الحوثيون.. كيف تحولت «حركة صعدة» إلى قوة تهدد أمن البحر الأحمر؟

تحولت جماعة أنصار الله، المعروفة باسم الحوثيين، خلال أكثر من ثلاثة عقود من حركة دينية وفكرية نشأت في محافظة صعدة شمالي اليمن إلى قوة عسكرية وسياسية تسيطر على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة من البلاد، وتؤثر في أمن الملاحة الدولية عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

وتستعرض هذه الخلفية نشأة الحركة وتطورها وأبرز محطاتها، وصولًا إلى دورها في الحرب اليمنية والتصعيد الإقليمي والهجمات على الملاحة والمنشآت في المنطقة.

وتعود جذور الحركة، وفق مصادر تاريخية، إلى النشاط الديني الزيدي في شمال اليمن خلال العقود التي سبقت اندلاع الحرب الأولى مع الحكومة عام 2004.

وتشير الجزيرة إلى أن “اتحاد الشباب” تأسس عام 1986 لتدريس شباب الطائفة الزيدية، وكان من بين مدرسيه بدر الدين الحوثي، قبل أن يتطور النشاط الزيدي بعد الوحدة اليمنية عام 1990 إلى مشروع سياسي من خلال حزب الحق.

وفي عام 1992، تأسس “منتدى الشباب المؤمن” كإطار للأنشطة الثقافية والتعليمية، قبل أن يتحول لاحقًا إلى حركة سياسية.

وبحسب الجزيرة، انتقل المنتدى عام 1997، تحت قيادة حسين بدر الدين الحوثي، من النشاط الثقافي إلى العمل السياسي، وحمل اسم “تنظيم الشباب المؤمن”.

وتنسب تسمية “الحوثيين” إلى عائلة الحوثي، فيما تُعرف الحركة رسميًا باسم “أنصار الله”.

وتولى حسين بدر الدين الحوثي قيادة الحركة خلال بدايات المواجهة مع الحكومة اليمنية، قبل أن يُقتل عام 2004، ويتولى والده بدر الدين الحوثي القيادة لفترة، ثم ينتقل منصب القيادة إلى عبد الملك الحوثي، وفق المصادر التاريخية التي تناولت مسار الجماعة.

وتبنت الحركة شعار “الصرخة”، الذي يتضمن عبارات “الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام”، وقالت مصادر إن الشعار ظهر في سياق تصاعد الخلاف مع السلطات اليمنية، خصوصًا بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

وفي المقابل، اتهمت السلطات اليمنية الحوثيين بالسعي إلى تحدي الدولة وإعادة نظام الإمامة، بينما قالت الحركة إن نشاطها يرتبط بالدفاع عن الهوية الزيدية ومواجهة ما تصفه بالتهميش السياسي والديني.

واندلعت أولى المواجهات المسلحة الواسعة بين الحوثيين والحكومة اليمنية في يونيو 2004.

وانتهت الجولة الأولى بمقتل حسين بدر الدين الحوثي في سبتمبر 2004، وفق ما أعلنته الحكومة اليمنية في حينه.

وتلت ذلك جولات أخرى من القتال بين الطرفين، وصولًا إلى الحرب السادسة التي بدأت عام 2009، واتسعت خلالها المواجهات لتشمل الحدود السعودية بعد امتداد القتال إلى الأراضي السعودية.

وانتهت الجولة السادسة بوقف إطلاق النار دون حسم عسكري نهائي، وفق المصادر التي تناولت تسلسل الحروب الست.

وشاركت جماعة الحوثيين في الاحتجاجات التي شهدها اليمن عام 2011 ضد نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح، قبل أن تدخل في مرحلة جديدة من التوسع العسكري والسياسي.

وبحسب الجزيرة، وقع الحوثيون على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني في يناير 2014، والتي نصت على نزع سلاح الجماعات المسلحة، لكن الجماعة لم تسلم أسلحتها، وخاضت في فبراير من العام نفسه معارك مع القوات الحكومية للسيطرة على مدينة عمران.

