أسفر تجدد القتال في جنوب السودان عن مئات القتلى ونزوح أكثر من 180 ألف شخص، وسط تحذيرات من انهيار جديد لاتفاق السلام الهش وتصاعد كارثي للأوضاع الإنسانية، بحسب وكالة فرانس برس.
وتركزت أعمال العنف الأخيرة في ولاية جونقلي شمال العاصمة جوبا، حيث تحدث شهود عيان عن قتال عنيف وهجمات جوية عشوائية، شملت استخدام براميل متفجرة، ما دفع آلاف المدنيين إلى النزوح نحو مناطق المستنقعات هربًا من القصف.
وقال دانيال دينغ (35 عامًا)، أحد النازحين من مقاطعة دوك، لوكالة فرانس برس: “أنا عالق، وإذا ساءت الأمور فإن المكان الآمن الوحيد هو المستنقعات”، مشيرًا إلى مقتل عدد كبير من المقاتلين، حوالي 300 شخص، وهو رقم لم يتسن التحقق منه بشكل مستقل.
ويأتي هذا التصعيد بعد تراجع فعلي لاتفاق تقاسم السلطة بين الرئيس سلفا كير ونائبه السابق رياك مشار، الذي أوقف في مارس الماضي ويُحاكم حاليًا بتهم تتعلق بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ما أعاد البلاد إلى أجواء الصراع التي أعقبت الاستقلال.
ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإن عدد النازحين تجاوز 180 ألف شخص في أربع مقاطعات بولاية جونقلي، وسط تقارير عن نهب المنازل وإحراق المرافق الصحية وانتشار الجوع.
وأكدت مصادر من منظمات إنسانية أن القتال بدأ في منطقة بيري أواخر ديسمبر، وأن القوات الحكومية ردت بهجمات جوية وصفت بـ”العشوائية”، ما أدى إلى سقوط براميل متفجرة قرب مرافق طبية وتعليق الخدمات الصحية الأساسية لآلاف المدنيين.
وحذر مسؤولون محليون من أن أجزاء واسعة من جونقلي صُنفت “مناطق حمراء”، ما يعني انعدام الوصول الإنساني، في وقت يتواصل فيه تدفق النازحين إلى مدينة بور، عاصمة الولاية.
وفي السياق الإنساني، قالت منظمة أطباء بلا حدود إن نقص الإمدادات بلغ مستويات “كارثية”، محذرة من أن استمرار القتال قد يؤدي إلى وفاة أطفال بسبب غياب الرعاية والغذاء.
من جانبه، حذر عضو لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنوب السودان، بارني أفاكو، من أن ما يجري في جونقلي “ليس حادثًا معزولًا”، بل تصعيد خطير قد يدفع البلاد إلى دوامة عنف جديدة تهدد ما تبقى من الاستقرار.
إلى ذلك، تسعى المملكة العربية السعودية بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية إلى إحياء مسار السلام في السودان عبر مبادرة جديدة تهدف إلى وقف إطلاق النار تدريجيًا بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تمهيدًا للدخول في مفاوضات سلام نهائية.
ووفق مصادر سودانية، فقد تسلمت الحكومة السودانية المبادرة الجديدة في محاولة لإعادة تنشيط المسار السياسي المتعثر، فيما ناقش رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، عبد الفتاح البرهان، المقترح “السعودي الأمريكي” مع عدد من شركائه خلال اجتماعات مشتركة ومنفصلة، ضمن مشاورات مكثفة حول خطوات إنهاء الحرب.
ويرتكز المقترح على نهج تدريجي يبدأ بإعلان هدنة إنسانية تمتد لثلاثة أشهر، تليها مرحلة وقف الأعمال العدائية، وصولًا إلى وقف نهائي وشامل لإطلاق النار. ويشمل المقترح إدخال المساعدات الإنسانية بشكل عاجل، تليها مفاوضات بين جميع الأطراف لوضع إطار سياسي متوافق عليه، بما يحافظ على مركزية الدولة السودانية ووحدتها الوطنية.
وفي السياق نفسه، عقدت الحكومة السودانية أول اجتماع رسمي لها في الخرطوم لعام 2026، برئاسة رئيس الوزراء كامل إدريس، ليكون ذلك تدشينًا عمليًا لعودة الحكومة التنفيذية للعمل من داخل العاصمة بعد سنوات من الاضطرابات والتحديات الأمنية.
وأكد إدريس أن الاجتماع تناول الموضوعات اليومية للمواطنين والمشروعات الكبرى ضمن استراتيجية الحكومة، داعيًا المواطنين للعودة الطوعية إلى منازلهم استعدادًا لشهر رمضان، مشيرًا إلى جاهزية العاصمة من حيث الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه.
واعتبر إدريس العام الجاري “عام السلام”، مع تأكيد استمرارية جهود إعادة إعمار المرافق الخدمية في جميع الولايات وإعادة الحياة الطبيعية تدريجيًا إلى الخرطوم.
هذا واندلعت الاشتباكات في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ما أدى إلى تعطيل الحكومة وتعليق العديد من الخدمات الأساسية في الخرطوم.
وعلى مدى الأعوام الماضية، حاولت وساطات عربية وأفريقية ودولية وقف إطلاق النار، لكنها لم تنجح في تحقيق حل دائم. ويأتي هذا المسار الجديد في ظل جهود مكثفة من السعودية وأمريكا لإنهاء الحرب تدريجيًا وتحقيق الاستقرار السياسي.






اترك تعليقاً