إعلان بلدية مصراته والبلديات المجاورة لها عن تشكيل إقليم الوسطى، هو فتح لفصل جديد من التاريخ الليبي، لإدامة التشظي وخلط الأوراق بعد عجز كل المحاولات للجم فيدرالية الرجمة الخارجة عن القانون. فبالرغم من ان اعلان تشكيل اقليم الوسطى لا اساس قانوني له، ولا طبيعة جغرافية تسانده، ولا مبرر ثقافي او إثني يشد من ازره، الا انه يشكل بادرة يمكن النسج على منوالها في دولة شاسعة المساحة، لم يستقر نظامها السياسي منذ استقلالها، وتتعرض لتغيرات بنيوية وديموغرافية لا احد يستشف نتائجها، وبذلك فان القرار يحفز ظهور الكثير من المشاريع المكبوتة الى العلن، والتي صيغت على مر العقود للخروج من دوامة التهميش والغلبة من اخوة تقاسم النفط بطريقة ضيزى.
اول ما يتبادر الى الذهن هو الاستغلال السيء لنشطاء المنطقة الشرقية لمفهوم الاقليم والمطالبة بالفدرالية، بالنكوص الى مرحله الاستقلال وما قبله، رغم انتهاء نظام الفيدرالية منذ سنه 1964 ميلادي. فالاختيارات السيئة للمنطقة الشرقية واكتسابها مزايا لا تستحقها، مثل توزيع اعضاء لجنه الستين على أساس الأقاليم، والقيام بتأسيس ثلاثة حكومات موازيه في برقه، والاستلاء على معظم مداخيل الدولة عن طريق تزوير العملة وتهريب النفط والركون الى القوات الإقليمية والدولية باسم برقه، واشتراط توزيع المناصب السيادية وغير السيادية على أسس محاصصة الأقاليم، جعل كل ذلك ليبيا في جحيم مقيم، والكل يتحسس في دوامة الاجحاف اين المخرج ولو خارج الأنظمة المتعارف عليها، وفتح الباب على مصرعيه لمقاومة ذلك التصرف بتأسيس أقاليم مناظرة أكثر شفافية ووطنية وبحكم رشيد. علما بان برقة لا يزيد عدد سكانها عن خُمس الشعب الليبي.
منذ أربعة سنوات تم اقتراح وجود خمسة أقاليم ليبية منها إقليم طرابلس وإقليم نفوسة وإقليم الوسطى وإقليم برقة وإقليم فزان، وهنا لا اعتبار للتاريخ لان المفاهيم تغيرت والوجود الاستعماري انتهى والاستحقاقات تعالت نحو العدالة والشفافية والحكم الرشيد.
إقليم الوسطى المعلن عنه منذ يومين، يتميز بثقل سكاني كبير، حيث يتضمن مصراته وزليتن والخمس وترهونة وبن وليد، وله امكانيات صناعيه كبيره مثل صناعه الحديد والصلب والاسمنت والصناعات التحويلية، وله ثلاث مواني ومطار جوي، وقد تنظم اليه سرت ليتمدد شرقا الى حوض سرت النفطي. الا ان ما يواجه هذا الاقليم هو مشكلة التجانس السكاني، فالمشاكل البينية لعقود طويله والتنافس المستمر على الموارد الريعية والسلطة، بين مدن الاقليم يجعل تماسكه في غاية الصعوبة، والجميع شهد رد فعل اهالي بن وليد برفض هذا الاتفاق بعد ساعات من توقيعه.
إقليم جبل نفوسة الذي طالب به سكان اقصى الغرب الليبي وسكان الجبل، وكان تسميته بالإقليم الرابع قبل ذلك، يشتمل غرب صبراته حتى الحدود التونسية ثم جنوبا الى غدامس وغات وشمال ادري في بلديه الشاطئ (وهي حدود شعبية نالوت سابقا) وشرقا حتى الشويرف وغريان، وبذلك يحتوي كل مدن جبل نفوسة ومعظم مدن سهل الجفارة والحماده .
هذا الاقليم له ميناء بحري في مليته وزوارة وابوكماش والكثير من المعابر البرية مثل راس جدير ووازن مع تونس والدبداب (بغدامس) وايسين (في غات) مع الجزائر ومعبر السلفادور مع النيجر، إضافة الى الطرق الداخلية التي تقطع الإقليم من الغرب الى الشرق مثل طريق نالوت زوارة ونالوت غريان ودرج الشويرف، وبذلك فان الإقليم يتجاوز مساحته عدة دول أوروبية مثل فرنسا واسبانيا والبرتغال مجتمعة.
كما ان للإقليم امكانيات نفطية هائلة، فيوجد به ستة حقول عاملة وهي من الجنوب الى الشمال حقل الشرارة وحقل الوفاء وحقل سيناون وحقل نفوسة ومنصتي صبراته والجرف إضافة إلى مجمع مليته النفطي، وهناك حقل غاز واعد وهو (NC7) ، وخط الغاز النيجيري الذي يمر من جنوب الى شمال الإقليم ثم الى القارة الأوروبية.
الأكثر أهمية في هذا الإقليم وجود التوافق الاجتماعي والثقافي للمكونات الى حد كبير، بين العدد القليل من السكان في مساحة شاسعة.
نظام الاقاليم ان لم يتطور الى النظام الفيدرالي ( وهذا مستبعد على المدى المنظور) يساعد كثيرا على تنظيم التنمية المكانية لإنشاء مشاريع متكاملة وخدمات محليه متقاربة وخصوصيه ثقافيه مستحقة، ففي تونس أعتمد نظام الاقاليم غير فيدرالي منذ 2023 م ، ويوجد بها خمسه اقاليم مختلفة المساحة وعدد السكان، اكبرها مساحه اقليم الجنوب: قابس ومدنين وتطاوين واكثرها في عدد السكان اقليم بنزرت في الشمال.
حتى يتم هكذا مسار تنظيمي يمنع تغول منطقة على أخرى ويمنع قرارات الامر الواقع المهينة والمفلسة للدولة الليبية ويمنع العبث بمقدرات الدولة بطرق جهوية مناطقية، تحتاج الدولة الليبية الى دستور دائم ينظم هكذا أقاليم. ففي النظام الحالي لا يوجد اساس قانوني للمطالبة او تشكيل أي إقليم، فمثلا قانون الإدارة المحلية رقم 59 لسنه 2013 يتحدث عن المحافظات كطريقة للامركزية، ولا توجد به اي اشاره للأقاليم، بالمثل الاعلان الدستوري وتعديلاته.
زوبعة الاقاليم منذ 2013 كانت من صناعه البرلمان الحالي الذي قام بتبني اراء نشطاء الفيدرالية في برقه خلال السنوات 2012 الى 2014 والذين سُحقوا كأفراد من القيادة العامة في المنطقة الشرقية وتبنت آرائهم حكومات الرجمة للحصول على مكاسب أصبحت ترتب لحكم عسكري عائلي، وللأسف ساند رجالات برقة باختيارهم السيئ هذا النهج الفوضوي.
لا شك ان الجميع يتذكر اغلاق الطريق الساحلي عند الوادي الأحمر من نشطاء الفيدرالية واصرارهم على تبني لجنة الستين للدستور بالتساوي بين الأقاليم وليس حسب عدد السكان، ورضخ المجلس الانتقالي لذلك، وبذلك كانت الكارثة والسنة السيئة والدخول في النفق المظلم الذي لم ينتهي بعد.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.





