حين أعلن ما يسمى “تنظيم الدولة” عن استيلائه على سرت التي تتوسط الساحل الليبي على البحر المتوسط، وشرع في تمركزه فيها املا في التمدد أكثر في الأراضي الليبية، استشعر الكثير الخطر وفكروا في لجمه، وبدأ العالم والأوروبيون على وجه التحديد يضغطون بشدة في ذلك الاتجاه، فقرروا محاربته أينما وجد! ولذلك بدأوا يعدون الخطط وينتظرون جهوزية الشريك الليبي، الذي ستجرى المعركة على ارضه، غير أن فوضى الانقسام الليبي حالت دون التسريع بالتنفيذ، ما دفع العالم متمثلا في الأمم المتحدة الى التدخل بقوة لتوحيد الفرقاء الليبيين واطلاق عملية الحوار الليبي تحت مظلة الأمم المتحدة وما نتج عن ذلك من حوارات ماراثونية تمخضت على الاتفاق السياسي الذي وقع في الصخيرات المغربية في 17/12/2015 م .
وامام تلكؤ الفرقاء الليبيين في تنفيذ اتفاق الصخيرات، نفد صبر امريكا والدول الأوروبية التي ارهقها شبح الهجرة الغير شرعية أيضا، فقررت حسم امرها وقامت بإعداد الخطة لذلك وحددت توقيت بدء المعركة بحيث لا يتجاوز الربع الأول من سنة 2016 الا ان مقتضيات تنفيذ الاتفاق السياسي الليبي التي تعثرت حالت دون ذلك مما دفعهم الى تأجيل التوقيت الى ما قبل نهاية النصف الأول لسنة 2016 املا في ان يتمكن المجلس الرئاسي من تسلم مهامه وتفعيل اليات عمله على الأرض خلال تلك المدة ، ولهذا لاحظنا تسارع وتيرة الضغط على المجلس الرئاسي أخيرا وتمكينه من دخول العاصمة وتوالي اعترافات الدول به ممثلا وحيدا لليبيين!
لقد أرسلت الإشارات الى طرفي النزاع في ليبيا الى ان العالم يتعجل بدء المعركة مع تنظيم الدولة وسربت التوقيتات التي أشرنا اليها ولهذا حاولت أطراف النزاع على الأرض استثمار ذلك ومحاولة كسب ود العالم وتعاطفه منفردا! وهو ما دفع بجيش الشرق ان يعلن فجأة عن قرب بدء معركة تحرير سرت ومواكبة ذلك بزخم اعلامي كبير بالرغم من عدم قدرته على حسم معركة بنغازي بعد! وحاول جيش الشرق استقطاب ما يسمى حرس المنشآت للمنطقة الوسطى بقيادة “الجضران” الذي رفض الاندماج تحت جيش الشرق الامر الذي قد يعرقل تقدمهم نحو سرت عبر الساحل!
وفي تلك الاثناء حدث ان باغت تنظيم الدولة الجميع حين قام بهجوم تمددي على مناطق بوقرين والسدادة وابونجيم ، محاولا تمركزه فيها متقدما نحو الغرب ، وعندئذ وجد جيش الغرب نفسه وجها لوجه مع مقاتلي تنظيم الدولة ، حينها وجدت أمريكا والدول الأوروبية مبررا لانطلاق عملياتهم المؤجلة فكان طبيعيا حث واستعجال المجلس الرئاسي على تشكيل غرفة عمليات خاصة بمحاربة التنظيم محددة جغرافيا في المنطقة بين سرت ومصراتة ، الأمر الذي دفع الى اعلان المواجهة وانطلاق ما يسمى بعملية “البنيان المرصوص” وتقدمت القوات التي اغلبها من مصراتة لتصطدم مباشرة بقوات التنظيم واستطاعت دحرهم الى ما بعد تلك المواقع التي قاموا بالتمركز فيها بعد معارك عنيفة كلفت الطرفين الكثير من الضحايا ، وتستمر الآن المعارك بين الطرفين على مشارف سرت في انتظار ما تأتي به قادم الأيام من مستجدات على الأرض!
