تتواصل تداعيات أزمة الوقود والكهرباء في ليبيا، في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل والإنتاج، وتزايد الاعتماد على المولدات الخاصة، وما يرافق ذلك من ضغوط على الأسعار والقطاع الخاص والقدرة الشرائية للمواطن، وسط استمرار الجدل بشأن آليات توزيع الوقود، والدعم، والتهريب، ومدى قدرة الدولة على معالجة الاختلالات القائمة داخل منظومة الطاقة.
وحول ذلك، أكد رجل الأعمال حسني بي أن أزمة الوقود في ليبيا لا ترتبط فقط بمسألة توفر البنزين أو الديزل في المحطات، وإنما تعكس أزمة أعمق تتعلق بنموذج اقتصادي قائم على دعم الطاقة بصورة كبيرة، وما ينتج عنه من إفراط في الاستهلاك والهدر والتهريب، إلى جانب ضعف كفاءة منظومة الكهرباء والتوسع العمراني والصناعي غير المخطط.
وأوضح بي، في تصريحات لشبكة «عين ليبيا» ردًا على أسئلة حول أزمة الوقود والكهرباء وانعكاساتها على الأسعار والاقتصاد الليبي، أن إصلاح أزمة الطاقة يتطلب إعادة النظر في منظومة التسعير والتوزيع والدعم، والانتقال من دعم السلعة إلى دعم المواطن نقديًا، بالتوازي مع إصلاح قطاع الكهرباء ورقمنة منظومة الوقود.
وقال بي إن اختزال أزمة الوقود في ليبيا في مسألة توفر البنزين أو الديزل في المحطات تشخيص غير مكتمل، موضحًا أن ليبيا دولة منتجة ومصدرة للنفط والغاز، لكننا أنشأنا منظومة تجعل الطاقة شبه مجانية، وتشجع الإفراط في الاستهلاك والهدر والتهريب، ثم نحاول معالجة النتائج بمزيد من الوقود ومزيد من الرقابة.
وأضاف أن المشكلة الحقيقية هي منظومة الطاقة بكاملها: التسعير، والتوزيع، والكهرباء، والتهريب، وأنماط الاستهلاك، والتوسع العمراني والصناعي العشوائي.
وأوضح أنه عندما تباع الطاقة بجزء ضئيل جدًا من تكلفتها الاقتصادية لا يتعدى 3% وتمنح 97% طاقة مجانية، فإن الطلب عليها يصبح مفتوحًا تقريبًا، مشيرًا إلى أن المستهلك ليست لديه حوافز كافية للترشيد، وكبار المستهلكين يحصلون على دعم أكبر كلما استهلكوا أكثر، ويصبح تهريب الوقود نشاطًا شديد الربحية.
وقال: «لذلك لدينا ثلاثة مصادر متداخلة للنزيف: الإفراط في الاستهلاك + الهدر وعدم الكفاءة + التهريب».
وأشار إلى أن تقديراته التي بنى عليها مقترح إصلاح الدعم، فإن منظومة الطاقة والمحروقات، عند احتساب القيمة الاقتصادية للغاز والوقود المنتج محليًا والمستورد والكهرباء، تستنزف نسبة ضخمة من موارد الدولة تتعدى 45%.
وأضاف: «وبالتالي فإن السؤال الصحيح ليس: كيف نوفر كميات أكبر؟ بل: لماذا نحتاج أصلًا إلى هذه الكميات الهائلة؟ وأين تذهب؟»
ولفت بي إلى أن الكهرباء والمولدات تمثلان أحد الأسباب الخفية لارتفاع استهلاك الديزل، موضحًا أن هناك حلقة مهمة جدًا غالبًا ما تغيب عن النقاش.
وقال إنه عندما لا تستطيع شبكة الكهرباء المركزية توفير طاقة مستقرة، لا يختفي الطلب على الكهرباء؛ بل ينتقل من الشبكة إلى المولدات المنزلية والتجارية والصناعية.
وأضاف أن هذا يمثل انتقالًا من إنتاج مركزي يفترض أن يكون أعلى كفاءة إلى آلاف وحدات التوليد الصغيرة والمتوسطة ذات الكفاءة المتفاوتة والمنخفضة في كثير من الحالات.
