع الفجوة بين السعرين، ينشأ فارق سعري يمكن أن يتحول إلى ريع لصالح من يستطيع الوصول إلى النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية.

لذلك لا يكفي السؤال عن حجم الدولارات التي احتفظ بها المصرف المركزي، بل ينبغي النظر أيضًا إلى تكلفة الدفاع عن سعر الصرف على الدينار والسوق والاقتصاد والمواطن.

الاحتياطيات وسيلة للاستقرار وليست هدفًا منفردًا

الحفاظ على الاحتياطيات الأجنبية يمثل وظيفة أساسية لأي مصرف مركزي، وتزداد أهميته في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات النفط.

لكن الاحتياطيات ليست غاية مستقلة؛ فهي أداة لدعم الاستقرار النقدي والمالي وتمويل احتياجات الاقتصاد الخارجية.

وعندما يتسع الإنفاق العام والسيولة المحلية بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي، فإن الطلب على الدولار لا يختفي لمجرد فرض قيود على الوصول إليه، بل يمكن أن ينتقل جزء منه إلى السوق الموازية.

وهنا يصبح السؤال الاقتصادي أكثر تعقيدًا: هل تكفي المحافظة على حجم الاحتياطيات إذا كانت السيولة المحلية تنمو بصورة تخلق ضغوطًا مستمرة على سوق النقد الأجنبي؟

بيانات صندوق النقد تظهر بالفعل تغيرات كبيرة في عرض النقود خلال السنوات الأخيرة. فقد بلغ عرض النقود الواسع 111.6 مليار دينار في 2018، وانخفض إلى 108.9 مليارًا في 2019، ثم ارتفع إلى 126.3 مليارًا في 2020، قبل أن يتراجع إلى 100.7 مليار في 2021، ويرتفع إلى 112.7 مليارًا في 2022، ثم يقفز إلى 144.6 مليار دينار في 2023. وسجل النمو السنوي لعرض النقود الواسع 28.3% في 2023. وتستند هذه البيانات إلى أرقام مصرف ليبيا المركزي وحسابات صندوق النقد.

2021: تصحيح مهم لكنه ليس نهاية المشكلة

من الإنصاف تسجيل قرار توحيد سعر الصرف في يناير 2021 ضمن أبرز القرارات الاقتصادية في تلك المرحلة.

ففي 3 يناير 2021 دخل قرار تخفيض قيمة الدينار حيز التنفيذ، ليستقر عند 0.1555 وحدة من حقوق السحب الخاصة لكل دينار. وأشار صندوق النقد في تقييمه آنذاك إلى أن القرار أدى إلى تقارب واضح بين السعر الرسمي والسعر الموازي، مع بقاء فجوة محدودة في ذلك الوقت. كما يؤكد مصرف ليبيا المركزي أن القرار صدر في ديسمبر 2020 ودخل حيز التنفيذ في يناير 2021.

وهذا التطور يستحق تسجيله باعتباره معالجة مهمة لفجوة سعر الصرف، ولا يصح اختزال أثره في القول إن التخفيض أنتج وحده تضخمًا منفلتًا.

فبيئة الأسعار في ليبيا كانت تتأثر أصلًا بتكلفة الاستيراد وسعر الصرف الموازي، وهو ما يجعل انتقال أثر تعديل السعر الرسمي إلى الأسعار أكثر تعقيدًا من نموذج نظري مباشر.

لكن نجاح توحيد السعر في 2021 يطرح سؤالًا آخر: هل كان السعر الجديد يمثل توازنًا نقديًا قابلًا للاستمرار، أم أنه عكس نقطة توازن في ظروف مالية ونقدية محددة؟

فالقرار نجح في تقليص الفجوة في تلك اللحظة، لكن استدامة النتيجة ظلت مرتبطة بمسار الإنفاق العام والسيولة وقدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي.

2022 وبداية 2023: فرصة لإعادة بناء الانضباط

هنا يلزم أيضًا تصحيح مسألة مهمة تتعلق بالفائض المالي.

فالرقم الذي يقترب من 8 مليارات دولار لا ينبغي نسبه إلى 2023 بأكمله، بل يرتبط بالقوة المالية والخارجية التي ظهرت بصورة أوضح خلال 2022 واستمرت خلال جزء من 2023.

