تشهد سوريا مرحلةً حاسمة من التحركات الدبلوماسية والأمنية، تجمع بين المفاوضات مع إسرائيل، الاتصالات الخليجية، التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، وتعزيز التعاون الاقتصادي مع فرنسا ومصر.
واعتبر المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم باراك، أن الاتصالات الجارية بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين تمثل “تحولًا نوعيًا حقيقيًا”، مشددًا على أن الهدف هو تأسيس علاقة قائمة على الوضوح والشراكة، تتجاوز تعقيدات الماضي وتتجه نحو تعاون مستقبلي.
وأوضح باراك في حديث لقناة i24NEWS الإسرائيلية، أن المباحثات بين الجانبين تشهد تقدمًا ملموسًا ضمن سلسلة لقاءات رفيعة المستوى برعاية أمريكية، ما يعكس جدية الطرفين في فتح مسار جديد للعلاقات.
وأشار المبعوث الأمريكي إلى أن اللقاءات أسفرت عن التوافق على إنشاء إطار مشترك لتبادل المعلومات الاستخبارية، يُفترض أن يشكّل أداة لمعالجة الخلافات، ويتيح تواصلًا دائمًا يسهم في خفض منسوب التوتر العسكري على الحدود.
ولفت إلى أن المباحثات شملت ملفات مدنية للمرة الأولى، تتعلق بالصحة والزراعة والطاقة، مع التركيز على التنمية الاقتصادية وفرص الاستثمار، ما يشكّل أساسًا لتعاون طويل الأمد.
كما نقل باراك عن الحكومة السورية الجديدة تأكيدها عدم وجود أي نية عدائية تجاه إسرائيل، والسعي إلى إقامة علاقة قائمة على الاحترام المتبادل والتعايش السلمي.
وأفاد مصدر إعلامي أمريكي بأن الجولة الخامسة من المفاوضات بين إسرائيل وسوريا في باريس اختتمت اليوم الثلاثاء، واصفًا إياها بالإيجابية.
ونقل موقع “أكسيوس” عن مسؤول إسرائيلي أن إسرائيل وسوريا اتفقتا على تسريع وتيرة المفاوضات، واللقاء بشكل متكرر، واتخاذ خطوات لبناء الثقة.
كما أعرب الوفدان عن رغبتهما في التوصل لاتفاق أمني يتماشى مع ما وصفه المسؤول بـ “رؤية ترامب للشرق الأوسط”.
فيما قال مسؤول سوري إن أي محادثات استراتيجية مع إسرائيل لا يمكن أن تتقدم دون جدول زمني واضح وملزم لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية.
وجاء ذلك بعد جولة محادثات بوساطة أمريكية في باريس يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين، انتهت بالاتفاق على “تجميد فوري لكافة الأنشطة العسكرية الإسرائيلية” ضد سوريا.
وكانت كشفت مصادر إسرائيلية أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو غير متحمس للمفاوضات مع سوريا التي تُعقد في العاصمة الفرنسية باريس، وسط تمسك دمشق بمطالبها المتعلقة بـ انسحاب القوات الإسرائيلية من كافة المناطق المحتلة بعد 8 ديسمبر 2024، وإزالة المواقع العسكرية والتسعة الحواجز في الجنوب السوري.
ووفق صحيفة يديعوت أحرونوت، فإن نتنياهو رفض هذه المطالب التي تعتبرها الإدارة الأمريكية “منطقية”، رغم الضغوط التي مارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الطرفين للوصول إلى اتفاق يُعزز الاستقرار الأمني على الحدود السورية الإسرائيلية ويمهّد لمستقبل تطبيع العلاقات بين البلدين.
ويتألف الوفد الإسرائيلي الذي التقى نظيره السوري أمس من سفير إسرائيل في واشنطن يحيئيل ليتر، السكرتير العسكري لنتنياهو رومان غوفمان، والقائم بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي غيل رايخ، بينما ترأس الوفد السوري وزير الخارجية أسعد الشيباني وشارك فيه رئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة.
اتصالات خليجية لتعزيز العلاقات الثنائية
في سياق متصل، أجرى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اتصالًا هاتفيًا مع الرئيس السوري أحمد الشرع، حيث ناقش الطرفان فرص تطوير التعاون الثنائي في مختلف المجالات، واستعرضا تطورات الأوضاع في المنطقة وعدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، وفق وكالة الأنباء السعودية “واس”.
توتّر أمني مستمر في القنيطرة
في الوقت ذاته، نفذت قوات إسرائيلية توغلات جديدة في ريف القنيطرة الجنوبي جنوب غربي سوريا، حيث أقامت الحواجز وفتشت منازل الأهالي، بحسب وكالة “سانا”.
وتضمّنت العملية توغّل 3 آليات عسكرية بينها سيارتان من نوع هايلكس وواحدة همر، بالإضافة إلى قوة أخرى مؤلفة من 12 آلية عسكرية توغلت عبر معابر متعددة في الريف الجنوبي، وأقامت حواجز مؤقتة قبل الانسحاب.
وكانت هذه التوغلات جزءًا من استمرار انتهاك اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وتشمل المداهمات والاعتقالات التعسفية، وتجريف الأراضي الزراعية، وتدمير الممتلكات، وهو ما تؤكد سوريا أن جميع الإجراءات التي تتخذها إسرائيل في الجنوب السوري باطلة ولا ترتّب أي أثر قانوني وفق القانون الدولي.
الدعم الفرنسي لمسيرة النهوض السوري
في باريس، جدد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو التزام بلاده بدعم سوريا في مسيرة النهوض، إعادة الإعمار، والتعافي الاقتصادي، وتعزيز التعاون المشترك في كافة المجالات، خلال لقائه مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني.
وجاء هذا اللقاء ضمن الجولة السادسة من المفاوضات السورية الإسرائيلية بقيادة الولايات المتحدة، وتركزت المباحثات على إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما قبل خطوط 8 ديسمبر 2024، وضمان السيادة السورية الكاملة ومنع أي تدخل في الشؤون الداخلية.
مذكرة تفاهم مصرية سورية لتوريد الغاز والبترول
على صعيد التعاون الاقتصادي، وقعت مصر وسوريا مذكرتي تفاهم لتوريد الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية بهدف تلبية الاحتياجات السورية للطاقة، خصوصًا لتوليد الكهرباء، ودعم جهود إعادة تأهيل البنية التحتية.
ووقع مذكرة التفاهم وزير البترول المصري كريم بدوي مع وفد سوري برئاسة غياث دياب نائب وزير الطاقة السوري لشؤون النفط، وتشمل المذكرة الأولى توريد الغاز عبر البنية التحتية المصرية ووحدات إعادة التغويز العائمة، فيما تهدف المذكرة الثانية إلى توفير المنتجات البترولية المختلفة مع دعم فني لإعادة تأهيل قطاع الطاقة السوري.
وتأتي هذه الخطوة ضمن دبلوماسية الطاقة المصرية لتعزيز الاستقرار الإقليمي، ودعم الدول العربية الشقيقة، وتنويع مصادر التصدير والاستيراد بعيدًا عن الاعتماد على مصدر واحد، خصوصًا في ظل التقلبات العالمية بأسعار الغاز والتوترات الجيوسياسية.






اترك تعليقاً