في خطوة ثورية قد تُحدث تحولًا عالميًا في علاج السمنة، كشف علماء من جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة عن أقراص مبتكرة لإنقاص الوزن تعمل مباشرة في الأمعاء، دون التأثير على الشهية أو كيمياء الدماغ، مقدمين نهجًا جديدًا كليًا يختلف عن الأدوية التقليدية التي تعتمد على كبح الشهية أو تعديل مستويات السكر في الدم.
السمنة أصبحت هاجسًا عالميًا يؤثر على حياة ملايين البشر، إذ تشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 1.9 مليار شخص يعانون من زيادة الوزن، بينهم أكثر من 650 مليون مصاب بالسمنة، ما يجعل البحث عن حلول فعّالة وآمنة أمرًا ذا أولوية قصوى.
كيف يعمل المركب الجديد؟
الدواء الجديد، المعروف باسم 12-TAASA، يركز على الأمعاء مباشرة، حيث يمنع نقل الدهون إلى الجسم ويعزز نمو البكتيريا المفيدة، التي تنتج أحماضًا دهنية قصيرة السلسلة تقلل الالتهاب وتعزز صحة الأمعاء.
وبذلك يمكن للمرضى فقدان الوزن دون تقليل كمية الطعام أو مواجهة مشاكل في الهضم مثل الإمساك أو الإسهال، وهي آثار جانبية شائعة في الأدوية التقليدية.
التجارب الأولية على الفئران التي أُطعمت نظامًا غذائيًا غنيًا بالدهون أظهرت نتائج مذهلة: الفئران المعالجة بالمركب اكتسبت وزنًا أقل بكثير، وأصبحت أكبادها أخف دهنية وأقل تندبًا، بينما لم تُسجَّل أي آثار جانبية سامة، وظلت مستويات السكر في الدم طبيعية.
كما طرأ تحسن كبير على الميكروبيوم المعوي؛ فقد انخفضت البكتيريا الضارة المرتبطة بالالتهاب، وازدهرت السلالات المفيدة، ما رفع مستويات الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة مثل الأسيتات والبروبيونات والبيوتيرات، وعزز استجابة الجسم للأنسولين، وخفّض الالتهاب المزمن الذي يرافق السمنة وأمراض الكبد.
بديل واعد لملايين البشر
يؤكد الدكتور أندرو تان، الخبير في اضطرابات التمثيل الغذائي والمشارك في تطوير المركب، أن “التحكم في امتصاص الدهون في الأمعاء قد يقلل كمية الدهون التي تصل إلى الكبد، ما يحمي من أمراض الكبد الدهني والسمنة المرتبطة باضطرابات التمثيل الغذائي، خاصة لأولئك الذين يجدون صعوبة في ممارسة الرياضة أو الالتزام بالحميات الغذائية الصارمة”.
ويشير الباحثون إلى أن المركب الجديد قد يكون أملًا جديدًا لملايين الأشخاص حول العالم الذين يعانون من السمنة أو مرض الكبد الدهني المرتبط بالتمثيل الغذائي (MASLD)، إذ يحد من وصول الدهون إلى الكبد ويقلل الالتهاب والتندب، وهو ما قد يخفض لاحقًا مخاطر فشل الكبد، وأمراض القلب، والسكتات الدماغية، وبعض أنواع السرطان.
ثورة في عالم فقدان الوزن
يتميز هذا الابتكار عن الأدوية الحالية مثل “أوزمبيك” و”ويغوفي”، التي تعتمد على الحقن الأسبوعية وكبح الشهية، إذ يتيح 12-TAASA إدارة الوزن بطريقة طبيعية وآمنة، دون شعور بالجوع أو تغيّر المزاج أو اختلال التمثيل الغذائي للسكر.
وعلى الرغم من النتائج الواعدة، لا تزال التجارب في مراحلها الأولى على الفئران، ويؤكد الفريق البحثي على ضرورة إجراء تجارب سريرية على البشر لتقييم سلامة المركب وفعاليته قبل وصوله إلى الصيدليات، وهو ما قد يستغرق عدة سنوات بسبب الإجراءات التنظيمية والموافقات الصحية.
يذكر أن السمنة ليست مجرد مسألة جمال أو مظهر، بل أصبحت أزمة صحية عالمية تهدد حياة الملايين، إذ يرتبط الوزن الزائد بارتفاع مخاطر أمراض القلب، السكري، بعض أنواع السرطان، وأمراض الكبد المزمنة.
ومن هنا، يمثل ابتكار دواء يحد من امتصاص الدهون بطريقة آمنة دون التأثير على الشهية قفزة نوعية قد تغير حياة الملايين.
ويعكس هذا الاكتشاف تزايد اهتمام الباحثين عالميًا بالحلول المستهدفة للأمعاء والميكروبيوم، حيث بدأت الدراسات الحديثة تؤكد الدور المركزي للأمعاء في تنظيم الوزن والصحة العامة، مما يجعل المركب الجديد واحدًا من أكثر الابتكارات الواعدة في مجال مكافحة السمنة وفقدان الوزن.





