في قراءة تحليلية موسعة لمخرجات المسار الاقتصادي في تقرير الحوار المهيكل، وبعد الاطلاع على الصفحات من 22 إلى 51 التي تمثل الإطار الكامل للمسار الاقتصادي، يقدم الخبير الاقتصادي، أستاذ جامعي متخصص في علم الاقتصاد، والحائز على العضوية الفخرية الأولى في الجمعية الليبية للاقتصاد الزراعي يوسف يخلف مسعود، رؤية نقدية حادة حول طبيعة التشخيص الوارد في التقرير.
ويؤكد أن ما ورد لا يمثل تشخيصا علميا دقيقا للأزمة الاقتصادية الليبية، بل يقدم ما يصفه بوصفة إصلاحية صيغت بلغة أكاديمية مضللة، تهدف إلى تبرير مسارات إصلاحية تتجاهل جذور الانهيار الحقيقي، وتغفل بشكل واضح دور صناع القرار المحليين في تفاقم الأزمة الاقتصادية.
تشخيص زمني مثير للجدل للاقتصاد الليبي
يشير الخبير الاقتصادي إلى أن التقرير اعتمد على فترة زمنية تمتد من 2012 إلى 2025، وهو ما اعتبره إغفالا منهجيا متعمدا لمرحلة 2011 التي شهدت الانهيار المؤسسي والاقتصادي الأكبر في تاريخ الدولة الليبية.
ويرى أن هذا الاختيار الزمني يطرح إشكالية جوهرية في منهجية التحليل، إذ يتجاهل التحول البنيوي العميق الذي أصاب الاقتصاد الليبي بعد 2011، حيث كان الاقتصاد يعتمد على مؤسسة مركزية واحدة هي المصرف المركزي.
ويضيف أن التعامل مع المصرف المركزي في التقرير جاء بوصفه متغيرا تقنيا قابلا للإصلاح، بينما يشير الواقع إلى أنه كان أحد الفاعلين الرئيسيين في إدارة وتوجيه تدفقات النقد الأجنبي، بما انعكس بشكل مباشر على استقرار العملة المحلية.
خسائر اقتصادية ضخمة خارج التوظيف التحليلي
وفي سياق متصل، يتوقف التحليل عند إشارة التقرير إلى تقديرات منظمة الإسكوا حول خسائر الاقتصاد الليبي المقدرة بنحو 576 مليار دولار بين 2011 و2020.
ويرى الخبير أن إدراج هذا الرقم جاء في سياق استعراضي أكثر منه تحليلي، إذ لم يتم توظيفه داخل نماذج تفسيرية أو سيناريوهات إصلاحية واضحة، بل ظل رقما معلقا لا ينعكس على بنية الاستنتاجات النهائية للتقرير.
الدين العام بين التوصيف المحاسبي والقراءة السياسية
وفي محور الدين العام، يشير التقرير إلى بلوغه 303 مليار دينار ليبي بنهاية 2025، مع نسبة 72.3% تتحملها الحكومات المكلفة في شرق البلاد.
ويعتبر الخبير الاقتصادي أن هذا التوصيف لا يخلو من أبعاد سياسية، إذ يقدم توزيع الدين العام بصورة محاسبية تبدو محايدة، بينما تتجاهل وجود ديون غير معلنة، إضافة إلى تعقيدات التمويل بين المؤسسات المالية في شرق وغرب البلاد.
كما يلفت إلى أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي البالغة 146% لا تعكس قدرة حقيقية على السداد، نظرا لطبيعة الاقتصاد الليبي الريعي الذي يعتمد بشكل مباشر على أسعار النفط العالمية، وهو ما يجعل هذا المؤشر محدود الدلالة في السياق المحلي.
ويضيف أن التقرير لم يطرح السؤال الجوهري المتعلق بمصدر هذه الديون، والتي ترتبط بشكل أساسي بآلية التمويل بالعجز وطباعة العملة دون ضوابط، معتبرا أن هذا العامل هو المحرك الأساسي للتضخم وليس مجرد تفصيل ثانوي كما ورد في النص الأصلي للتقرير.
نموذج القدرة الاستيعابية بين النظرية والواقع
وفي ما يتعلق بنموذج القدرة الاستيعابية، يوضح التقرير أن الحجم الأمثل للإنفاق العام الذي يحقق أقصى نمو دون اختلالات نقدية يقدر بنحو 105 مليار دينار سنويا، بينما تصل نقطة التعادل المالي إلى 117 مليار دينار.
ويصف الخبير هذا الطرح بأنه نموذج نظري منفصل عن الواقع الاقتصادي الليبي، ويستند إلى افتراضات لا تنسجم مع البنية الفعلية للاقتصاد، موضحا أبرز الإشكاليات التالية:
غياب الشفافية والدقة في بيانات الإنفاق العام، حيث يتم التعامل مع الإنفاق كمجاميع عامة دون تفصيل بنود الصرف أو تقييم أثرها الحقيقي.
تضخم في نسب توزيع الإنفاق على الرواتب والدعم، مقابل ضعف أو غياب الأثر التنموي الحقيقي على الإنتاج والنمو.
إغفال الدور الحاسم للاستيراد، إذ يتحول الإنفاق العام في ليبيا إلى طلب مباشر على السلع المستوردة، ما ينعكس على سعر الصرف ويغذي معدلات التضخم.
اعتماد مفهوم “نقطة التعادل المالي” في نموذج مغلق، رغم أن الاقتصاد الليبي اقتصاد مفتوح شديد الارتباط بعائدات النفط وأسعاره العالمية.
ويخلص إلى أن النموذج المستخدم في التقرير يتعامل مع اقتصاد مستقر ومنضبط، بينما الواقع الاقتصادي في ليبيا يعكس اقتصادا ريعيا مفتوحا عالي الحساسية للصدمات الخارجية، وهو ما يجعل نتائج هذا النموذج غير قابلة للتطبيق العملي.
وتأتي هذه القراءة النقدية في ظل استمرار الجدل حول مخرجات الحوار المهيكل الاقتصادي في ليبيا، الذي يسعى إلى تقديم رؤية إصلاحية شاملة، غير أن العديد من القراءات الأكاديمية ترى أن هناك فجوة بين النماذج النظرية المطروحة والواقع الاقتصادي المعقد، خصوصا في ظل الانقسام المؤسسي وتعدد مراكز القرار المالي والنقدي في البلاد.





