في خطوة تعكس رغبة الاتحاد الليبي لكرة القدم في ترسيخ الاستقرار داخل المنتخب الوطني الأول، عقد منسق المنتخبات الوطنية، رفقة الجهازين الفني والإداري للمنتخب الأول، مؤتمراً صحفياً في العاصمة طرابلس، بحضور الأمين العام للاتحاد عبدالله أبوحجر، وعدد من وسائل الإعلام، خُصص للحديث عن قائمة المنتخب، والاختيارات الفنية، وبرنامج المرحلة المقبلة، والرؤية التي تحكم عمل الجهاز الفني استعداداً للاستحقاقات القادمة.
المؤتمر لم يكن مجرد مناسبة لتقديم قائمة اللاعبين أو الرد على التساؤلات الإعلامية، بل حمل في مضمونه رسالة واضحة من الاتحاد الليبي لكرة القدم مفادها أن المنتخب الوطني الأول والمنتخبات الوطنية بمختلف فئاتها تمثل أولوية أساسية في المرحلة الحالية، وأن الاتحاد يسعى إلى توفير ما يستطيع من إمكانات لتهيئة الظروف المناسبة أمام الأجهزة الفنية والإدارية للقيام بمهامها.
- الثقة في دابو والاستقرار قبل النتائج
وفي مقدمة الرسائل التي خرج بها المؤتمر، جاءت الثقة الكاملة في المدرب السنغالي يوسف دابو وجهازه الفني، ومنحه المساحة اللازمة للعمل وفق رؤيته الفنية، بعيداً عن التدخل في الاختيارات أو فرض أسماء بعينها.
وهي خطوة تبدو مهمة في ظل حاجة المنتخب الليبي إلى قدر أكبر من الاستقرار، خصوصاً أن تغيير المدربين والأفكار الفنية بصورة متكررة خلال السنوات الماضية لم يمنح المنتخب فرصة حقيقية لبناء مشروع طويل الأمد.
فالمنتخب لا يمكن أن يُبنى من مباراة إلى أخرى، ولا يمكن أن تكون كل مرحلة مرتبطة بتغيير المدرب أو إعادة تشكيل المجموعة بالكامل.
ومن هذا المنطلق، تبدو رسالة الاتحاد واضحة: الجهاز الفني مسؤول عن خياراته، والاتحاد مسؤول عن توفير الظروف التي تساعده على النجاح، والنتائج في النهاية هي المعيار.
ويأتي هذا التوجه في وقت يستعد فيه المنتخب الوطني لاستكمال مشواره في التصفيات المؤهلة إلى كأس أمم أفريقيا 2027، وهي مرحلة تحتاج إلى وضوح في المسؤوليات واستقرار في العمل أكثر من أي وقت مضى.
- دابو: الاختيارات مسؤولية فنية كاملة
المدرب يوسف دابو من جانبه حاول خلال المؤتمر وضع النقاط على الحروف بشأن اختياراته لقائمة المنتخب، مؤكداً أن الأسماء التي وقع عليها الاختيار جاءت بناءً على قناعة فنية ومسؤولية يتحملها الجهاز الفني بالكامل.
دابو، الذي يعرف عدداً كبيراً من عناصر المنتخب والمجموعة الموجودة أمامه، اختار مبدأ الاستمرارية، مع عدم إغلاق الباب أمام أي لاعب يمكنه تقديم الإضافة.
وهنا تكمن واحدة من أهم الرسائل التي أراد الجهاز الفني إيصالها؛ وهي أن ارتداء قميص المنتخب الوطني ليس امتيازاً دائماً للاعب، ولا يرتبط بالاسم أو التاريخ فقط، وإنما بما يقدمه اللاعب داخل الملعب، ومدى جاهزيته البدنية والفنية، وانضباطه وقدرته على خدمة المجموعة.
فالمنتخب، في نهاية المطاف، لا يحتاج إلى أسماء كبيرة بقدر حاجته إلى لاعبين جاهزين لخوض المعركة، مؤمنين بالمشروع، وقادرين على تنفيذ أفكار المدرب.
- أبواب المنتخب مفتوحة للجميع
الاتحاد الليبي لكرة القدم أكد بدوره أن أبواب المنتخبات الوطنية ستظل مفتوحة أمام جميع اللاعبين دون استثناء، وأن معيار الاختيار سيبقى مرتبطاً بالجاهزية والمردود الفني والانضباط والقدرة على تقديم الإضافة.
وهذه الرسالة مهمة في مرحلة يسعى فيها المنتخب إلى توسيع قاعدة الاختيارات، خصوصاً أن كرة القدم الليبية تزخر بعدد من اللاعبين الذين قد لا يكونون ضمن القائمة الحالية، لكن بإمكانهم فرض أنفسهم مستقبلاً من خلال الأداء.
وبالتالي، فإن القائمة الحالية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قائمة مغلقة، بل باعتبارها مجموعة اختارها الجهاز الفني لمرحلة محددة، مع استمرار المنافسة على جميع المراكز.
الرسالة الأهم هنا أن قميص المنتخب لا ينبغي أن يكون محجوزاً لأي لاعب، وفي المقابل لا ينبغي أن يُغلق الباب أمام أي لاعب يثبت أنه يستحق الفرصة.
- منتخب جديد بعقلية مختلفة
دابو شدد كذلك على إيمانه بقدرة المنتخب الوطني على المنافسة والنجاح، وهي نقطة تحمل أهمية كبيرة، لأن بناء المنتخب لا يبدأ من الأسماء فقط، وإنما من العقلية التي يدخل بها الفريق إلى المنافسات.