وأوضح أن المحطة المركزية الحديثة، خصوصًا عندما تعمل بالغاز وبتقنيات الدورة المركبة، تستطيع إنتاج الكهرباء بكفاءة أعلى بكثير من مولد ديزل صغير يشغل منزلًا أو مخبزًا أو مطعمًا أو مصنعًا.
وأشار إلى أن انقطاع الكهرباء يخلق سلسلة اقتصادية خطيرة تتمثل في: ضعف الشبكة، شراء مولدات، ارتفاع استهلاك الديزل، زيادة الطلب على الوقود، زيادة فاتورة الاستيراد والدعم، مزيد من الضغط على الدولة والنقد الأجنبي.
وأكد أن إصلاح المحروقات دون إصلاح الكهرباء سيكون علاجًا لنصف المشكلة فقط.
وأوضح أن غياب المخططات نتجت عنه العشوائيات السكنية والصناعية والتي تمثل جزءًا كبيرًا من أزمة الطاقة، مشيرًا إلى أن التوسع العمراني والصناعي غير المخطط له خلق أحمالًا لم تصمم الشبكات الأصلية لاستيعابها.
وقال إن مناطق سكنية وتجارية وصناعية كاملة توسعت دون تخطيط متكامل للكهرباء والطرق والمياه والصرف والطاقة.
وأضاف أن الاقتصاد لا ينتظر اكتمال المخططات؛ فعندما لا تصل الخدمة العامة بالكفاءة المطلوبة، يخلق المواطن والمنشأة حلًا خاصًا.
وأشار إلى أن الحل في الكهرباء كان هو المولد، لكن الحل الفردي للمشكلة العامة غالبًا أكثر تكلفة وأقل كفاءة.
وقال إن مولدات المنازل والمخابز والمطاعم والمولات والمصانع أصبحت جزءًا من الطلب الوطني على الديزل.
وفيما يتعلق بوقف الديزل عن المخابز والمطاعم، أكد بي أن ذلك ليس علاجًا، موضحًا أنه إذا كان مخبز أو مطعم أو منشأة تجارية يعتمد على مولد بسبب عدم استقرار الكهرباء العامة، فمن غير المنطقي أن نعاقبه بحرمانه من الديزل قبل أن نوفر له الكهرباء.
وأضاف أن الرقابة الصحيحة لا تعني منع الوقود عن النشاط الاقتصادي المشروع، وأن المطلوب هو تتبع الوقود وليس تعطيل النشاط.
وأوضح أنه يمكن معرفة الطاقة الإنتاجية للمنشأة، وحجم مولداتها، وساعات التشغيل، واستهلاكها التقريبي، وربط الكميات الموردة بالفاتورة الإلكترونية والرقم الضريبي أو التجاري والعدادات والبيانات الرقمية.
وأشار إلى أنه عندما تصبح الطاقة في النهاية مسعرة وفق تكلفتها الاقتصادية، ستتراجع أصلًا الحاجة إلى نظام معقد لتخصيص الوقود، لأن أهم حافز للتهريب سيختفي.
وحول من يدفع زيادة تكلفة الديزل والكهرباء والدقيق، قال بي: «في النهاية المستهلك يدفع جميع التكاليف بدون استثناء، الحكومات لا تمتلك أموالًا، الحكومات تدير أموال المجتمع».
وأضاف أن المخبز والمطعم والمصنع لا يستطيعان امتصاص ارتفاع تكاليف الإنتاج إلى ما لا نهاية.
وأوضح أنه من المهم التمييز بين ارتفاع تكلفة أحد المدخلات وبين ارتفاع سعر المنتج النهائي بالنسبة نفسها.
وقال إنه إذا ارتفع سعر الديزل عدة أضعاف، فهذا لا يعني أن سعر رغيف الخبز يرتفع بالنسبة نفسها؛ لأن الوقود يمثل جزءًا فقط من تكلفة الرغيف إلى جانب الدقيق والأجور والإيجار والنقل والمعدات وغيرها.
وأضاف أن ما يهم هو وزن الطاقة داخل التكلفة النهائية، رغم أن التكلفة مدفوعة حتى مع توفر الدعم، مؤكدًا أنه لا يوجد شيء مجاني.
وأشار إلى أنه لهذا يجب حساب الأثر على كل قطاع، وليس إطلاق نسب عامة.
وقال: «وفي تصوري، إذا نُفذ إصلاح الطاقة ضمن برنامج استبدال نقدي حقيقي، فإن المواطن يحصل على التعويض مباشرة قبل أن يتحمل الأسعار الاقتصادية الجديدة».
