المتأمل في حال الأمة اليوم ومنذ سنوات خلت يصيب الفرد منا بحزنٍ شديدٍ والمقصد هنا هو حال الجميع الفرد والعائلة والمجتمع ومن ثم الدولة حال عجيب يتجسد في أن كل تلك المكونات تكاد تنسلخ من دينها!؟ فالناظر للفرد أو العائلة التي تُعدّ المكون الأساسي من بين المكونات جمعا ترى الفرد أصبح على بُعدٍ جليٍّ من تعاليم الدين وأخلاقه ومنهجه في الحياة وبكل تأكيد ينعكس هذا على العائلة كلها، لقد أصبح الهم مادّيا صرفا وهذا الاهتمام بالمادة في حياتنا ليس له ارتباط بتعاليم الدين الإسلامي الذي يفترض أننا ندين به فهو فُرض علينا اختيارا اتباعه في كل خطوة من حياتنا نراعي تعاليمه في معاملاتنا اليومية داخل العائلة وخارجها، يراعيها الطالب في المدرسة أو الجامعة ويراعيها الموظف في عمله وتعاملاته مع الناس ويراعيها المدرس في طريقة تدريسه وتعامله مع التلاميذ والطلبة ويراعيها مدير الشركة أو المؤسسة التي يترأسها في قيادة المؤسسة لتحقيق الأهداف التي أُسست من أجلها ويراعيها التاجر في الميزان وعدم الغش ويراعيها الشرطي ورجل الأمن والعسكري في حفظ أمن المواطن والدولة وعدم الإخلال بهذه المهمة الكبيرة التي تتطلب اليقظة والحذر ويراعيها الوزير في تحقيق أهداف المجتمع والدولة كلٌّ في نطاق وزارته ويراعيها جهاز القضاء كسلطة عليا يفترض أنها الحارس الأعلى لمصالح الجميع أفرادا ودولة، ولكن أين نحن من هذا؟
لا أعتقد أننا بكل مكوناتنا نقترب حتى الإقتراب من واجباتنا التي حددها لنا الله جل جلاله؟! فانظر إلى حال الأسرة التي في الغالب أصبح الدين فيها شعارا لا محتوى له، لقد أفرغنا الدين من حقيقته، الدين الذي لم يُبقي لنا شيئا إلا وبيّنه لنا، فهو دينٌ كامل، منهاج حياة لا فصل فيه بين قيام الفرد بعبادته والمحافظة عليها وتأديتها بإخلاص وبروحِ أن الله يراقبنا وبين تأدية الفرد لواجباته تجاه أسرته وجيرانه والمجتمع كافة وبين سلوكنا في التعامل مع بعضنا بعضا في جميع المجالات وبين الإختيار الجيد لمن يمثلنا خير تمثيل في الدوائر السياسية والقيادية، وبين أن تلتزم المرأة داخل بيتها بالحشمة والحياء في لباسها وبين الإلتزام باللباس الشرعي خارج البيت وفي هذه أقول لنسائنا اتقوا الله في أعمالكم وفي لباسكم وفي أزواجكم وفي معاملتكم وفي تربيتكم لأولادكم فأنتم رأس المال فمن أبى فالنار موعده فالدين ليس لعبة ولا اتباع هوى بل منهاج حياة لا تفريط فيه.
وتعالوا نبين بعض المفاهيم، فيما يتعلق بكتاب الله نحن بحاجة لفهم القرآن والعمل به وليس حفظه، إن الأمة لا تريد ولا تحتاج لحفظة كتاب الله وهو دستورنا ومنبع قوتنا ولكنها تحتاج لفهم ما نحفظ والعمل به فهذا الكتاب لم ينزل لنحفظه بل نزل ليكون دستورُ حياة وعمل في كل خطوة نخطوها أو قرار نتخذه مهما كان حجم هذه الخطوات أو القرارات، فعلى المسلم عامة قيادي كان أو رب أسرة أو رجل من العامة أن يتمحور كل موضوع يناقشه ليتخذ قرارا فيه أو كل عمل يقوم به أن يدور كل ذلك حول القرآن ليكون منهجا لا يتجاوزه الكبير في منصبه أو الصغير في مهامه وبهذا تنهض الأمة.
إن الأمة التي تشتكي وتأنٌّ من التخلف وسيطرة الدول المتقدمة خاصة الغربية عليها سياسيا والتحكم في مواردها واستغلاها استغلالا بشعا والتي عملت على سلب هذه الأمة ثقافتها حتى أصبحت مسخا مشوها ضعيفا تنشد التقدم في اتباع خطوات الغرب الذي لا دين ولا قيم إجتماعية له، لن تفلح هذه الأمة أبدا ما لم تغيّر المفاهيم، فالتقدم واجتثاث الأمة من غيابات الجب التي هي فيه لن يأتي إلا بفهم القرآن وتطبيقه والتخلّق به وليس حفظه، إلى جانب دراسة حياة النبي صلى الله عليه وسلم فهو مدرسة لا نظير لها لكل الأجيال من حيث المنهج وتطبيقات هذا المنهج في كل مناحي الحياة، في ما يحتاجه المسلم من السياسة وكيفية التعامل مع الآخرين أيًّا كان مشربهم إلى كيفية التعامل داخل الأسرة وبين أفرادها إلى كيفية التعامل مع الناس مسلمين أو غيرهم إلى غيرها من الأشياء التي يحتاجها المسلم في حياته.
إن الدعة والميوعة التي نعيشها اليوم وتقليد الغرب في كل ما هو تافه وقضاء أغلب أوقاتنا في المقاهي والتسابق على أماكن الأكل والترفيه حيث أصبح ارتياد هذه الأماكن مدعاة للتفاخر؟ إن هذا لشيء عجيب فإن دل على شيء فإنما يدلُّ على سطحية وتفاهة التفكير، بل هو تغيير لما خُلقنا من أجله؟! أخُلقنا للمقاهي والمطاعم والتفاخر بالذهاب إلى المشهور منها وإلى الجري وراء اقتناء الملابس الفاخرة وقضاء جُلّ أوقاتنا في مثل هذه الأشياء وشبيهاتها أم خُلقنا لعمارة الأرض والعمل الجاد وفق ما حدده لنا الخالق الذي خلقنا من العدم ثم حدد لنا منهجا حياتيّا نعيش فيه بسلام وأمان ونحقق فيه الغاية من الخلق الذي سيسألنا عنه الخالق يوما ما؟؟؟ يقول الشاعر: بالله كيف لأمة أن ترقى *** والتافهون حُداتها والحمقى؟! لن تتقدم هذه الأمة إلا بالجد والإجتهاد والعمل بما أنزل الله واتباع هدي نبي الأمة؟ يقول القاضي عياض حين سألوه طلبة العلم أن يحدثهم فقال لهم: إنّكُمْ مفتُونون فهلْ عملْتم بما عِلمتم؟ قال حدثني الأعمش قائلا: “إذا أخذت اللقمة ورميت بها وراء ظهرك فقل لي متى تشبع”؟؟؟ ولسان حاله يقول إعملوا بما علمتم أولا فالأمم تتقدم بالعمل، أليس هذا هو حالنا نحفظ القرآن ولا نعمل به، ونطلب العلم وليس له مكان في حياتنا، نصلي ونكذب ونغش ونخون الأمانة، نستمع للخطب والمواعظ وكأنها لغيرنا ليست لنا، فمتى نعي ونعمل؟ إنها دعوة للتفكر، يقول الله جل جلاله: “فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ” الأعراف 185.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.






اترك تعليقاً