أعلنت وزارة الطاقة السورية حزمة إجراءات جديدة لمواجهة أزمة المشتقات النفطية، تتضمن طرح ثلاثة أنواع من المازوت بأسعار ومواصفات مختلفة، وإعادة تشغيل عدد من المصافي المحلية، بالتزامن مع استمرار أعمال التأهيل الشامل في مصفاة بانياس التي خفض توقفها المؤقت قدرة سوريا على تكرير النفط وزاد الحاجة إلى استيراد المشتقات الجاهزة.
وقال وزير الطاقة السوري محمد البشير، خلال مؤتمر صحفي عقده اليوم الخميس في دمشق مع الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي، إن الوزارة قررت اعتماد خيارات متعددة للمازوت بدل حصر السوق بمنتج واحد مرتفع المواصفة والتكلفة، بحيث يرتبط السعر والمواصفات بطبيعة الاستخدام والجهة المستفيدة.
وأوضح البشير أن القرار جاء عقب اجتماع مع الرئيس السوري أحمد الشرع، جرى خلاله بحث مجموعة من البدائل العملية للتعامل مع ارتفاع تكاليف تأمين المشتقات النفطية وتأثيرها على المواطنين والقطاعات الإنتاجية والخدمية.
وبموجب الخطة الجديدة، سيطرح المازوت بثلاثة أسعار رئيسية، يبدأ أولها من 115 ليرة سورية لليتر، وهو نوع مدعوم يخصص للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة للدعم.
وقال البشير إن كامل إنتاج عدد من المصافي المحلية التي يجري إعادة تشغيلها سيخصص لإنتاج هذا النوع من المازوت، على أن تتولى الشركة السورية للبترول والمحافظات والجهات المعنية تنظيم عملية توزيعه وضمان وصوله إلى المستفيدين المحددين.
أما النوع الثاني فسعره 150 ليرة سورية لليتر، ويخصص لبعض الاستخدامات الإنتاجية والخدمية والآليات الهندسية والمعدات الثقيلة.
وقال وزير الطاقة إن هذا النوع جرى تأمينه بالتعاون مع دول وصفها بالشقيقة، في إطار البحث عن مصادر وخيارات متعددة لتغطية احتياجات السوق وتخفيف تكلفة الوقود عن القطاعات التي تحتاج إلى كميات كبيرة منه.
وفي المقابل، يستمر طرح المازوت بالمواصفات القياسية بسعر 175 ليرة سورية لليتر.
ويأتي اعتماد الأسعار الثلاثة في محاولة للفصل بين احتياجات القطاعات المختلفة، بحيث لا تضطر جميع الجهات إلى شراء النوع الأعلى تكلفة والمواصفات، فيما يحصل المستفيدون من الدعم والقطاعات ذات الأولوية على أنواع أقل سعرًا.
وتزامن الإعلان عن هذه الإجراءات مع استمرار الضغوط التي تواجه سوق المحروقات السورية، بعدما رفعت السلطات أسعار المشتقات النفطية بصورة مؤقتة في 13 سبتمبر الجاري، وحددت سعر المازوت عند 175 ليرة لليتر، في وقت قالت فيه وزارة الطاقة إن القرار ارتبط بارتفاع تكاليف تأمين المشتقات عالميًا وبأعمال الصيانة الشاملة في مصفاة بانياس.
وتأتي أزمة الإمدادات في وقت تشهد فيه أسواق الطاقة العالمية ارتفاعًا في تكاليف المنتجات المكررة والشحن والتأمين، بينما أدى توقف مصفاة بانياس إلى زيادة اعتماد سوريا مؤقتًا على استيراد المشتقات النفطية الجاهزة.
وكانت وزارة الطاقة السورية قد قالت إن ارتفاع أسعار المشتقات لم يرتبط بأسعار النفط الخام وحدها، وإنما جاء نتيجة مجموعة من العوامل، بينها ارتفاع تكاليف المنتجات المكررة والشحن والتأمين واضطرابات مسارات نقل الطاقة، بالتزامن مع تراجع القدرة المحلية على التكرير خلال أعمال صيانة مصفاة بانياس.
وفي إطار معالجة جانب من فجوة التكرير، أعلن البشير إعادة تشغيل عدد من المصافي المحلية التي تعمل بالطاقة الكهربائية، بطاقة إجمالية تصل إلى 35 ألف برميل من النفط الخام يوميًا.
وستعمل هذه المصافي تحت إدارة وإشراف الشركة السورية للبترول، وفق ضوابط تتعلق بسلامة التشغيل وجودة المنتجات والحد من الآثار البيئية، بحسب وزارة الطاقة السورية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة خلال فترة توقف مصفاة بانياس، لأنها تتيح استعادة جزء من قدرة التكرير المحلية وتقليل الضغط على واردات المشتقات، ولو بصورة جزئية.