تزامنا مع ذلك نجح المجلس الرئاسي في استقطاب الجضران، والذي يبدو انه قد وافق على ذلك تحت شرط بقاء قواته، تسيطر على ما هي عليه حاليا في الهلال النفطي! وقد قامت قوات الجضران بعملية هجوم مباغت من الشرق، على ما يسمى بتنظيم الدولة واستطاعت استعادة منطقتي بن جواد والنوفلية، امام تقهقر كبير لمقاتلي تنظيم الدولة الذين يبدوا انهم قد عادوا للتمركز في سرت كما فعل سابقيهم المطرودين من ابوقرين والوشكة وابونجيم في الغرب ، لقد توقف جيش الشرق عند اجدابيا وما يقع جنوبها في مرادة، ويبدو انه قد وجد الفرصة المناسبة التي كفته مواجهة قوات الجضران من جهة وعدم استعداده الكافي من جهة أخرى ، وهذا بالتالي ما وجده مبررا لتأجيل زحفه الموعود نحو سرت!! .
لقد كنا نتوقع ان توحّد سرت الليبيين ، فيتناسوا خلافهم ليخوضوا مجتمعين معركة القرضابية الثانية ، وخاصة بعد ما صرنا نسمع ونشاهد الكثير من التصريحات التي تأتي تارة من الشرق وتارة من الغرب استعدادا لمعركة سرت الوطنية، كم سرّنا ذلك واشعرنا بأن روح المسئولية الوطنية قد تشكلت من جديد ، وانه قد آن الأوان لليبيين جميعا ان يهبَوا ويحرروا سرت المنكوبة ! لكن وللأسف فوجئنا ونحن في قمة الانتظار لتلك المعركة بتسارع وتيرة التسابق على استخدام ورقة تحرير سرت ومحاربة تنظيم الدولة التي جيرت سياسيا! ونخشى ان يكون ذلك لكسب ود العالم لا خوفا وحرصا على سرت ليبيا!
بالنظر الى تعقيدات الشأن الليبي السياسية واستمرار الاختلاف بين السلطات في الشرق والغرب وعدم منح الثقة لحكومة الوفاق المرتقبة من مجلس النواب ، فأن معركة سرت ستكون مصيرية بالنسبة لليبيين ، فهي اما ان توحدهم وينتصروا متضامنين على عدو واحد مشترك ، وبالتالي ستكون الأرضية مهيأة تماما لاستقرار الأوضاع وبداية تشكل الدولة ومؤسساتها من جديد في ظل اجماع ليبي وطني شامل ، اذا ما تفهم الفرقاء خطورة الوضع ويسارعوا للاندماج جميعا والانخراط في معركة “قرضابية 2” ويتجاوزون خلافاتهم تحت تأثير الحس الوطني والشعور بالمسئولية ويكون ذلك بالطبع من خلال توحد القيادة العسكرية في ليبيا وإعادة هيبتها وحضورها على مسرح الاحداث.
واما ان يتفرق الليبيون وتنقسم ليبيا نتيجة انتصار طرف دون الآخر على تنظيم الدولة في سرت ، وهو جيش الغرب الذي بادر ويخوض الآن المعركة متفردا، اذا ما توفر له دعم دولي قوي لوجستيا وعسكريا، وعندئذ قد يجد جيش الغرب نفسه في مواجهة أخرى كبيرة مع جيش الشرق!، اذ ستكون مهمة تأمين الحقول والموانيء النفطية حتمية لمقتضيات استراتيجية واقتصادية وتحالف الجضران معهم! والنتيجة بالتالي معارك ضارية تتصنف جهويا بين الشرق والغرب، لن تنتهي الا بالرضوخ لحالة التقسيم الى دولتين واحدة في الغرب والاخرى في الشرق وهو ما نخشاه فعلا!!
تبقى احتمالية تخلي أمريكا والدول الأوروبية عن جيش الغرب قائمة لأية اعتبارات سياسية طارئة! وهو ما يعني احتمالية إطالة امد المعركة في سرت ، وقد تتغير عندئذ الموازين وتفتح أبواب احتمالات أخرى معقدة القاسم المشترك المؤكد فيها هو استمرار معاناة الليبيين وتدهور الأوضاع اقتصاديا وامنيا، وامام كل هذه التحديات والاحتمالات لا أرى أفضل من توحد الليبيين وتركيز الجهد القتالي مجتمعا تحت قيادة واحدة مهما كانت الظروف.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.





اترك تعليقاً