نزع السلاح في لبنان يدخل مرحلة جديدة.. واشنطن تختار الدول المشرفة

توصل لبنان وإسرائيل إلى قائمة مختصرة من الدول التي يمكن أن تتولى مهمة التحقق من نزع سلاح حزب الله، ضمن اتفاق ترعاه الولايات المتحدة، في خطوة تعكس تقدمًا في البحث عن آلية عملية لتنفيذ التفاهم المبرم بين الجانبين، بالتزامن مع استمرار الخلافات حول المناطق التي ستنسحب منها القوات الإسرائيلية وحجم الوجود الأجنبي المحتمل في لبنان.

وقال مسؤول لبناني، وفق ما نقلته وكالة «رويترز»، إن بيروت وإسرائيل اتفقتا على قائمة مختصرة من الدول المرشحة للاضطلاع بدور الطرف الثالث المشرف على عملية نزع السلاح، من دون الكشف عن أسماء الدول أو عددها.

وأوضح المسؤول: «لقد توصلنا إلى قائمة مختصرة من الدول. حددنا الأطراف المستحيلة لكل منا ووضعنا الجهات الفاعلة المحتملة. سيقوم الأمريكيون الآن باتخاذ القرار، وقد يختارون أكثر من دولة واحدة».

وأضاف أن بيروت رفضت اقتراحًا سابقًا يقضي بإسناد مهمة التحقق من نزع سلاح حزب الله إلى شركات أمن خاصة، مؤكدًا أن الجهات التي يجري بحثها حاليًا هي دول.

وقال: «جميع الجهات المقترحة هي دول. ما زلنا بحاجة لمناقشة كيفية عمل هذا الأمر بالضبط، وعدد القوات التي سيتم نشرها، وكيف ستعمل مع الجيش اللبناني».

وأُعدت القائمة خلال اجتماعات جمعت ممثلين عن لبنان وإسرائيل في السفارة الأمريكية بالعاصمة الإيطالية روما هذا الأسبوع، في أحدث جولة من المحادثات بشأن آلية تنفيذ اتفاق 26 يونيو، الذي يربط الانسحاب التدريجي للقوات الإسرائيلية من لبنان بنزع سلاح حزب الله، على أن يجري التحقق من تنفيذ العملية بواسطة طرف ثالث.

وتسعى الولايات المتحدة إلى التوسط لإنهاء القتال بين إسرائيل وحزب الله، الذي اندلع منذ مارس بالتزامن مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأوسع ضد إيران.

وبعد يومين من الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران في 28 فبراير، أطلق حزب الله النار على إسرائيل تضامنًا مع طهران، وفق ما أورده التقرير، وردت القوات الإسرائيلية بقصف جوي وهجوم بري، وسيطرت على شريط من الأراضي يمتد لنحو 10 كيلومترات، أو 6 أميال، داخل جنوب لبنان.

وأدت المواجهات إلى نزوح أكثر من مليون مدني لبناني من منازلهم، بحسب المعلومات التي أوردها التقرير.

ولا تزال آلية وجود القوات الأجنبية المقترحة للتحقق من نزع السلاح موضع نقاش، إذ تبحث الأطراف إطارًا قانونيًا وعمليًا يسمح بنشر هذه القوات في لبنان.

ومن بين الخيارات المطروحة إدراج القوات ضمن قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، التي تنتهي ولايتها في نهاية العام.

وقال المسؤول اللبناني إن هذا الخيار سيحتاج إلى قرار جديد من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل تبدوان مستعدتين للنظر فيه، واصفًا ذلك بأنه «اختراق».

وتشمل الخيارات الأخرى إدراج القوات ضمن وكالة أممية منفصلة، أو تنظيم وجودها من خلال مذكرة تفاهم مع لبنان.

ورغم التقدم في تحديد الدول المحتملة للمشاركة في مهمة التحقق، لم تتوصل المحادثات إلى اتفاق بشأن المنطقة التالية التي ستنسحب منها القوات الإسرائيلية، بما يسمح للقوات اللبنانية بتولي السيطرة عليها.

وكانت بيروت قد اقترحت بلدتي بنت جبيل والخيام، وهما من البلدات الجنوبية التي تعرضت لقصف جوي عنيف، فيما شهدت مناطق منهما عمليات هدم واسعة لأحياء ومبانٍ، وفق التقرير.

وبالتزامن مع هذه المفاوضات، شهدت العاصمة اللبنانية بيروت تحركًا احتجاجيًا أمام السراي الحكومي، نظمته «حملة مواجهة الاحتلال ومسار التطبيع في لبنان»، رفضًا لما وصفته الحملة بنهج الحكومة في التعامل مع إسرائيل ومسار التفاوض معها.

