أخرجت الولايات المتحدة الأمريكية سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد 47 عامًا من إدراجها فيها، في خطوة رحبت بها دمشق وحلفاؤها، فيما بقيت 3 دول على القائمة الأمريكية، هي إيران وكوريا الشمالية وكوبا.
وبحسب ما أوردته الجزيرة، ألغت واشنطن أمس الاثنين تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب، في قرار وصفه رئيس سوريا أحمد الشرع بأنه “تاريخي”.
وقالت وزارة الخارجية السورية إن القرار الأمريكي من شأنه الإسهام في جهود التعافي الاقتصادي، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار، وتعزيز الاستقرار والأمن في سوريا والمنطقة.
وأضافت الوزارة أنها تأمل أن تتبع القرار خطواتٌ أخرى تسهم في رفع ما تبقى من القيود التي تعوق تعافي البلاد.
ويعيد خروج سوريا من القائمة تسليط الضوء على الدول التي ما زالت مدرجةً فيها، وهي إيران وكوريا الشمالية وكوبا، وسط تاريخ طويل من العقوبات والتوترات السياسية والدبلوماسية بين واشنطن وهذه الدول.
وتعود قصة إيران مع قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب إلى مطلع ثمانينيات القرن الماضي، بعد مرحلة من التصعيد أعقبت الثورة الإيرانية عام 1979 وقطيعة العلاقات بين واشنطن وطهران.
وبعد أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران، تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية عمليات استهدفت الوجود الأمريكي في لبنان، بينها تفجير السفارة الأمريكية في بيروت في أبريل 1983، ثم تفجير ثكنات مشاة البحرية الأمريكية في بيروت في أكتوبر 1983، وهو الهجوم الذي أسفر عن مقتل 241 جنديًّا أمريكيًّا.
وفي 19 يناير 1984، أدرجت الولايات المتحدة إيران رسميًّا على قائمة الدول الراعية للإرهاب. وأعلن وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جورج شولتز القرار خلال إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان.
واتهمت واشنطن طهران بالمسؤولية عن تمويل وتخطيط ودعم هجمات استهدفت المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، عبر وكلاء وشبكات إقليمية بينها حزب الله اللبناني وجماعات مسلحة أخرى.
وخلال تسعينيات القرن الماضي، توسعت الاتهامات الأمريكية الموجهة إلى إيران، وربطت واشنطن طهران بهجمات دولية، من بينها تفجير مركز “إيه إم آي إيه” في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس عام 1994، وتفجير أبراج الخبر في السعودية عام 1996، الذي استهدف جنودًا أمريكيين.
وفي تلك المرحلة، بدأت وزارة الخارجية الأمريكية تصف إيران بأنها الدولة الأكثر نشاطًا في مجال رعاية الإرهاب.
ودخل الملف مرحلةً أخرى عام 2002، عندما أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن إدراج إيران ضمن ما وصفه بـ”محور الشر”، بالتزامن مع اتهامات أمريكية للحرس الثوري الإيراني، وخصوصًا فيلق القدس، بتقديم الأسلحة والتكنولوجيا والدعم إلى مليشيات مسلحة في العراق وأفغانستان لاستهداف القوات الأمريكية.
وفي أبريل 2019، اتخذت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطوةً أخرى عندما صنفت الحرس الثوري الإيراني “منظمة إرهابية أجنبية”، في قرار وصف بأنه غير مسبوق، باعتباره أول تصنيف من هذا النوع يطال جزءًا من جيش حكومي رسمي لدولة، بالتزامن مع استمرار إدراج إيران نفسها على قائمة الدول الراعية للإرهاب.
وبذلك بقيت إيران الدولة الأقدم على القائمة الأمريكية والأطول بقاءً فيها، وفق ما أوردته الجزيرة.
أما كوريا الشمالية، فهي الدولة الثانية على القائمة بعد إيران، ومرت علاقتها بهذا التصنيف بمراحل متقلبة بين الإدراج والشطب ثم إعادة الإدراج.
ففي 20 يناير 1988، أدرجت إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان كوريا الشمالية للمرة الأولى على قائمة الدول الراعية للإرهاب، على خلفية اتهامات أمريكية لبيونغ يانغ بالمسؤولية عن تفجير رحلة الخطوط الجوية الكورية الجنوبية 858 عام 1987 فوق البحر، وهو الهجوم الذي أسفر عن مقتل 115 شخصًا، إلى جانب حوادث أخرى.
واستمر التصنيف لسنوات قبل أن يقرر الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن شطب كوريا الشمالية من القائمة في 11 أكتوبر 2008، ضمن مسار تفاوضي يتعلق بالبرنامج النووي الكوري الشمالي.
وجاء الشطب في إطار تسوية دبلوماسية وافقت بموجبها بيونغ يانغ على تفكيك منشآتها النووية والسماح بعمليات تفتيش من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
لكن خروج كوريا الشمالية من القائمة لم يستمر، إذ أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إدراجها في 20 نوفمبر 2017، وسط تصاعد التوتر بين واشنطن وبيونغ يانغ بسبب التجارب الصاروخية.
وبررت الإدارة الأمريكية آنذاك الخطوة بسلسلة من الانتهاكات، بينها اغتيال كيم جونغ نام، الأخ غير الشقيق لزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، باستخدام غاز الأعصاب السام في مطار كوالالمبور الدولي في فبراير 2017.
أما كوبا، فهي الدولة الثالثة والأخيرة التي بقيت على قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب بعد خروج سوريا.