المرحلة المقبلة، وفق الرؤية التي طُرحت، لا يجب أن تقوم على الماضي أو على أسماء اللاعبين، وإنما على العمل والجاهزية والنتائج.
فالمنتخب الليبي يحتاج إلى التخلص من حالة انتظار “الجيل المثالي” أو اللاعب الذي سيأتي ليغير كل شيء، والعمل بدلاً من ذلك على بناء مجموعة متماسكة تستطيع أن تنافس بما لديها من إمكانات.
ولعل أهم اختبار لهذه الرؤية سيكون في المباريات الرسمية المقبلة، حيث لا مكان للأعذار، ولا قيمة لأي حديث عن المشروع إذا لم يتحول إلى أداء ونتائج داخل الملعب.
- الاتحاد يعلن: كل الإمكانات خلف المنتخبات
الجانب الإداري من المؤتمر حمل بدوره رسالة واضحة، بعدما أكد الاتحاد الليبي لكرة القدم أنه سيضع إمكاناته خلف المنتخبات الوطنية، والعمل على توفير المناخ المناسب للأجهزة الفنية والإدارية.
فالنجاح في كرة القدم الحديثة لم يعد مرتبطاً بالمدرب واللاعبين فقط، بل بمنظومة متكاملة تشمل التحضير، والإقامة، والمعسكرات، والمباريات الودية، والدعم الطبي واللوجستي، والاستقرار الإداري، وكل التفاصيل التي تساعد المنتخب على الوصول إلى المباراة وهو في أفضل حالاته.
ومن هنا، فإن منح الجهاز الفني كامل الثقة يجب أن يكون مصحوباً أيضاً بتوفير الأدوات التي تمكنه من تنفيذ أفكاره.
الثقة وحدها لا تكفي، والاستقرار وحده لا يكفي، واللاعبون وحدهم لا يكفون. النجاح يحتاج إلى منظومة تعمل في الاتجاه نفسه.
- المسؤولية أكبر من الاتحاد والجهاز الفني
وفي رسالة أخرى لا تقل أهمية، شدد الاتحاد على أن نجاح المنتخبات الوطنية مسؤولية وطنية مشتركة، لا تقع على عاتق الاتحاد أو الجهاز الفني واللاعبين وحدهم.
فالمنتخب الوطني هو صورة ليبيا في الملاعب الأفريقية والدولية، وبالتالي فإن دعمه يجب أن يكون مسؤولية تشترك فيها مؤسسات الدولة، والجماهير، والإعلام، والأندية، وكل مكونات الحركة الرياضية.
الإعلام الرياضي تحديداً يملك دوراً مهماً في هذه المرحلة، ليس فقط من خلال النقد، وإنما من خلال المساهمة في خلق بيئة تساعد المنتخب على العمل.
والنقد يبقى حقاً أصيلاً، بل ضرورة لتصحيح الأخطاء، لكن في المقابل فإن تحويل كل قائمة أو كل اختيار إلى أزمة جديدة لن يساعد المنتخب على بناء مشروع مستقر.
المنتخب يحتاج إلى النقد عندما يخطئ، وإلى الدعم عندما يعمل، وإلى المحاسبة عندما تظهر النتائج، بعيداً عن الأحكام المسبقة.
- الطريق إلى كأس أمم أفريقيا يبدأ من الداخل
استكمال مشوار التصفيات المؤهلة إلى كأس أمم أفريقيا 2027 سيكون الاختبار الحقيقي لمشروع يوسف دابو.
المرحلة المقبلة ستكشف مدى قدرة الجهاز الفني على تحويل أفكاره إلى شخصية واضحة داخل الملعب، ومدى قدرته على اختيار العناصر المناسبة لكل مباراة، والتعامل مع ظروف المنافسة، وصناعة منتخب يمتلك هوية واضحة.
وفي المقابل، سيكون الاتحاد مطالباً بتنفيذ ما تعهد به، خصوصاً فيما يتعلق بتوفير الإمكانات والاستقرار والظروف المناسبة.
فالحديث عن مشروع طويل الأمد يجب أن يتحول إلى عمل ملموس، من المنتخبات السنية إلى المنتخب الأول، ومن تطوير اللاعبين إلى تحسين ظروف التحضير والمنافسات.
- كلمة أخيرة.. المنتخب فوق الجميع
المعادلة التي يحتاجها المنتخب الليبي في المرحلة المقبلة بسيطة في شكلها، لكنها صعبة في تطبيقها:
الاتحاد يوفر الإمكانات، الجهاز الفني يختار ويخطط، اللاعبون ينفذون ويقاتلون داخل الملعب، والجماهير والإعلام يساندان وينتقدان بمسؤولية.\، عندها فقط يمكن أن يبدأ الحديث عن مشروع حقيقي.
أما المنتخب الذي يتغير مدربه مع كل إخفاق، وقائمته مع كل مباراة، وخطته مع كل ضغط، فلن يستطيع الوصول إلى الاستقرار الذي تحتاجه كرة القدم الحديثة.
يوسف دابو حصل على الثقة والمساحة، والاتحاد أعلن أنه يقف خلف المنتخبات الوطنية، والأبواب فُتحت أمام كل لاعب قادر على تقديم الإضافة.
- الآن يأتي دور الملعب
ففي النهاية، قميص المنتخب الوطني لا يحمله اسم لاعب أو مدرب أو مسؤول، وإنما تحمله راية ليبيا بأكملها.
والهدف يجب أن يكون واضحاً للجميع: بناء منتخب قادر على المنافسة، استعادة الثقة، تحقيق النتائج، والعودة إلى الواجهة الأفريقية بصورة تليق بتاريخ الكرة الليبية وطموحات جماهيرها.