ووفق بيانات صندوق النقد، بلغ الفائض المالي في ليبيا نحو 49.1 مليار دينار في 2022، بما يعادل نحو 24% من الناتج المحلي، قبل أن ينخفض إلى نحو 17.4 مليار دينار في 2023، أي نحو 8% من الناتج.

وهذه الأرقام تجعل 2022 وبداية 2023 فترة مهمة عند تقييم الخيارات المتاحة أمام السلطات النقدية والمالية.

فوجود فائض مالي كبير كان يتيح مساحة للنظر في إدارة السيولة وتعزيز التنسيق بين السياسة المالية والنقدية، وبناء أدوات أكثر استدامة للتعامل مع أي ضغوط لاحقة.

ومن هنا يبرز سؤال مشروع أمام الكتاب: إلى أي مدى استُخدمت تلك المساحة لبناء إطار نقدي ومالي أكثر قدرة على امتصاص الصدمات؟

2023: اتساع التناقض بين الإنفاق والسيولة وسوق الصرف

مع نهاية 2023 أصبحت الضغوط أكثر وضوحًا.

فبحسب صندوق النقد، ارتفع عرض النقود الواسع 28.3% خلال العام، من 112.7 مليار دينار في 2022 إلى 144.6 مليار دينار في 2023. وفي الوقت نفسه، أشار الصندوق إلى أن ارتفاع الإنفاق في 2023 زاد الطلب على النقد الأجنبي وفرض ضغوطًا على سعر الصرف، بينما بدأت الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي في الاتساع منذ نوفمبر 2023.

وهذه النقطة أكثر أهمية من مجرد النظر إلى حجم الفائض المالي.

فالمشكلة لم تكن فقط في توافر الدولار من عدمه، بل في العلاقة بين حجم السيولة بالدينار، والإنفاق العام، والطلب على النقد الأجنبي، وقدرة السلطات على توفير الدولار بالسعر الرسمي.

ووفق صندوق النقد، وصلت الفجوة بين السعرين إلى نحو 50% في مارس 2024.

وهنا يصبح السؤال النقدي مباشرًا: كيف يمكن الحفاظ على سعر صرف رسمي مستقر في اقتصاد محدود التنوع الإنتاجي، يعتمد بدرجة كبيرة على النفط كمصدر للنقد الأجنبي، بينما ينمو عرض النقود بوتيرة مرتفعة؟

بداية 2024: القيود ثم رسم النقد الأجنبي

في بداية 2024 شدد مصرف ليبيا المركزي القيود على إصدار الاعتمادات وخفض حدود مشتريات الأفراد من النقد الأجنبي، بحسب صندوق النقد، وهو ما ارتبط باتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي.

وفي مارس 2024 دخل رسم مؤقت بنسبة 27% على مشتريات النقد الأجنبي حيز التطبيق.

ووصف صندوق النقد الرسم بأنه حل «ثانٍ» للحد من الطلب المفرط على النقد الأجنبي وحماية الاحتياطيات، بينما أشار إلى أن المعالجة المفضلة تتمثل في ضبط الإنفاق ضمن ميزانية موحدة وإطار واضح للموارد والأولويات.

وهنا يبرز سؤال أساسي في تقييم السياسة النقدية: إذا كان الاختلال ناتجًا عن توسع مالي ونقدي يتجاوز قدرة الاقتصاد على توفير الدولار بالسعر الرسمي، فهل يمثل تحميل طالب النقد الأجنبي رسمًا بنسبة 27% معالجة لجذر المشكلة، أم أداة لاحتواء آثارها؟

يمكن فهم الرسم باعتباره إجراءً استثنائيًا في مواجهة ضغط على سوق الصرف والاحتياطيات، لكن تقييمه يجب أن يبقى منفصلًا عن الحكم على استدامة الإطار النقدي ككل.

السجل المؤسسي: بين الإنجازات ومواطن الضعف

التقييم المتوازن لفترة الصديق الكبير لا ينبغي أن يختزل في سعر الصرف أو الاحتياطيات.

هناك عناصر إيجابية تستحق الدراسة، من بينها المحافظة على مخزون كبير من الاحتياطيات الأجنبية، واستمرار عمل منظومة المدفوعات والوصول إلى النقد الأجنبي في بيئة اتسمت بالحرب والانقسام، وتنفيذ تعديل سعر الصرف في 2021، إلى جانب خطوات في مجال الرقابة والتقارير المصرفية.