وانتهت المعارك بسيطرة الحوثيين على عمران في يوليو 2014، قبل أن يتقدموا باتجاه العاصمة.

وفي 21 سبتمبر 2014، سيطر الحوثيون على صنعاء واستولوا على مؤسسات حكومية ومقار عسكرية وإعلامية، وفق المصادر التي وثقت أحداث تلك المرحلة.

وجاء تقدم الحوثيين إلى العاصمة في ظل تحالف تكتيكي مع الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح وحزب المؤتمر الشعبي العام، مستفيدين من نفوذ صالح داخل مؤسسات الدولة والجيش.

لكن التحالف بين الطرفين انهار لاحقًا بسبب خلافات على السلطة وإدارة مؤسسات الدولة، وانتهى بمواجهات مسلحة في صنعاء ومقتل علي عبد الله صالح في ديسمبر 2017.

وفي مارس 2015، بدأت السعودية عملية “عاصفة الحزم” على رأس تحالف عسكري عربي في اليمن، استجابة لطلب الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء وتوسعهم باتجاه مناطق جنوبية.

وخلال سنوات الحرب، تطورت القدرات العسكرية للحوثيين، خصوصًا في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وتقول السعودية والحكومة اليمنية إن إيران قدمت للحوثيين دعمًا عسكريًا وتقنيًا وماليًا، فيما تنفي إيران والحوثيون تقديم دعم عسكري مباشر، وتؤكد طهران أن علاقتها بالجماعة تقوم على الدعم السياسي والأيديولوجي.

كما أشارت تقارير دولية إلى وجود دعم تدريبي واستشاري من حزب الله اللبناني للحوثيين.

وفي المقابل، ينفي الحوثيون الروايات التي تقدم الجماعة باعتبارها مجرد قوة تابعة لإيران، ويؤكدون أن قراراتهم العسكرية والسياسية مستقلة.

ومع اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023، بدأ الحوثيون شن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على سفن في البحر الأحمر وخليج عدن.

وقالت الجماعة إن هجماتها تستهدف السفن المرتبطة بإسرائيل أو المتجهة إلى موانئها، وإنها تأتي دعمًا للفلسطينيين وردًا على الحرب في غزة.

وأدت الهجمات إلى اضطراب حركة الملاحة في البحر الأحمر، ودفع عدد من شركات الشحن إلى تحويل سفنها حول رأس الرجاء الصالح بدلًا من المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس، ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات وتكاليف النقل والتأمين.

وردت الولايات المتحدة وحلفاؤها بشن ضربات جوية وبحرية على مواقع تابعة للحوثيين في اليمن، في محاولة للحد من الهجمات وحماية حركة الملاحة الدولية.

وتواصلت الهجمات البحرية خلال عام 2026، إذ ذكرت الجزيرة أن جماعة أنصار الله أعلنت مسؤوليتها عن استهداف سفينة الشحن “تهامة” قرب باب المندب في أغسطس 2026.

وقال الإعلام العسكري التابع للحوثيين إن قوات الجماعة “نفذت عملية استهداف لسفينة نقل معدات عسكرية سعودية في باب المندب”، بينما قالت وزارة النقل اليمنية إن السفينة، التي كانت تحمل مواد غذائية، تعرضت لثلاث ضربات متتالية بصواريخ باليستية واتهمت الحوثيين بتنفيذ الهجوم.

وأعلنت مصلحة خفر السواحل اليمنية مقتل 6 أشخاص وإصابة 10 آخرين في الهجوم، وفق ما نقلته الجزيرة، فيما قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إنها تلقت بلاغًا عن إصابة سفينة شحن قرب المخا بمقذوف مجهول وسقوط إصابات.

