أود التنويه أن إحاطة المبعوثة الأممية باللغة الإنجليزية مطابقة تماماً للنسخة العربية.
أولاً: ملخص الإحاطة:
قدمت الممثلة الخاصة هانا تيتيه تقييماً قاتماً للوضع في ليبيا، مؤكدة على جمود سياسي خطير وتدهور اقتصادي حاد رغم هدوء نسبي في الجبهة الأمنية. النقاط الرئيسية:
1. الانسداد السياسي: لم يتم إحراز التقدم المأمول في خارطة الطريق. استمرار الفاعلين الليبيين في تجاهل تطلعات الشعب عبر إنشاء هياكل موازية غير شرعية، لقد حذرت المبعوثة من أن “مواصلة العمل كالمعتاد” يضفي شرعية غير مقصودة على الوضع الراهن المنقسم.
2. الحوار المُهيكل: اختتام الجلسات النقاشية (المسارات الأربعة) بنهاية مايو على أن تقدم توصياتها في يونيو، لكنها ألمحت إلى أن هذه التوصيات وحدها لن تكون كافية دون إرادة سياسية.
3. المجموعة المصغرة: دافعت المبعوثة عن تشكيلها كوسيلة لكسر الجمود وتمهيد الطريق للمؤسسات، لكنها لوحت صراحة بالعودة إلى مجلس الأمن باقتراح بديل (فرض مسار جديد) إذا لم ينجح هذا الجهد.
4. الانهيار الاقتصادي: وصفته بأنه “لم يعد قابلاً للاستمرار”، حيث أشارت بوضوح إلى “استنزاف الثروة الوطنية في اقتصاد سياسي مشوه” واستخدام عائدات النفط كسلاح، مما يهدد بغضب شعبي عارم.
5. القطاع القضائي: أعربت عن قلق بالغ من استمرار انقسام القضاء، واعتبرته قنبلة موقوتة تهدد أي انتخابات مستقبلية.
6. الاستنتاج النهائي: ليبيا في “مفترق طرق”، وقد حملت القادة الليبيين مسؤولية الفشل، ودعت مجلس الأمن لاستخدام “نفوذه الجماعي” لفرض المساءلة.
ثانياً: قراءة استراتيجية متعمقة (ما وراء السطور)
هذه الإحاطة ليست مجرد تقرير روتيني، بل هي إعلان نوايا وتحذير أخير. وهذه أبرز الخيوط الاستراتيجية التي تنسجها تيتيه بين السطور:
1.”شرعنة الوضع الراهن” ومحاولة استعادة زمام المبادرة
عندما تقول تيتيه إن “مواصلة العمل كالمعتاد يُضفي شرعية على الوضع الراهن”، فهي توجه رسالة مزدوجة:
- للداخل الليبي: رسالة مفادها أن البعثة لن تكون مجرد “كاتب عدل” لتقاسم السلطة بين حكومتين غير شرعيتين.
- لمجلس الأمن: دعوة صريحة للتوقف عن دعم حكومة الوحدة الوطنية وحكومة الشرق بالتساوي.
الإحاطة تشير ضمنياً إلى أن سياسة التوازن الدولية فشلت في تحقيق التوحيد، بل غذت الانقسام.
2.فشل “المسارات” وتكتيك التهديد بـ”الخطة ب”
الإحاطة تظهر أن البعثة عالقة في حلقة مفرغة: “حوارات” لا تنتهي.
الإشارة إلى “المجموعة المصغرة” هي اعتراف ضمني بأن مجلسي النواب والدولة لم يعودا الطرفين الوحيدين الفاعلين.
والأهم هو التهديد المبطن بالعودة إلى مجلس الأمن باقتراح بديل.
هذا يعني أن الأمم المتحدة تستعد لسيناريو “خطة ستيفاني ويليامز (تشكيل لجنة لإدارة المرحلة الانتقالية بقرار أممي يتجاوز الأجسام الحالية)، لكنها تمنح الأطراف فرصة أخيرة لتجنب هذا الإملاء الدولي.
3.الاقتصاد: الجبهة الخفية لإسقاط النظام السياسي
هذه الفقرة هي الأخطر استراتيجياً.
تيتيه لا تتحدث فقط عن أرقام عجز. إنها تقول بوضوح: النموذج الاقتصادي الحالي يصنع الفقر ويُفقر الشعب لإثراء الطبقة السياسية المسلحة. عندما تربط تيتيه بين “الإنفاق المبهم” و”تقرير فريق الخبراء” و”استخدام النفط كسلاح”، فهي تفتح الباب أمام آليات عقوبات دولية جديدة.
الرسالة لقادة ليبيا: إذا لم تلتزموا بالشفافية، فإن حصانتكم المالية في الخارج قد تكون الهدف التالي.
4.القضاء: المسمار الأخير في نعش الانتخابات
الحديث عن القضاء المنقسم هو إعلان استحالة إجراء انتخابات ذات مصداقية في الوقت الراهن. لماذا؟
- لأن الطعن في نتائج الانتخابات يحتاج إلى محكمة عليا موحدة.
- لأن وجود محكمتين دستوريتين يعني عملياً إلغاء العملية الانتخابية قبل أن تبدأ.
تيتيه تقول ضمنياً: لن نسمح بانتخابات تعيد إنتاج الفوضى، وانقسام القضاء هو ذريعة قوية لوقف أي مغامرة انتخابية أحادية الجانب.
5.إعادة تعريف “الاستقرار الأمني”
إحاطتها دبلوماسية جداً في وصف الأمن: “لا انتهاكات لوقف إطلاق النار… لكن هشاشة”.
أي محلل هنا يفهم أن هذا يعني “استقرار التقسيم”. الاشتباكات في الغرب (الزاوية وصرمان) لم تعد تهدد “اتفاق 2020″، لأنه اتفاق صُمم أساساً لتجميد خطوط التماس بين الشرق والغرب فقط.
تيتيه تشير إلى أن الخطر الآن هو “حرب العصابات على الثروة” داخل المعسكر الغربي نفسه، وهو مؤشر على أن حكومة الدبيبة تفقد السيطرة على الأرض رغم السيطرة على المصرف المركزي.
6.خاتمة الإحاطة: تحميل مجلس الأمن المسؤولية الأخلاقية
عبارة “إن السماح لأطراف الوضع الراهن بالتنصل من مسؤولياتها لن يؤدي إلا إلى تقويض الجهود” هي صرخة إحباط دبلوماسية.
تيتيه تقول لمجلس الأمن: لقد فعلت البعثة كل ما بوسعها، والكرة الآن في ملعبكم أنتم كدول كبرى لفرض الإرادة الدولية، لأن الأطراف الليبية أثبتت أنها غير قادرة على الاتفاق طواعية.
الخلاصة:
الإحاطة تؤرخ لبداية النهاية لمرحلة “الحوار الليبي – الليبي” وفق الشكل الحالي. الأمم المتحدة تنتقل من دور “الوسيط الميسر” إلى دور “المهندس لسيناريو ما بعد الفشل”.
تتوقع البعثة تفاقماً في الاحتجاجات الشعبية بسبب الجوع والفقر، وقد ترى في ذلك فرصة للضغط على النخبة الحاكمة.
رسالة هانا تيتيه النهائية هي: ساعة الصفر تقترب، إما أن تختاروا توحيد المؤسسات بأنفسكم، أو ستجدون أنفسكم أمام ترتيبات دولية جديدة لن تكونوا مركزها.
هذا مجرد رأي شخصي.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.