وشدد بي على أنه لا يدعو إلى رفع الدعم عن المواطن، قائلًا إن هذه نقطة أساسية.
وأضاف: «أنا لا أدعو إلى أن توفر الدولة الأموال على حساب المواطن».
وأوضح أن ما يدعو إليه هو: دعم السلعة = صفر، دعم المواطن = مباشر ونقدي.
وقال إنه في النموذج الذي يقترحه، تباع الطاقة تدريجيًا وفق تكلفتها الاقتصادية، بينما يعاد للمواطن نقدًا في المرحلة الأولى ما يقارب 50% من القيمة الاقتصادية الحالية المقدرة للدعم، حيث 40% يهرب و25% استعمالات عامة، مع وضع سقف للبرنامج لا يتجاوز نحو 60% من التكلفة الحالية.
وأضاف أنه إذا كانت التكلفة الاقتصادية المقدرة تقارب 12 ألف دينار للفرد سنويًا وفق الفرضيات المستخدمة في النموذج، فإن نصفها يعادل نحو 6,000 دينار سنويًا أو 500 دينار شهريًا للفرد.
وأوضح أن ذلك يؤدي إلى تغير السلوك الاقتصادي بالكامل، بحيث من يستهلك أقل يحتفظ بجزء أكبر من أمواله، ومن يستهلك أكثر يدفع أكثر، وكبير المستهلكين لم يعد يحصل تلقائيًا على دعم أكبر من محدود الدخل.
وفيما يتعلق بالتهريب والدولار، أكد بي أن العلاقة مباشرة، موضحًا أن تهريب الوقود ليس مجرد سرقة لتر بنزين أو ديزل، بل له تكلفة بالنقد الأجنبي.
وقال إنه إذا استوردت ليبيا وقودًا بالدولار ثم بعته محليًا بسعر رمزي وخرج بعد ذلك عبر الحدود، فنحن عمليًا نصدر الدولار الليبي في صورة وقود مدعوم.
وأضاف أن كلما ارتفع الاستهلاك والهدر والتهريب احتجنا إلى مزيد من الاستيراد أو استهلكنا كمية أكبر من النفط والغاز التي كان يمكن تصديرها.
وأوضح: «في الحالتين نخسر دولارات: إما دولار ندفعه للاستيراد، أو دولار نفقده من التصدير».
وأشار إلى أن ذلك يضعف ميزان المدفوعات ويزيد الضغط على الاحتياطيات وعلى قدرة مصرف ليبيا المركزي على تلبية الطلب على النقد الأجنبي.
وحول علاقة ذلك بالسوق الموازية، قال إنه عندما تنخفض تدفقات النقد الأجنبي الصافية أو يرتفع الطلب عليه، بينما تستمر الدولة في ضخ كميات ضخمة من الدينارات من خلال الإنفاق العام، تتسع الاختلالات بين العرض والطلب على الدولار.
وأضاف: «لذلك لا يمكن فصل أزمة الوقود عن سعر الصرف».
وأوضح أن العلاقة غير مباشرة أيضًا، فالدعم يرفع الإنفاق، والتهريب يهدر موارد دولارية، والاستيراد يستنزف العملة الأجنبية، والكتلة النقدية تبحث عن الدولار.
وقال: «وهكذا تتحول مشكلة الطاقة في النهاية إلى مشكلة في ميزان المدفوعات وسعر الصرف والأسعار».
وفيما يتعلق بثروة النفط، قال بي إن هذه في رأيه إحدى أهم الأسئلة، مؤكدًا أن المشكلة ليست أن ليبيا لا تنتج النفط، وإنما المشكلة هي كيف نستخدم عائد النفط.
وأوضح أن ليبيا تحول جزءًا ضخمًا من الثروة النفطية إلى رواتب، ودعم، وطاقة شبه مجانية، واستهلاك، وواردات، ثم تستخدم جزءًا آخر من النفط والغاز لتوليد كهرباء غير كفؤة أو تعوض ضعف الكهرباء بمولدات تستهلك المزيد من الديزل.
وأضاف: «وفي النهاية نصدر النفط لكي نحصل على الدولار، ثم نستخدم جزءًا من الدولار لاستيراد وقود نبيعه محليًا بجزء بسيط من تكلفته، وقد يهرب جزء منه إلى الخارج».
