في وقتٍ تتصاعد فيه التحديات الاقتصادية التي تواجه ليبيا، من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية إلى اتساع الاقتصاد الموازي واستمرار الاعتماد على النفط، تتزايد التساؤلات حول جدوى الإجراءات الحكومية الحالية وقدرتها على تحقيق إصلاح اقتصادي حقيقي، وفي هذا الإطار، يقدّم برفيسور علم الاقتصاد وعضو هيئة التدريس بالأكاديمية الليبية – جنزور، ورئيس قسم الاقتصاد بجامعة ليبيا المفتوحة، والمستشار الاقتصادي لدى اتحاد عمال ليبيا، يوسف يخلف مسعود، رؤيته لواقع الاقتصاد الليبي وآفاق معالجته.
وقال يوسف يخلف مسعود لشبكة عين ليبيا بأن الإجراءات المتعلقة بتشديد الرقابة على الأسواق وتفعيل ما يُعرف بـ”تصحيح الأسعار” لن تنجح في معالجة التدهور المستمر في المستوى العام للأسعار أو استعادة التوازن النقدي للعملة الليبية، في ظل ما وصفه بالتناقض القائم بين السياسات المطبقة والتشريعات الليبية النافذة.
وأوضح يخلف أن التشريعات الليبية تنص على أن قوى العرض والطلب هي التي تحدد الأسعار، وأن التدخل الحكومي المباشر يتعارض مع هذه القواعد، مشيراً إلى أن هذا التوجه مستمد من الفكر الاقتصادي النيوكلاسيكي ومن التوصيات التي يطرحها صندوق النقد الدولي للدول غير المدينة خارجياً، ومنها ليبيا، والتي ترتكز على مبادئ حرية السوق والمنافسة الكاملة.
وأضاف أن مفهوم المنافسة الكاملة يُعد نموذجاً افتراضياً يستخدمه الاقتصاديون لأغراض الفهم والتحليل الأكاديمي، بينما الواقع الاقتصادي يشهد هيمنة الاحتكار وما يرافقه من اختلالات سعرية ونقدية، معتبراً أن استمرار السلطات النقدية منذ عام 2014 في اتباع ما وصفها بالسياسات العبثية المتعلقة بقيمة العملة أسهم في تفاقم الأزمة الاقتصادية.
وفي رده على سؤال حول قدرة سياسات تنظيم الأسواق على تحقيق الاستقرار الاقتصادي، أكد يخلف أن هذه السياسات وحدها غير كافية، قائلاً إن الإصلاح الحقيقي يتطلب إعادة هيكلة السلطات النقدية والمالية بالكامل، وفك ارتباطها بما وصفه بالتبعية الناعمة للمؤسسات الدولية، التي يرى أن مصالح القائمين عليها لا تنسجم مع متطلبات النهوض بالاقتصاد الليبي.
وحول الاجتماعات التي تُعقد مع البلديات، مثل زوارة ووازن، لمعالجة الاختلالات الاقتصادية المحلية، رأى يخلف أن الأزمة الاقتصادية في ليبيا أصبحت ذات طابع هيكلي، وأن نقل معالجتها إلى البلديات لم يؤدِّ إلا إلى مزيد من تدهور الموارد. وأشار إلى أن الاختلالات تظهر في الموازنات المحلية من خلال النفقات الجارية والاستثمارية التي وصفها بالزائفة، والتي تختبئ خلف عمولات مرتفعة وتكاليف مبالغ فيها للخدمات والبناء، موضحاً أن هذه المشاريع تستنزف موارد الدولة دون أن تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد الوطني.
كما اعتبر أن التعويل على وحدات إدارية صغيرة لمعالجة أزمة اقتصادية بهذا الحجم لن يؤدي إلا إلى مزيد من العجز والإخفاق، سواء على مستوى حياة المواطن أو على مستوى قدرة الدولة على وقف تراجع قيمة العملة المحلية وتحسين مستويات المعيشة.
وفيما يتعلق بمقترح إنشاء منطقة حرة في وازن، قال يخلف إن ليبيا لا تمتلك جهازاً إنتاجياً حقيقياً، وتعتمد بصورة شبه كاملة على النفط الخام، الذي تُحدد كميات مبيعاته وأسعاره عوامل خارجية لا تتحكم فيها الدولة الليبية. وأضاف أن القطاع النفطي يتعرض باستمرار لصدمات داخلية مرتبطة بإغلاق الموانئ والحقول النفطية، فضلاً عن أن عمليات الاكتشاف والاستخراج والتصنيع ترتبط بدرجات متفاوتة بشركات أجنبية.
وأشار إلى أن إيرادات النفط أسهمت خلال الفترة بين 2012 و2025 بنحو 95% من الناتج المحلي الإجمالي الليبي، معتبراً أن القفز مباشرة نحو المناطق الحرة والتعويل عليها لتنويع الاقتصاد يمثل وهماً اقتصادياً، ولن تستفيد منه سوى فئات محددة تهيمن على الموارد الاقتصادية وتسوق السلع الأجنبية داخل البلاد.
