من القصف إلى العقوبات.. ضغط أمريكي وإسرائيلي على «حزب الله» في لبنان

أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، مقتل لبنانيين اثنين في منطقة دوحة كفررمان جنوب لبنان، بعدما عُثر على جثمانيهما عقب فقدان الاتصال بهما، فيما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأنهما استُهدفا من جانب القوات الإسرائيلية.

وقالت وزارة الصحة، وفق ما نقلته الوكالة الوطنية للإعلام، إن مركز عمليات طوارئ الصحة في بيروت أعلن «العثور على جثماني شابين شهيدين في دوحة كفررمان بعدما فقدا إثر عبورهما في المنطقة، وتبين أنهما استهدفا من قبل العدو الإسرائيلي ما أدى إلى استشهادهما».

وأفادت الوكالة بأن مقتل اللبنانيين يأتي بالتزامن مع استمرار القوات الإسرائيلية في تنفيذ عمليات تفجير وتدمير وإحراق لمنازل وممتلكات في عدد من بلدات جنوب لبنان.

وكان جنوب لبنان شهد، فجر السبت، تصعيدًا ميدانيًا شمل غارات جوية وقصفًا مدفعيًا وعمليات تفجير واسعة، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام.

وطال القصف المدفعي أطراف دوحة كفررمان ومحيط تلة الدبشة وحرج علي الطاهر في قضاء النبطية، فيما نفذ الطيران الحربي الإسرائيلي غارتين، قرابة الساعة 06:45 بالتوقيت المحلي، على مرتفع علي الطاهر عند الأطراف الشمالية لبلدة النبطية الفوقا.

كما تعرضت بلدة المنصوري ومحيط بيوت السياد وأطراف مجدل زون لقصف مدفعي وعمليات تفجير واسعة، فيما قالت الوكالة الوطنية للإعلام إن عمليات التفجير والقصف في بيوت السياد أدت إلى تدمير البلدة، مشيرةً إلى أنه «لم يبقَ فيها منزل واحد من دون تدمير».

وفي قضاء بنت جبيل، شملت عمليات التفجير بلدات حداثا وبيت ياحون وعيتا الجبل، بالتزامن مع عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة في الأودية المحيطة، إلى جانب تحليق متواصل للطيران المسير الإسرائيلي فوق قرى وبلدات القطاعين الغربي والأوسط في جنوب لبنان.

ولم تورد الوكالة اللبنانية، في حينه، معلومات عن ضحايا أو إصابات جراء الغارات والقصف وعمليات التفجير، قبل الإعلان لاحقًا عن العثور على جثماني الشابين في دوحة كفررمان.

كما شن الطيران الحربي الإسرائيلي مساء الجمعة غارات على مناطق في جنوب لبنان، بينها تلة علي الطاهر وحي الدير في النبطية الفوقا ومنطقة الدبشة.

ويأتي التصعيد الميداني رغم اتفاق الإطار الذي وقعه لبنان وإسرائيل في واشنطن في 26 يونيو، برعاية أمريكية، وينص، وفق المعطيات الواردة، على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية، مقابل انتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح الجماعات المسلحة، في إشارة إلى حزب الله.

وبحسب أرقام رسمية لبنانية أوردها المصدر، أسفر العدوان الإسرائيلي على لبنان، الذي بدأ في 2 مارس، عن مقتل أكثر من 4 آلاف شخص وإصابة نحو 12 ألفًا.

وتقول المعطيات الواردة إن إسرائيل تواصل السيطرة على مناطق في جنوب لبنان، بينها مناطق تعود السيطرة عليها إلى فترات سابقة وأخرى دخلتها خلال العدوان بين عامي 2023 و2024، فيما توسع التوغل خلال العدوان الراهن إلى مناطق يتجاوز عمقها 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

واشنطن تشدد الضغط المالي على حزب الله

بالتزامن مع التصعيد الميداني، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات جديدة على شبكة مالية قالت إنها مسؤولة عن نقل مبالغ نقدية ضخمة إلى حزب الله.

وأعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية إدراج 10 أشخاص على قوائم العقوبات، قائلًا إنهم يشكلون شبكة تنقل ملايين الدولارات عبر رحلات جوية تجارية، وتوفر آلية لتحويل مبالغ تصل إلى مئات ملايين الدولارات بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران.

وبحسب الخزانة الأمريكية، تتيح الشبكة لحزب الله الحصول على العملات الأجنبية خارج النظام المالي الرسمي والالتفاف على العقوبات المفروضة عليه.

وربطت الوزارة الشبكة بمسؤول التمويل السابق في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، بهنام شهرياري، وقالت إنها إحدى الآليات المستخدمة لتحويل الدعم الإيراني إلى جماعات مسلحة مرتبطة بطهران في المنطقة.

كما تقول واشنطن إن حزب الله يستخدم وسائل متعددة لتمويل أنشطته ونقل الأموال، من بينها تهريب النفط وبيع السلع ونقل كميات كبيرة من الأموال النقدية عبر المنطقة.

العقوبات تضع المؤسسات اللبنانية أمام ضغوط إضافية

ولا تقتصر تداعيات العقوبات الأمريكية على الأفراد والجهات المدرجة مباشرة، إذ تضع المصارف والمؤسسات المالية والأجهزة الرقابية اللبنانية أمام ضغوط إضافية لتشديد التدقيق في حركة الأموال والتحويلات المرتبطة بحزب الله أو بمؤسساته وشبكاته.