وشارك في التظاهرة ناشطون وطلاب وممثلون عن المجتمع الأهلي والثقافي والسياسي، ورفع المشاركون شعارات ترفض مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل وما وصفوه بـ«تشريع الاحتلال».

وقالت الناشطة الحقوقية فداء عبد الفتاح إن القاسم المشترك بين التحركات التي شهدها الشارع اللبناني خلال الفترة الماضية يتمثل، بحسب وصفها، في مواجهة التطبيع والاحتلال، مشيرة إلى أن المشاركين ينتمون إلى شرائح متعددة من المجتمع اللبناني.

وأضافت عبد الفتاح أن التحركات السابقة شهدت حضورًا بارزًا للنازحين بسبب ظروف الحرب، إلا أن المشاركين في التحرك الحالي كانوا جزءًا من تلك التحركات أيضًا، معتبرة أن بعض التغطيات الإعلامية حاولت حصر مواجهة التطبيع والاحتلال بفئة أو جهة محددة، وهو ما لا يعكس حقيقة المشهد، بحسب تعبيرها.

وأوضحت أن إطلاق مبادرة «لبنانيون ضد التطبيع» أكد، من وجهة نظرها، وجود أطياف متعددة من الشعب اللبناني تلتقي على رفض التطبيع، مشددة على أن مشاركة الشباب والشابات في الوقفة تعكس، بحسب رأيها، وحدة الشارع اللبناني في هذا الموقف.

وقالت عبد الفتاح إن الرسائل التي حملتها الوقفة تؤكد على «وحدة المقاومة، سواء كانت مسلحة أو اجتماعية داخلية، في مواجهة الاحتلال»، مضيفة أن تنظيم التحرك أمام السراي الحكومي يوجه رسالة إلى السلطة السياسية التي اختارت، بحسب قولها، الجلوس مع إسرائيل.

واعتبرت أن السلطة السياسية «اختارت اللحظة الخطأ»، في ظل ما وصفته بتراجع مكانة إسرائيل دوليًا، وقالت إن الطريق لبناء لبنان، من وجهة نظرها، يمر عبر تبني خطاب موحد مع الشعب اللبناني في مواجهة الاحتلال، وليس عبر الانخراط في مسار التطبيع.

من جهته، قال عضو الحملة علي حمود إن المشاركين في الوقفة أرادوا التأكيد على رفض الاحتلال ومسار التطبيع الذي تتجه إليه السلطة السياسية، معتبرًا أن «هذه السلطة لا تمتلك الشرعية لهذا الخيار لأن أكثرية الشعب اللبناني تعارض هذا المسار»، بحسب تعبيره.

وأضاف حمود أن التحرك يهدف إلى «كسر حالة الجمود» والتأكيد على استمرار القدرة على التحرك في الشارع والتعبير عن الموقف الرافض للتطبيع والاحتلال، مشيرًا إلى أن محاولات الترهيب أو التخويف من الاعتقال لن تمنع المشاركين من مواصلة تحركاتهم.

بدورها، قالت رئيسة الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركيًا سيلفانا اللقيس إن مشاركتها في التحرك تهدف إلى التأكيد على رفض التطبيع، وقالت: «نشارك اليوم لنقول ممنوع التطبيع، لا اليوم ولا بعد 100 عام».

وأضافت اللقيس أن الأجيال اللبنانية لم تنس من فقدتهم خلال السنوات الماضية، مشيرة إلى أنها شاركت شخصيًا في دفن أطفال مجزرة قانا، ومؤكدة: «هذه الأرض أرضنا، وفلسطين عربية وستبقى عربية، ومهما كان الثمن يجب أن تبقى كلمة الحق والحقيقة حاضرة».

وفي موازاة التطورات السياسية، أظهر تقرير لقناة «الجزيرة» حجم الدمار في جنوب لبنان، مستندًا إلى أرقام قالت إنها صادرة عن القناة الـ12 الإسرائيلية، وتشير إلى تدمير 18 ألف مبنى في 19 قرية.

وبحسب التقرير، يُعد المبنى مدمرًا عندما تتجاوز نسبة الأضرار فيه 30%، فيما تفاخر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتدمير 24 قرية بالكامل، وقال إن 200 ألف لبناني لن يعودوا إلى منازلهم.