وفي يوليو 2026، أعلن الحوثيون ما وصفوه بـ”حصار بحري” على السعودية، وفق رويترز، في خطوة قالت مصادر إنها تزيد المخاطر على حركة الملاحة وإمدادات الطاقة في المنطقة.

وفي سبتمبر 2026، تصاعدت العمليات العسكرية على الساحل الغربي لليمن، مع تقدم حوثي باتجاه مناطق قريبة من مضيق باب المندب.

وقالت مصادر يمنية لوكالة رويترز إن الحوثيين شنوا هجمات على جزر حنيش الاستراتيجية في البحر الأحمر، فيما أفادت رويترز في تقرير آخر بأن القوات الحوثية سيطرت على جزيرة ميون، المعروفة أيضًا باسم بريم، في مضيق باب المندب، وعلى منطقة ذُباب الساحلية.

كما أفادت رويترز بأن الحوثيين سيطروا على مدينة المخا الساحلية وتقدموا باتجاه جزر في البحر الأحمر، ما قربهم من مضيق باب المندب، أحد أهم ممرات الشحن في العالم.

وتكتسب جزيرة ميون أهمية استراتيجية بسبب موقعها داخل مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.

وبحسب وكالة رويترز، فإن تقدم الحوثيين إلى الجزيرة يمنحهم موقعًا أكثر تأثيرًا على أحد أهم الممرات البحرية العالمية، في وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية.

وأثارت التطورات مخاوف بشأن أمن الملاحة الدولية، خصوصًا أن باب المندب يمثل طريقًا رئيسيًا لحركة السفن بين آسيا وأوروبا، بينما تواصل شركات الشحن تقييم المخاطر الأمنية قبل تحديد مساراتها.

وقالت وكالة أسوشيتد برس إن هجمات الحوثيين منذ أواخر عام 2023 أدت إلى انخفاض حركة الشحن في البحر الأحمر بنحو 60%، مع اتجاه شركات وسفن إلى طرق بديلة أطول وأكثر تكلفة.

وفي الوقت نفسه، يحاول بعض مشغلي الشحن إعادة خدماتهم تدريجيًا إلى البحر الأحمر وقناة السويس، رغم استمرار المخاطر الأمنية.

وأفادت الجزيرة بأن شركة ميرسك أعلنت في أغسطس 2026 استئناف خدمة إضافية عبر البحر الأحمر وقناة السويس ضمن شبكة “جيميني” التي تديرها بالتعاون مع هاباغ لويد، بعد عودة تدريجية لبعض الرحلات إلى هذا المسار.

وفي الجانب العسكري، أطلق الاتحاد الأوروبي عملية “أسبيدس” في فبراير 2024 لحماية الملاحة في البحر الأحمر، وتشمل مهمتها مرافقة السفن التجارية وحمايتها من الهجمات المحتملة.

وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، خلال زيارة إلى الفرقاطة الإيطالية “كارلو بيرغاميني” في جيبوتي في يوليو 2026، إن العملية وفرت الحماية لأكثر من 670 سفينة تجارية وأنقذت 128 بحارًا خلال 29 شهرًا من عملها، وفق ما نقلته الجزيرة.

وفي أحدث التطورات، أفادت تقارير بأن الحوثيين شنوا هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على أهداف في خميس مشيط وأبها وجازان داخل السعودية.

وقال التحالف الذي تقوده السعودية إن الهجمات أسفرت عن إصابة 73 شخصًا في جنوب المملكة.

وفي المقابل، أفاد الحوثيون بأن عشرات الغارات السعودية استهدفت مناطق في عدد من المحافظات اليمنية.

وتأتي هذه التطورات في ظل تصعيد واسع بين الحوثيين والسعودية، وفي وقت تحولت فيه الجماعة من طرف رئيسي في الحرب اليمنية إلى لاعب يؤثر في أمن البحر الأحمر وحركة التجارة والطاقة في المنطقة، وفق تقارير دولية تناولت التطورات الأخيرة.

اقترح تصحيحاً