وقال مصدر رسمي لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن العقوبات الجديدة «تفرض تحديات على الدولة اللبنانية بمؤسساتها الأمنية والقضائية والمالية»، مشددًا على أن «الإجراءات الأمريكية القاسية تستدعي تشديد الرقابة على أي أصول تتصل بحزب الله ومؤسساته؛ لأن أي تباطؤ في ذلك يحمّل الدولة تبعات هي في غنى عنها».

وفي قراءة لتداعيات القرار، قال مدير مركز المشرق للدراسات الاستراتيجية سامي نادر إن العقوبات الجديدة تختلف عن الإجراءات السابقة، معتبرًا أن واشنطن «تتعامل مع حزب الله وفق تصنيف جديد يضعه خارج الإطار اللبناني التقليدي، ويقدمه بوصفه فصيلًا إيرانيًا وجزءًا من المواجهة الأمريكية الأوسع مع إيران».

وأضاف نادر أن هذا التصنيف «ستكون له تداعيات على الداخل اللبناني، وعلى السلطات والمؤسسات الرسمية، خصوصًا في ضوء العلاقة السياسية وحتى المالية التي تربط الحزب ببعض المكونات اللبنانية».

ويرى نادر أن الحزب، وفق المقاربة الأمريكية الجديدة، «لم يعد يُنظر إليه كممثل للطائفة الشيعية، بل كفصيل إيراني يحتل لبنان».

كما حذر من أن أي جهة تتعامل مع حزب الله «قد يُنظر إليها أمريكيًا باعتبارها متورطة في التعامل مع الحرس الثوري الإيراني»، بما يفتح الباب أمام تداعيات سياسية وقانونية تتجاوز العقوبات المالية المباشرة.

العقوبات تدخل على خط المسار اللبناني الإسرائيلي

ويرى نادر أن تأثير التصنيف الأمريكي يتجاوز الجانب المالي إلى المسار السياسي والدبلوماسي، خصوصًا المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية.

وقال إن تشديد العقوبات «قد يمنح واشنطن هامشًا أوسع في إدارة المفاوضات مع إسرائيل، بحيث تستخدم الضغط على الحزب بالتوازي مع الضغط على إسرائيل للانسحاب من لبنان، مع إبقاء ملف إنهاء نفوذ الحزب ضمن المواجهة الأمريكية الأوسع مع إيران».

كما يترقب لبنان موقف العواصم الأوروبية من النهج الأمريكي الجديد، خصوصًا في ظل ما وصفه نادر بـ«التشدد الفرنسي والبريطاني مؤخرًا تجاه إيران».

وأضاف: «إذا انتقلت المقاربة الأمريكية إلى أوروبا، فقد يجد لبنان نفسه أمام مرحلة أكثر تعقيدًا، يصبح فيها الالتزام بالعقوبات الدولية ليس خيارًا سياسيًا فحسب، بل اختبارًا إضافيًا لقدرة الدولة على حماية نظامها المالي ومؤسساتها من تداعيات صراع إقليمي ودولي يتجاوز حدودها».

حزب الله يرفض التصنيف الأمريكي

في المقابل، رفض حزب الله ما ورد في بيانات وزارة الخزانة ووزارة الخارجية الأمريكية بشأن خضوعه لسيطرة فيلق القدس، معتبرًا أن هذا الطرح يمثل مبررًا لإعادة إدراجه على قوائم العقوبات.

وقال الحزب في بيان إن القرار «سياسي يندرج تحت السياسات الأمريكية لضرب المقاومة، وحماية أمن إسرائيل وترسيخ احتلاله لجنوب لبنان، وفتح الطريق أمامه لتنفيذ مشاريعه وأطماعه التوسعية في المنطقة».

واتهم الحزب واشنطن بأنها «ما زالت تتعامل مع لبنان من موقع الوصاية»، وقال إن الإدارة الأمريكية، بدل الضغط على إسرائيل للانسحاب من جنوب لبنان ووقف اعتداءاتها، «تذهب إلى حصار اللبنانيين، وتعمل على تجريد لبنان من كل مرتكزات القوة».

وفي ما يتعلق بعلاقته بإيران، قال الحزب: «علاقتنا الوثيقة والأخوية بالجمهورية الإسلامية الإيرانية هي علاقة نعتز ونفتخر بها»، مضيفًا أنه «لا ينتظر شهادةً على لبنانيته ووطنيته من أحد».

وقال الحزب إن «تضحيات آلاف الشهداء، والتاريخ الطويل من المقاومة، هي الشهادة الحقيقية على لبنانيته».

كما اتهم الإدارة الأمريكية بأنها لا تملك «أي أهلية أخلاقية أو قانونية لتصنيف الآخرين ولتوزيع شهادات الوطنية عليهم»، مستشهدًا بما وصفه بـ«سجلها الدموي الإجرامي من فيتنام إلى أفغانستان والعراق، ودعمها اللامتناهي للإبادة الجماعية في غزة».

وخلص الحزب إلى أن «كل تلك العقوبات والتصنيفات الظالمة لن تثنينا عن التمسك بخيار المقاومة وبحق لبنان واللبنانيين في الدفاع عن أرضهم وسيادتهم وثرواتهم».

اقترح تصحيحاً