موجة هروب من الدولار تشعل الذهب والبتكوين.. ماذا يحدث في الأسواق؟

سجل الذهب والبتكوين ارتفاعات قوية خلال الأسبوع، مع انتقال اهتمام المستثمرين نحو الأصول البديلة في أعقاب تحركات حادة داخل سوق السندات الأميركية وتراجع الدولار، فيما تلقى البتكوين دفعة إضافية من النشاط المكثف في واشنطن بشأن تنظيم العملات المشفرة.

وصعد الذهب إلى 4661 دولارًا يوم الجمعة، وفق وكالة «أسوشييتد برس»، بعدما سجل مستوى قياسيًا تجاوز 5300 دولار في يناير، قبل أن يتراجع إلى نحو 4 آلاف دولار في يونيو مع ارتفاع أسعار الفائدة، الذي جعل الاستثمارات المدرة للعوائد أكثر جاذبية.

وجاءت مكاسب الذهب بصورة لافتة يوم الأربعاء، عندما ارتفع بأكثر من 2 في المائة، بالتزامن مع إعلان وزارة الخزانة الأميركية خطة لزيادة عمليات إعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل، أو الديون الحكومية، بما لا يقل عن الضعف مقارنة بالمشتريات المخطط لها.

واستهدف تحرك الخزانة تهدئة سوق السندات بعد موجة بيع استمرت فترة، دفعت المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى مقابل إقراض الأموال للحكومة الأميركية، وسط نظرة أكثر تشككًا في المخاطر المرتبطة بالدين الحكومي.

ورغم نجاح التدخل في تهدئة الأسواق، ولو لفترة قصيرة، أثار التحرك تساؤلات حول ما إذا كانت الحكومة الأميركية تسعى إلى خفض تكاليف الاقتراض في وقت لا تزال فيه الضغوط التضخمية مرتفعة.

ويحاول وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت خفض تكاليف الاقتراض طويلة الأجل، وهي خطوة يمكن أن تزيد الضغوط التضخمية، كما يمكن لتحركه أن يقيّد قدرة مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» على مكافحة التضخم من خلال رفع أسعار الفائدة.

وتزامنت تحركات الخزانة مع وصول الدين الوطني الأميركي إلى مستوى قياسي بلغ 40 تريليون دولار للمرة الأولى، في اليوم نفسه الذي شهد تحرك الوزارة في سوق السندات.

وجاء تجاوز الدين مستوى 40 تريليون دولار بعد خمسة أشهر فقط من تخطيه 39 تريليون دولار في مارس، وبعد خمسة أشهر من تجاوز حاجز 38 تريليون دولار في اكتوبر.

وتتزايد المخاوف المتعلقة بالتضخم، خصوصًا مع الصراع في إيران وارتفاع أسعار الطاقة، بينما يمكن أن تنعكس المخاطر المرتبطة بالدين الأميركي على قيمة العملة عندما لا تعكس عوائد السندات المخاطر الحقيقية بصورة كاملة.

وهبط الدولار بصورة حادة يوم الأربعاء، فيما اتجهت الأموال التي كانت مستثمرة في العملة الأميركية وسندات الخزانة نحو أصول بديلة، وفي مقدمتها الذهب.

ويأتي هذا التحول ضمن ما يعرف بـ«تجارة تآكل قيمة العملة»، حيث يتجه المستثمرون إلى أصول مثل الذهب في مواجهة المخاوف المرتبطة بقيمة العملة الأميركية. وأصبح البتكوين جزءًا من هذه التجارة أيضًا، فيما ارتفع بأكثر من 20 في المائة خلال الأسبوع، وفق ما أورده التقرير.

وعلى الجانب الآخر، استفاد البتكوين من موجة صعود قوية دفعته فوق 77 ألف دولار يوم الجمعة، بعدما تراجع من مستوى قياسي بلغ نحو 95 ألف دولار في يناير إلى أقل من 60 ألف دولار في نهاية يونيو، وسط إحجام المستثمرين عن الأصول عالية المخاطر في وقت سابق من العام.

