هل نؤسس لاقتصاد الظل المالي دون أن نشعر؟

هل نؤسس لاقتصاد الظل المالي دون أن نشعر؟

د. مجدي الشبعاني‎

أستاذ القانون العام المساعد بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا

ليست المخاطر الكبرى في السياسات النقدية تلك التي تُعلن صراحة، بل تلك التي تتشكل تدريجيًا في المناطق الرمادية، حيث تتداخل الأدوار وتغيب الحدود الفاصلة بين الوساطة المشروعة والتأثير النقدي واسع النطاق.

فحين يُعاد تشكيل سوق الصرف عبر قنوات لا تخضع لذات المعايير الاحترازية المفروضة على المصارف، فإن السؤال لا يعود تقنيًا بحتًا، بل يتحول إلى مسألة استقرار اقتصادي:

هل نحن بصدد تطوير أدوات السوق، أم بصدد إنشاء مراكز قوة مالية تتحرك خارج مجال الرؤية التنظيمية؟

إن التجارب الاقتصادية تُظهر أن أخطر التحولات لا تبدأ بانهيارات مفاجئة، بل بتراكم ممارسات تبدو في ظاهرها حلولًا سريعة، لكنها تعيد — من حيث لا يُقصد — توزيع النفوذ المالي بعيدًا عن الإطار المؤسسي. وعندما تصبح بعض الكيانات قادرة على تجميع السيولة، والتأثير في السعر، والاستفادة من الفجوات التنظيمية، فإننا نقترب من نموذج “الظل المالي” الذي لطالما ارتبط بارتفاع المخاطر النظامية وصعوبة التدخل في الوقت المناسب.

القضية هنا ليست رفضًا للتحديث ولا معارضةً لتوسيع القنوات المالية؛ فالسوق المنظم يحتاج إلى التنوع. لكن التنوع الذي لا تحكمه قواعد صارمة قد يتحول إلى ازدواجية تُربك السياسة النقدية بدل أن تدعمها.

والأخطر من ذلك أن انتقال السيولة إلى فضاءات أقل انضباطًا يضعف قدرة السلطة النقدية على قراءة الاتجاهات الحقيقية للسوق، فتتراجع فاعلية أدواتها، ويصبح التدخل — مهما كان مدروسًا — أقل أثرًا مما ينبغي.

لهذا، فإن اللحظة الراهنة تستدعي طرح سؤال أكثر صراحة:

هل نتحرك نحو سوق أكثر كفاءة، أم نحو بنية مالية موازية تنمو بهدوء خارج نطاق الضبط؟

إن الاستقرار النقدي لا يتحقق بكثرة الفاعلين، بل بانسجام أدوارهم ضمن هندسة رقابية واضحة. وكل إصلاح لا يضع حدودًا دقيقة بين الوظائف، إنما يفتح الباب — ولو تدريجيًا — أمام تحولات قد يصعب احتواؤها لاحقًا.

فالاقتصادات لا تُختبر حين تكون القواعد واضحة، بل حين يُسمح للغموض أن يتحول إلى ممارسة. وعندها فقط نكتشف أن تكلفة الوقاية كانت دائمًا أقل من تكلفة المعالجة.

لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس التراجع عن الإصلاح، بل تعميقه عبر رقابة أكثر صرامة، وشفافية أعلى، وتحديدٍ لا لبس فيه لمسؤوليات كل فاعل في السوق. لأن بناء الثقة في السياسة النقدية يبدأ دائمًا من وضوح حدودها.

ويبقى السؤال الأهم:

هل نرسم ملامح سوقٍ منضبط يقوده التنظيم، أم نترك — بصمت — ملامح اقتصاد ظلٍّ مالي تتشكّل ملامحه تدريجيًا خارج أعين المنظِّم؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تُترك للزمن ولا لميزان التجربة وحده، بل تُحسم بالاختيار الواعي: اختيار الوضوح بدل الغموض، والضبط بدل التساهل، والوقاية بدل المعالجة المتأخرة. فكل تأخير في ترسيم الحدود بين الأدوار، وكل تهاون في الرقابة، يفتح المجال لتحولات صامتة قد لا تُرى آثارها فورًا، لكنها تظهر لاحقًا في شكل اختلالات أعمق وأعقد.

إن بناء سوق صرف منضبط لا يتحقق بكثرة القرارات، بل بتكاملها، ولا بتعدد الفاعلين، بل بانضباطهم داخل إطار مؤسسي واضح. وحين تكون القواعد محددة، والوظائف معروفة، والمسؤوليات موزعة بدقة، يصبح الإصلاح أداة استقرار لا مدخل اضطراب.

فالسؤال المطروح اليوم ليس سؤالًا نظريًا، بل خيارًا عمليًا:

إما سياسة نقدية شفافة تُدار بعقل الدولة،

وإما مسار رمادي يتسع بصمت… حتى يفاجئ الجميع بتكلفته.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

د. مجدي الشبعاني‎

أستاذ القانون العام المساعد بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا

اترك تعليقاً