ووصف هذه الدورة الاقتصادية بأنها غير مستدامة، مؤكدًا أن الحل هو تحويل جزء أكبر من الدولار النفطي من الاستهلاك إلى الاستثمار في الكهرباء، والطرق، والمياه، والتعليم، والصحة، والإسكان والبنية التحتية والقطاع المنتج.
وحول ما إذا كانت المشكلة في سعر الصرف أم الإنفاق أم ضعف الإنتاج، قال إن الثلاثة مترابطة، ولكن نقطة البداية في الحالة الليبية هي هيكل الإنفاق العام والاقتصاد الريعي.
وأوضح أن الدولة تحصل على معظم مواردها الخارجية من النفط بالدولار، بينما تنفق داخليًا بالدينار.
وقال إنه كلما توسع الإنفاق بالدينار دون زيادة مقابلة في الإنتاج الحقيقي، يرتفع الطلب على السلع المستوردة وعلى الدولار.
وأضاف أن ضعف الإنتاج المحلي يعني أن جزءًا كبيرًا من الطلب الإضافي يتحول إلى استيراد.
وأوضح أن الاختلال ينتقل من الإنفاق العام، إلى السيولة، ثم الطلب على الدولار، فسعر الصرف، وتكلفة الاستيراد، والأسعار، والقوة الشرائية.
وأكد أن معالجة سعر الصرف وحده لا تكفي، كما أن تثبيت سعر إداري لا يلغي المشكلة الاقتصادية التي تقف خلفه.
وحذر بي من التداعيات المحتملة لاستمرار مشاكل الكهرباء والوقود والإنفاق العام وسوق الصرف معًا، موضحًا أن القطاع الخاص سيواجه تكلفة متزايدة من جهتين.
وقال إن القطاع الخاص يدفع ثمن ضعف الخدمات العامة من خلال شراء مولدات وصيانتها وشراء الوقود، وفي الوقت نفسه يتحمل ارتفاع تكلفة المواد المستوردة نتيجة ضعف الدينار.
وأضاف أن هذه التكاليف تنتقل تدريجيًا إلى المستهلك.
وأشار إلى أن النتيجة المحتملة هي: ارتفاع تكلفة الإنتاج، ارتفاع الأسعار، انخفاض القوة الشرائية، ضعف الاستثمار، مزيد من الاعتماد على الدولة والاستيراد.
وأكد أن هذه دائرة يجب كسرها.
واختتم حسني بي حديثه بالتأكيد على أن الحل ليس المزيد من الوقود بل تغيير المعادلة، موضحًا أن أزمة الطاقة الليبية لا يمكن حلها بمزيد من الصهاريج ولا بمزيد من نقاط التفتيش وحدها.
وقال إن الحل يحتاج إلى برنامج متكامل يقوم على إعادة بناء كفاءة إنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء، وإعطاء الأولوية للغاز والتوليد المركزي الكفؤ.
كما دعا إلى إنهاء الاعتماد التدريجي على المولدات منخفضة الكفاءة باعتبارها بديلًا دائمًا للشبكة، ومعالجة التوسع العمراني والصناعي غير المخطط وربطه بشبكات رسمية قابلة للقياس والتحصيل، ورقمنة سلسلة الوقود من المستودع إلى المستهلك بدل وقف الإمدادات عن الأنشطة المنتجة.
كما شدد على ضرورة الانتقال من دعم السلعة إلى الدعم النقدي المباشر للمواطن، وبيع الطاقة تدريجيًا وفق تكلفتها الاقتصادية، واستخدام الوفر لخفض الإنفاق الاستهلاكي وحماية الاحتياطيات وتمويل التنمية.
وأكد أن القاعدة التي يرى أن الإصلاح يجب أن يقوم عليها هي: «لا نعالج التهريب بمنع الوقود عن المخبز، ولا نعالج الفقر بإبقاء الديزل شبه مجاني للمهرب وكبير المستهلكين. ندعم الإنسان مباشرة، ونسعّر الطاقة اقتصاديًا، ونصلح الكهرباء، ونترك للسعر والرقابة معًا مهمة ترشيد الاستهلاك وتجفيف التهريب».
وأضاف: «عندها فقط تتحول الثروة النفطية من وقود يُستهلك ويهدر ويهرب، إلى دخل للمواطن، واستقرار للدينار، واحتياطيات للدولة، ورأس مال لتمويل التنمية».