وأكد أن أي إصلاح اقتصادي حقيقي يجب أن يبدأ بتحقيق الاستقرار أولاً، ثم اختيار نموذج اقتصادي يتناسب مع البيئة المحلية والموارد البشرية والمادية المتاحة، مستشهداً بتجربة رواندا كنموذج جدير بالدراسة.
وفي ملف العمالة الأجنبية، وصف يخلف هذه القضية بأنها من أبرز المشكلات التي تواجه الاقتصاد الليبي، موضحاً أن نسبة كبيرة من العمالة الوافدة تفتقر إلى المهارات المطلوبة، وأن الكثير منها يدخل البلاد بطرق غير نظامية ودون ارتباط باحتياجات الاقتصاد الوطني.
وأضاف أن العمالة الأجنبية، بحسب تقديره، تستنزف الموارد المحلية عبر التحويلات المالية إلى الخارج، مشيراً إلى تصريحات لمسؤولين ليبيين تفيد بأن التحويلات الرسمية للعمالة الأجنبية خلال عام 2025 تجاوزت 7 مليارات دولار، وهو ما يعادل نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي الليبي.
كما لفت إلى أن العمالة الأجنبية العاملة ضمن الاقتصاد غير الرسمي لا تسدد ضرائب أو رسوماً للدولة، وفي الوقت ذاته تستفيد من الدعم الموجه للمواطنين، ما يؤدي إلى زيادة استنزاف الموارد المحلية. وأشار أيضاً إلى أن مبعوثة الأمم المتحدة ذكرت في إحدى إحاطاتها أن نحو 4 ملايين مواطن سوداني دخلوا إلى ليبيا، وهو رقم يتجاوز نصف عدد سكان البلاد.
ورأى أن ارتفاع أعداد الأجانب يؤدي إلى زيادة الطلب على السلع المستوردة، في اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد، الأمر الذي يسهم في استنزاف احتياطيات النقد الأجنبي.
وأكد أن ليبيا تمتلك رأس مال بشرياً محلياً يعاني من البطالة بنسبة تتجاوز 20% من إجمالي القوى العاملة، داعياً إلى دعم وتأهيل الكوادر الوطنية وإطلاق مشاريع إنتاجية تحد من استيراد السلع الاستهلاكية.
كما أشار إلى وجود بطالة مقنعة داخل القطاع العام، والذي يتجاوز مليوني موظف، بينهم نسبة من الأجانب، مؤكداً أن وجودهم يخالف القانون الليبي، وأن مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي لا تتجاوز 5% في المتوسط خلال الفترة 2012-2025.
وخلص إلى أن ليبيا لا تحتاج إلى مزيد من العمالة الأجنبية، بل تحتاج إلى إعادة تأهيل صناع القرار وموظفي القطاع العام وإعادة توزيعهم على مشاريع استثمارية تساهم في تنويع مصادر الدخل.
وبشأن دور الحرس البلدي، قال يخلف إن دوره يكاد يكون محدوداً للغاية، وإن أي جهود يبذلها لا ترقى إلى مستوى الأهداف المطلوبة. وأوضح أن الإمكانات متوافرة، إلا أن ضعف كفاءة صناع القرار في المستويات القيادية أدى إلى غياب الأولويات الاقتصادية، ما ساهم في انتشار الفساد وأضعف قدرة هذه الأجهزة على أداء مهامها.
وأضاف أن التشريعات الحالية تحد من قدرة الحرس البلدي على مكافحة التلاعب بالأسعار، وأن أي تدخلات خارج الإطار التشريعي القائم تبقى مجرد اجتهادات فردية ووطنية لا تحقق نتائج ملموسة.
وفي ما يتعلق بالاقتصاد الموازي، أكد يخلف، استناداً إلى خبرته السابقة مديراً لإدارة الدراسات والإصلاحات الاقتصادية، أنه لا توجد سياسات حقيقية لمكافحة السوق الموازية أو السوق السوداء، معتبراً أن بعض الجهات الفاعلة داخل هذا الاقتصاد تمتلك نفوذاً داخل دوائر صنع القرار الاقتصادي.
وأضاف أن الإرادة السياسية اللازمة لمواجهة هذه الظاهرة أو الحد منها غير متوافرة، وأن ما يُطرح في بعض التصريحات الإعلامية لا يتجاوز كونه دعايات سياسية.
وعن تقييمه للتحركات الحكومية الأخيرة، أكد يخلف أنها لا تعكس رؤية إصلاح اقتصادي متكاملة، معتبراً أن صناع القرار الاقتصادي “يبحرون دون بوصلة”، وأنهم يعتمدون بصورة أساسية على توصيات صندوق النقد الدولي.
وأشار إلى أن الأزمة الليبية لا ترتبط بندرة الموارد المادية، بل ترتبط في المقام الأول بالمورد البشري، محذراً من أن استمرار النهج الحالي قد يقود البلاد إلى تجارب اقتصادية مأزومة شبيهة بما شهدته دول أخرى.




