أعلنت وزارة التجارة التونسية ضخ 9 ملايين قارورة مياه في أسواق «تونس الكبرى»، التي تضم العاصمة وثلاث ولايات متاخمة، في محاولة لمواجهة نقص الإمدادات واضطراب التوزيع، بالتزامن مع موجة حر شديدة رفعت الطلب على المياه إلى مستويات قياسية.
وتشهد عدة مساحات تجارية ومحال بقالة طوابير طويلة بحثًا عن المياه المعلبة، وسط تراجع الإنتاج واضطرابات في سلاسل الإمداد، الأمر الذي انعكس على الأسعار وأدى إلى انتشار المضاربة، فيما اقتربت درجات الحرارة من 50 درجة مئوية في عدد من المناطق.
وقالت وزارة التجارة، في بيان نقلته وكالة «تونس أفريقيا للأنباء»، إنها ستضخ كميات كبيرة من المياه في الأسواق، على أن تتولى المصالح الرقابية متابعة عمليات التوزيع والإشراف عليها.
وتزامنت أزمة المياه المعبأة مع انقطاعات متكررة للكهرباء والمياه عبر شبكات التوزيع الحكومية، ما زاد من معاناة السكان ودفع إلى احتجاجات وقطع طرق في عدد من المدن والبلدات. كما شاركت وحدات من الجيش والحرس الوطني والحماية المدنية في توزيع المياه بالصهاريج على عدد من الولايات المتضررة.
وتعيش الأسواق التونسية خلال صيف 2026 أزمة واسعة في توفر المياه المعدنية والمياه المعلبة، مع اختفاء علامات تجارية من رفوف المتاجر وتشكل طوابير وحالات تدافع للحصول على القوارير. وتحولت الأزمة أيضًا إلى مادة للسخرية على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداول مستخدمون مقاطع فيديو تتعامل مع قوارير المياه باعتبارها سلعة نادرة وثمينة.
ونقلت صحيفة «لابريس» التونسية أن القلق يتزايد بين المستهلكين بسبب اضطرابات مياه الشبكة العامة وصعوبة العثور على المياه المعبأة، في وقت تواجه فيه البلاد ضغطًا على الإمدادات.
وقالت الغرفة النقابية الوطنية لصانعي المشروبات غير الكحولية إن الارتفاع الكبير في درجات الحرارة أدى إلى زيادة الطلب على المياه المعبأة بنحو 30 بالمئة مقارنة بالمعدلات الصيفية المعتادة، مشيرة إلى أن الزيادة تزامنت مع انقطاعات في الكهرباء أثرت على بعض وحدات الإنتاج والتعبئة.
ونقلت «لابريس» عن مدير المنافسة والأبحاث الاقتصادية بوزارة التجارة التونسية سمير الخلفاوي أن السوق كان يتوفر على كميات واحتياطيات مريحة خلال يونيو، قبل أن تتغير الظروف سريعًا في يوليو بفعل موجة الحر واضطراب عمليات التعبئة. ووصف الخلفاوي الأزمة بأنها ظرفية، متوقعًا أن يساعد تراجع درجات الحرارة على عودة الإنتاج والإمدادات تدريجيًا إلى مستوياتهما الطبيعية.
وفي أريانة، أدى وصول شحنة من المياه المعبأة إلى إحدى نقاط البيع في 19 أغسطس إلى اصطفاف عدد كبير من السكان والمارة لشراء القوارير، في مشهد عكس حجم الضغط على المعروض خلال ذروة الصيف.
ومع اتساع النقص، برزت المضاربة باعتبارها مشكلة إضافية، إذ كثفت وزارة التجارة عمليات الرقابة وأعلنت مصادرة أكثر من 147 ألف لتر من المياه المعبأة على خلفية مخالفات مرتبطة بشفافية المعاملات واحترام الأسعار.
وعلى المستوى الرسمي، تفقد الرئيس التونسي قيس سعيد منشآت مائية ومواقع إنتاج، وقال إن تكرار انقطاعات المياه والكهرباء «أمر غير طبيعي»، وأثار شبهات بشأن وجود أفعال متعمدة تقف وراء بعض الاضطرابات.
واعتبر الرئيس التونسي أن أطرافًا غير مسماة تسعى إلى تأجيج الأوضاع الداخلية من خلال احتكار المياه وافتعال أزمات في الإمدادات، مؤكدًا أن الهدف من ذلك، بحسب طرحه، تضييع حقوق الشعب وحرمانه من أبسط مقومات الحياة الكريمة.
وفي المقابل، نقلت وسائل إعلام محلية مواقف لصحفيين تونسيين عكست حجم الاستياء من الأزمة. وقال الصحفي فطين حفصية إنه اضطر إلى شراء مياه معدنية مهربة من ليبيا تحمل اسم «دجلة»، معلقًا على تغير المشهد بعدما كان الماء المعدني التونسي يُهرب سابقًا إلى ليبيا.