وكانت المخاوف بين مؤيدي العملات المشفرة بشأن بطء التحرك في ملف التشريعات المقترحة لتنظيم القطاع من العوامل التي ضغطت على البتكوين خلال تلك الفترة.

وظل سعر البتكوين عالقًا لأسابيع بين 62 ألف دولار و67 ألف دولار، قبل أن يخترق مستوى 67 ألف دولار في اليوم الذي أعلنت فيه وزارة الخزانة عمليات إعادة شراء السندات.

وتراجعت عوائد سندات الخزانة في الوقت نفسه مع انخفاض الدولار، ما عزز جاذبية البتكوين مقارنة بالعوائد المنتظرة من السندات الأميركية والدولار.

وأدى التحرك السريع في الأسعار إلى تعرض مستثمرين راهنوا على انخفاض البتكوين أو بقائه عند مستويات منخفضة لضغوط دفعتهم إلى إغلاق مراكزهم المدينة.

ويتطلب إغلاق هذه المراكز شراء البتكوين مجددًا، ما أضاف ضغوطًا صعودية جديدة على سعر العملة، وعزز ما يعرف بـ«ضغط الشراء» داخل السوق.

وبحلول الجمعة، جرت تصفية مراكز مدينة في سوق العملات المشفرة بقيمة تجاوزت 4 مليارات دولار خلال موجة الصعود، وفق شركة «كوين غلاس» التي تتتبع أسواق المشتقات المرتبطة بالعملات المشفرة.

ومع استمرار البتكوين في الصعود، أضافت عمليات الشراء القسرية مزيدًا من الزخم إلى الارتفاع، في وقت يمكن أن يؤدي استمرار الأسعار في الصعود إلى تصفية المزيد من المراكز المدينة.

وجاءت التحركات في سوقي الذهب والبتكوين بالتزامن مع نشاط سياسي وتنظيمي مكثف في واشنطن بشأن العملات المشفرة.

فقد عقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤتمرًا للعملات المشفرة في البيت الأبيض يوم الأربعاء، ودعا خلاله الكونغرس إلى الإسراع في إقرار تشريعات لتنظيم القطاع، من بينها «قانون الوضوح» (Clarity Act) الداعم للعملات المشفرة.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن القانون سيجعل الولايات المتحدة «متقدمة على الصين، ومتقدمة على الجميع».

ويمثل هذا التوجه جزءًا من سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الداعمة لقطاع العملات المشفرة منذ توليه منصبه، بعدما ألغت إدارته نهجًا تنظيميًا أكثر تشددًا تبنته إدارة الرئيس السابق جو بايدن.

وأفسح الرئيس الأميركي دونالد ترامب المجال خلال المؤتمر أمام رئيس لجنة تداول العقود الآجلة للسلع، مايك سيليغ، الذي تعهد باستخدام «كل الأدوات المتاحة» لدفع أجندة ترامب.

وجاءت تصريحات رئيس لجنة تداول العقود الآجلة للسلع مايك سيليغ قبل اجتماع للجنة يوم الخميس، بحث سبل استخدام الهيئة لصلاحياتها الحالية لتخفيف القيود المفروضة على العملات المشفرة.

وقبل ذلك بيوم، اقترحت جهات تنظيمية عدة قواعد من شأنها تسهيل حصول شركات ومشروعات العملات المشفرة على التمويل من الجمهور، في خطوة أضافت إلى الزخم التنظيمي الذي شهده القطاع في واشنطن خلال الأسبوع.

ويعكس تزامن هذه التطورات صورة أوسع لتحركات الأسواق، إذ واجه الدولار ضغوطًا في الوقت الذي اتجه فيه المستثمرون نحو الذهب والبتكوين، بينما أسهمت تحركات الخزانة الأميركية في سوق السندات في تغيير العوائد المتوقعة من أدوات الدين الحكومية، ودفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم بين الأصول المختلفة.

اقترح تصحيحاً