أما مصفاة بانياس، فأوضح وزير الطاقة أنها تخضع لعمرة شاملة وضرورية فرضتها حالتها الفنية بعد سنوات من التشغيل.
وتشمل أعمال التأهيل استبدال وإعادة تأهيل وحدات ومعدات رئيسية في المصفاة، بهدف رفع كفاءتها وزيادة قدرتها التكريرية إلى نحو 130 ألف برميل يوميًا بعد عودتها إلى العمل.
وقال البشير إن توقف المصفاة تزامن مع ظروف استثنائية في أسواق الطاقة العالمية، ما رفع تكلفة تأمين المشتقات المستوردة، مشيرًا إلى أن الحاجة إلى استيراد المنتجات النفطية الجاهزة ارتفعت بصورة مؤقتة خلال فترة أعمال الصيانة.
وبحسب وزارة الطاقة، فإن عودة مصفاة بانياس إلى العمل وزيادة قدرات التكرير المحلية يمكن أن تساعد في خفض تكلفة تأمين المشتقات وتقليل الاعتماد على الاستيراد، فيما ستنعكس أي وفورات ناجمة عن انخفاض الأسعار العالمية أو تكاليف الشحن والتأمين على الأسعار المحلية عبر لجنة تحديد الأسعار.
وتكشف أرقام الإنتاج والاستهلاك عن حجم التحدي الذي تواجهه سوريا في قطاع الطاقة.
وقال البشير إن إنتاج سوريا الحالي من النفط يبلغ نحو 108 آلاف برميل يوميًا، في حين تتجاوز الاحتياجات الفعلية 300 ألف برميل يوميًا.
وتعني هذه الفجوة أن الإنتاج المحلي لا يغطي سوى جزء من احتياجات البلاد، ما يجعل السوق السورية شديدة التأثر بأسعار المشتقات في الأسواق العالمية وبكلفة النقل والتأمين وتوافر الإمدادات الخارجية.
وكانت وزارة الطاقة قد أشارت في وقت سابق إلى أن تقليل اعتماد سوريا على الخارج يحتاج إلى زيادة إنتاج النفط والغاز، وإعادة تأهيل الحقول والآبار، ورفع قدرات التكرير، إلى جانب تأهيل المصافي وخطوط النقل والمنشآت الاستراتيجية وتعزيز التخزين وتنويع مصادر التوريد.
وتأتي الإجراءات الجديدة بعد موجة اعتراضات على ارتفاع أسعار المحروقات، إذ شهدت مدن سورية خلال الأيام الماضية احتجاجات مرتبطة بغلاء الوقود وتدهور الأوضاع المعيشية.
وقالت رويترز إن رفع أسعار الوقود أدى إلى احتجاجات واسعة، مع ارتفاع سعر الديزل بنسبة 40% في الزيادة الأخيرة، في ظل ضغوط اقتصادية كبيرة تواجه السكان، فيما ربطت وزارة الطاقة الزيادة بارتفاع تكلفة الاستيراد وأعمال الصيانة في مصفاة بانياس.
كما انعكست أسعار الوقود الجديدة على قطاع النقل، إذ قالت مديرية تنظيم نقل البضائع إن ارتفاع أسعار المشتقات، وخصوصًا المازوت، أثر بصورة كبيرة على حركة نقل البضائع، مع تسجيل توقف شبه كامل في بعض المحافظات وإضرابات من جانب عدد من أصحاب الشاحنات.
وفي هذا السياق، تراهن وزارة الطاقة على أن تنويع أنواع المازوت وأسعاره، إلى جانب إعادة تشغيل المصافي المحلية وعودة مصفاة بانياس إلى العمل، يمكن أن يوفر مسارات متعددة لتأمين الوقود خلال المرحلة الحالية.
وقال البشير إن الهدف هو ضمان توافر المشتقات واستمرار الإمدادات دون انقطاع، وزيادة الإنتاج المحلي، وإيصال الدعم إلى مستحقيه، وتخفيف الأعباء عن المواطنين والقطاعات الإنتاجية قدر الإمكان.
وتعمل الشركة السورية للبترول بالتوازي على إعداد خطة فنية وتشغيلية لتنفيذ الإجراءات الجديدة، بما يشمل تنظيم إنتاج المصافي المحلية وآليات توزيع الأنواع المختلفة من المازوت وفق الاستخدامات المحددة لها.
وبذلك تدخل سوق المشتقات النفطية السورية مرحلة جديدة تقوم على تعدد أنواع المازوت بدل اعتماد سعر واحد للمنتج، فيما تبقى عودة مصفاة بانياس إلى العمل وزيادة الإنتاج والتكرير المحليين من أبرز العوامل المرتبطة بمسار أزمة الوقود خلال الفترة المقبلة.