ووفق تقرير «الجزيرة»، الذي أعده إيهاب العقدي من زوطر الغربية في قضاء النبطية، وصلت نسبة الدمار في قرى مروحين ومارون الراس وبليدا ومحيبيب إلى 100%، بينما بلغت 90% في الخيام وعديسة مرجعيون.

وأشار التقرير إلى أن الجرافات الإسرائيلية لا تزال تتحرك في «المناطق الصفراء» وتواصل أعمال التدمير تحت ذريعة «استهداف البنية التحتية لحزب الله».

كما تناول التقرير وضع بلدة النبطية الفوقا، التي كانت منطقة نشطة بالحياة قبل الحرب، لكنها تحولت إلى منطقة مقفرة، فيما يصفها السكان بأنها «محتلة بالنار» مع استمرار القصف الإسرائيلي للمنطقة.

وبحسب التقرير، يمنع الخوف السكان من الاقتراب من منازلهم التي أصبحت على مرمى نيران القوات الإسرائيلية، رغم عدم وجود قوات برية إسرائيلية داخل البلدة.

ويرصد التقرير كذلك قصة مواطن يدعى محمد، يتجول يوميًا في زوطر الغربية لمتابعة مصير منزله ومزرعته مستعينًا بخريطة جوية، ليكتشف أن منزله والبيوت المحيطة به دُمرت بالكامل.

ويتكرر هذا المشهد، وفق التقرير، في قرى جنوبية عدة، حيث يستطيع السكان رؤية أراضيهم، لكنهم لا يستطيعون الوصول إليها، فيما يشاهدون منازلهم وهي تدمر أمام أعينهم.

وقال المواطن خليل إنه خسر 5 أبقار و50 خلية نحل، إلى جانب محاصيله من البصل والبطاطس جراء التجريف الإسرائيلي، مضيفًا: «رجعت لنقطة الصفر، ولم يتبق لي شيء»، ومعبرًا عن حيرته بشأن كيفية تأمين نفقات إعادة بناء منزله.

وفي السياق نفسه، قال الباحث في معهد السياسة البديلة آدم شمس الدين إن ما ترتكبه إسرائيل هو «جريمة حرب جديدة وجريمة تطهير عرقي وتهجير للسكان».

وأشار شمس الدين إلى أن تقارير الأمم المتحدة تحدثت عن عودة 800 ألف لبناني إلى منازلهم بعد وقف إطلاق النار الهش، معتبرًا أن ذلك يدل على استعداد سكان الجنوب للعودة حتى فوق ركام منازلهم.

وخلال مداخلة مع «الجزيرة»، حذر شمس الدين من أن إسرائيل تحدد مستقبل العلاقة الجغرافية مع المنطقة، خلافًا لما يجري تداوله في المفاوضات، مؤكدًا أن تل أبيب تحاول الوصول إلى مرحلة «تدير فيها الاحتلال ولا تدير فيها الانسحاب».

وأشار إلى أن كلمة «انسحاب» لم ترد أصلًا في الاتفاق الإطاري، بل جرى الحديث عن «إعادة تموضع خارج الحدود اللبنانية».

ولفت شمس الدين إلى أن اتفاق الإطار الموقع بين تل أبيب وبيروت برعاية واشنطن يصطدم بالواقع السياسي والميداني، موضحًا أن إسرائيل تنظر إلى المفاوضات من منظورها الأمني الخاص، وهي، بحسب تقديره، بعيدة عن الرغبة في التوصل إلى اتفاق مع الدولة اللبنانية.

وأضاف أن الاعتداءات على الجيش اللبناني مستمرة، في وقت تواجه فيه الدولة تحديات كبيرة في إعادة البنى التحتية التي دُمرت بالكامل، حتى في البلدات غير المشمولة بالمنطقة الصفراء.

وفي ظل هذه التطورات، تبقى ملفات أساسية عالقة، بينها تحديد الدول التي ستتولى مهمة التحقق من نزع سلاح حزب الله، وطبيعة انتشار القوات الأجنبية وعددها وآلية تنسيقها مع الجيش اللبناني، فضلًا عن تحديد المناطق التي ستنسحب منها القوات الإسرائيلية في المرحلة المقبلة.

كما يظل مصير جنوب لبنان موضع تجاذب سياسي وميداني، مع استمرار عمليات التجريف والتدمير وتزايد الضغوط المرتبطة بمسار التفاوض، بينما يواجه السكان أسئلة مفتوحة بشأن موعد العودة وإعادة الإعمار، في ظل غياب أفق سياسي واضح لإنهاء التوتر وترسيخ ترتيبات أمنية مستقرة في المنطقة.

اقترح تصحيحاً