وتعود قصة كوبا مع القائمة إلى مارس 1982، عندما أدرجتها إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، متهمةً حكومة هافانا بتقديم الدعم والتدريب والمأوى لحركات تمرد مسلحة ومنظمات تصنفها الولايات المتحدة إرهابية في أمريكا اللاتينية، وفي مقدمتها القوات المسلحة الثورية الكولومبية.
وفي مايو 2015، خلال إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، أخرجت واشنطن كوبا من القائمة ضمن مسار لتطبيع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وقالت الولايات المتحدة آنذاك إن القرار استند إلى مراجعة استخباراتية أجرتها وزارة الخارجية الأمريكية، خلصت إلى أن كوبا لم تقدم دعمًا للإرهاب الدولي خلال الأشهر الستة السابقة، وأنها لا تستوفي التعريف القانوني للدول الراعية للإرهاب.
لكن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعادت كوبا إلى القائمة في 12 يناير 2021، قبل أيام من انتهاء ولايته الرئاسية الأولى وتسليم السلطة إلى الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن.
وأعلن وزير الخارجية الأمريكي آنذاك مايك بومبيو إعادة إدراج كوبا، مستندًا إلى أسباب بينها رفض هافانا تسليم قيادات “جيش التحرير الوطني” الكولومبي الذين كانوا موجودين في كوبا للمشاركة في محادثات سلام.
ووُصفت الخطوة حينها بأنها مسيسة، وسط اتهامات لإدارة ترامب بالسعي إلى تعقيد مسار العلاقات الأمريكية الكوبية أمام إدارة الرئيس اللاحق جو بايدن.
وفي أكتوبر 2022، طالب رئيس كولومبيا غوستافو بيترو وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بإنهاء ما وصفه بـ”الظلم” المتمثل في استمرار إدراج كوبا على القائمة، لكن الإدارة الأمريكية لم تستجب للطلب.
ويحمل تصنيف “الدول الراعية للإرهاب” أبعادًا تتجاوز الجانب القانوني، إذ ارتبط على مدار عقود بالعقوبات الاقتصادية والضغوط الدبلوماسية والسياسة الخارجية الأمريكية تجاه الدول المدرجة.
ومع شطب سوريا من القائمة بعد عقود من التصنيف، تصبح إيران وكوريا الشمالية وكوبا الدول الثلاث الوحيدة التي بقيت ضمن القائمة الأمريكية، في وقت يظل فيه هذا التصنيف جزءًا من ملفات سياسية ودبلوماسية معقدة بين واشنطن وهذه العواصم.
ترامب يعيد نشر تدوينة لوزير الخارجية السوري بشأن رفع تصنيف سوريا
أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مساء الاثنين، نشر تدوينة سابقة لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، عبّر فيها عن شكر دمشق للولايات المتحدة بعد قرار رفع تصنيف سوريا كـ«دولة راعية للإرهاب».
وكان الشيباني نشر تدوينته في 8 يوليو 2026، عقب إعلان الخطوة الأمريكية، وقال فيها: «ضمن توجيهات فخامة رئيس الجمهورية أحمد الشرع، أغلقنا صفحة سوداء في تاريخ سوريا برفع التصنيف الذي فرض عليها بسبب سياسات النظام البائد 1979».
وأضاف وزير الخارجية السوري: «كل الشكر والتقدير للولايات المتحدة بقيادة الرئيس ترامب على هذا القرار، ولصديقي وزير الخارجية ماركو روبيو وللسفير العزيز توم باراك ولكل من وقف إلى جانب سوريا».
وتأتي إعادة نشر ترامب لتدوينة الشيباني في سياق قرار أمريكي يتعلق بإلغاء تصنيف سوريا كـ«دولة راعية للإرهاب»، وهو تصنيف فرضته واشنطن على دمشق منذ عام 1979.
وفي 8 يوليو، بعث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسالة رسمية إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، أبلغه فيها ببدء الإجراءات الرسمية لإلغاء التصنيف، بالتزامن مع لقائهما في أنقرة على هامش قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو».
وقال ترامب في رسالته إنه أبلغ الكونغرس رسميًا بقراره شطب سوريا من القائمة، موضحًا أن القرار سيخضع لمراجعة الكونغرس لمدة 45 يومًا قبل تثبيته بصورة نهائية وفق القوانين الأمريكية.
وأضاف ترامب: «لقد وعدت بإزالة جميع العوائق التي تمنعكم من إعادة بناء بلدكم، وقريبًا جدًا ستتمكنون من القيام بذلك أخيرًا».
وأشار الرئيس الأمريكي إلى وجود شركات أمريكية مستعدة للاستثمار في سوريا والمساهمة في دفع عجلة النمو الاقتصادي، معربًا عن تطلعه إلى أن ينعكس القرار بصورة إيجابية على الشعب السوري، وأن يسهم في تعميق الشراكة بين واشنطن ودمشق.
ورحبت وزارة الخارجية السورية بالخطوة الأمريكية، ووصفتها بأنها إغلاق لـ«فصل مظلم» من تاريخ البلاد، معتبرة أن القرار يمكن أن يفتح المجال أمام عودة التعاملات المصرفية وجذب الاستثمارات الدولية للمساهمة في إعادة الإعمار.
ويأتي القرار في سياق توجه أمريكي نحو إزالة عدد من القيود التي تقول واشنطن إنها تعرقل إعادة بناء الاقتصاد السوري، فيما تراهن دمشق على تخفيف القيود المرتبطة بالتصنيف في تسهيل العلاقات الاقتصادية والمالية وجذب الاستثمارات.