وانتقد الصحفي حسام الهمادي انقطاع الخدمات الأساسية خلال ساعات الليل في ظل رطوبة مرتفعة ودرجات حرارة تتجاوز 30 درجة مئوية، معتبرًا أن دولًا تعيش الحروب لا تشهد، بحسب رأيه، ما تشهده تونس خلال صيف 2026 من أزمات متفاقمة.
كما سلطت الصحفية وجدان بوعبد الله الضوء على التناقض بين انقطاع الكهرباء والمياه المعدنية في مدينتها وبين أخبار محلية تتحدث عن تقدم تونس في مؤشر الازدهار.
وفي مواجهة الاتهامات، نفت الغرفة النقابية الوطنية لمنتجي المشروبات غير الكحولية بشكل قاطع وجود أي توجه لدى منتجي المياه المعدنية لحجب المنتجات عن الأسواق أو افتعال الأزمة، مؤكدة أن 31 وحدة إنتاج تعمل حاليًا بأقصى طاقاتها الممكنة في مختلف أنحاء البلاد، بهدف تزويد الأسواق مباشرة وبشكل يومي.
وبحسب معطيات نقلتها وسائل إعلام محلية عن رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك لطفي الرياحي، يضم قطاع المياه المعدنية المعلبة في تونس 31 وحدة تعليب موزعة على 13 ولاية، بطاقة إنتاجية معلنة تبلغ نحو 520 ألف قارورة في الساعة، فيما يصل الإنتاج السنوي للقطاع إلى نحو 2.7 مليار لتر، مقابل نحو 2.6 مليار لتر في 2024.
وأشار الرياحي إلى أن استهلاك المياه المعلبة خلال يوليو من العام الماضي بلغ نحو 300 مليون لتر، بمعدل يقارب 10 ملايين لتر يوميًا، موضحًا أن ارتفاع درجات الحرارة يمكن أن يدفع الاستهلاك إلى زيادة بنحو 30 بالمئة مقارنة بالمستويات الصيفية المعتادة.
وقال عضو الغرفة الوطنية لتجار المواد الغذائية بالجملة علي الفوراتي إن استهلاك المياه المعلبة يرتفع خلال الصيف بين أربع وست مرات مقارنة ببقية فترات السنة، ما يستدعي استعدادًا مسبقًا في الإنتاج والتخزين والنقل والتوزيع، داعيًا إلى ضمان تزويد تجار الجملة بحصصهم بدلًا من الاقتصار على تزويد تجار التفصيل مباشرة.
من جهته، قدم الخبير في المياه حسين الرحيلي تقديرًا مختلفًا لحجم القطاع، متحدثًا عن إنتاج يقارب 1.2 مليار قارورة من المياه المعلبة، بما يعادل نحو 5 ملايين متر مكعب من المياه، وهو ما يمثل، بحسب تقديره، نحو 0.05 بالمئة فقط من إجمالي كمية المياه المستهلكة في تونس.
ورفض الرحيلي تفسير الأزمة باعتبارها نتيجة استنزاف استثنائي للمورد المائي من قطاع المياه المعلبة، معتبرًا أن المشكلة الأساسية تكمن في إدارة الإنتاج والتخزين والتوزيع، خصوصًا مع غياب منظومة فعالة للتخزين الاستراتيجي.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام محلية عن مختصين، فإن أزمة الإمدادات لا ترتبط بالظروف المناخية الحالية وحدها. وقالت المختصة في السياسات الاقتصادية خلود التومي إن امتلاء السدود لا يعني بالضرورة وصول المياه إلى المواطنين، في ظل تهالك البنية التحتية وتهميش الاستثمار العمومي خلال السنوات الماضية.
وأشار المحلل السياسي صهيب المزريقي إلى أن شبكة الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه لم تُحدّث منذ عام 1968، بينما يعاني قطاع الكهرباء، بحسب قوله، عجزًا يصل إلى 2000 ميغاواط بسبب التأخر في التحول نحو الطاقات البديلة.
ومع تصاعد الغضب الشعبي، وصف عضو تحرك نفس ربيع قاسم الأوضاع المعيشية الراهنة بأنها تحمل مقومات دولة منكوبة، فيما وصف الاتحاد الجهوي للشغل في صفاقس خطاب المؤامرة بأنه محاولة للتهرب من المسؤولية وتغطية الفشل الإداري.
وطرحت وسائل إعلام محلية حلولًا لتجاوز الأزمة، بينها فتح باب التفاوض مع صندوق النقد الدولي لتوفير تمويلات تضمن صيانة القطاعات الحيوية، إلى جانب وضع خريطة طريق طويلة ومتوسطة المدى لمعالجة الخلل الهيكلي في إدارة الإنتاج والتخزين والتوزيع، والاستفادة من توصيات الخبراء في قطاعي المياه والطاقة.