كما أن البيانات التي عرضها صندوق النقد تظهر أن صافي الأصول الأجنبية لدى الجهاز المصرفي الليبي ارتفع بصورة كبيرة بعد 2021، من نحو 359.9 مليار دينار في 2021 إلى 394.2 مليارًا في 2023، وفق بيانات مصرف ليبيا المركزي وحسابات الصندوق.

وفي المقابل، تبرز مجموعة من الأسئلة التي تستحق النقاش، من بينها طول أمد الانقسام المؤسسي، وترتيبات الحوكمة، والاعتماد على القيود الإدارية في إدارة النقد الأجنبي، وتطور أدوات إدارة السيولة، وعودة الفجوة بين السعر الرسمي والموازي.

كما أن ارتفاع عرض النقود بنسبة 28.3% في 2023 ثم ارتفاعه مرة أخرى بنسبة 12.2% في 2024، بحسب بيانات صندوق النقد، يفرض سؤالًا حول قدرة أدوات السياسة النقدية على احتواء آثار التوسع النقدي والمالي.

ولهذا لا تكفي عبارة «المصرف حافظ على الاحتياطيات» وحدها لتكوين حكم نهائي على تلك المرحلة.

السؤال الأوسع هو ما إذا كانت المنظومة النقدية أصبحت أكثر صلابة مع مرور الوقت، أم أنها عادت بصورة متكررة إلى الدورة نفسها: قيود على النقد الأجنبي، اتساع الفجوة، انتقال جزء من الطلب إلى السوق الموازية، إجراءات استثنائية، ثم تعديل جديد في أدوات الصرف.

الخلاصة: الرواية مهمة، لكن الاختبار هو الدليل

لا تنتقص هذه الملاحظات من أهمية الكتاب المرتقب.

على العكس، فإن صدور رواية مباشرة من أحد أبرز المسؤولين عن السياسة النقدية الليبية خلال تلك المرحلة يفتح فرصة مهمة لفهم القرارات التي اتخذها مصرف ليبيا المركزي، والقيود التي واجهها، والبدائل التي كانت مطروحة أمامه.

كما أن الكتاب يمكن أن يضيف إلى النقاش تفاصيل لا تظهر في البيانات المنشورة وحدها، خصوصًا بشأن آليات اتخاذ القرار والتنسيق مع الحكومات والمؤسسات المالية والجهات الدولية.

وفي المقابل، لا ينبغي تحميل مصرف ليبيا المركزي وحده مسؤولية النتائج الاقتصادية التي شهدتها البلاد.

فالصراع المسلح، والانقسام السياسي، وإغلاقات النفط، وتعدد الحكومات، وتذبذب الإنتاج النفطي، واتساع الإنفاق العام، وضعف التنسيق بين المؤسسات، كلها عوامل أثرت بصورة مباشرة في البيئة التي عملت داخلها السياسة النقدية.

لكن الاعتراف بهذه القيود لا يعني إعفاء السياسة النقدية من التقييم.

فالمصرف المركزي ليس مجرد خزنة للاحتياطيات الأجنبية.

الاحتياطيات مهمة، لكن المؤشرات التي تستحق المتابعة تشمل أيضًا القوة الشرائية للدينار، وتطور عرض النقود، والفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، وسلامة القطاع المصرفي، وإمكانية حصول المواطنين على السيولة، وقدرة السياسة النقدية على الحد من انتقال التوسع المالي إلى ضغوط على سوق الصرف.

ولهذا فإن الأسئلة التي يستحق الكتاب أن يجيب عنها لا تتعلق فقط بكيفية إدارة الأزمة، وإنما أيضًا بالقرارات التي اتخذت خلالها، وتكلفتها، والبدائل التي كانت متاحة، ومدى استثمار فترة الفائض المالي في 2022 وبداية 2023، وأسباب التسارع الكبير في عرض النقود خلال 2023، والعوامل التي أعادت الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي إلى الاتساع، وصولًا إلى فرض رسم النقد الأجنبي في 2024.

التاريخ الاقتصادي لا تكتبه رواية صانع القرار وحده، ولا رواية منتقديه وحدهم.

تكتبه القرارات، والنتائج، والبدائل، والأرقام.

اقترح تصحيحاً