سوريا على وقع توترات متزامنة.. ماذا يجري في حماة والحسكة والسويداء وحمص؟

تشهد عدة مناطق سورية توترات أمنية واجتماعية متزامنة، تتراوح بين مواجهات محلية واحتكاكات ذات طابع طائفي أو مجتمعي، وتحركات احتجاجية، إلى جانب تطورات سياسية وأمنية مرتبطة بالسويداء والحسكة وحماة، في وقت تتواصل فيه دعوات إلى ضبط السلاح ومنع التصعيد ومعالجة الخلافات عبر القانون.

في مدينة السقيلبية بريف حماة الغربي، شهدت المنطقة مساء السبت توترًا أمنيًا ومواجهات بين شبان، تخللتها أضرار مادية وإطلاق نار واعتداءات طالت محال تجارية وممتلكات خاصة، قبل انتشار قوى الأمن الداخلي في المدينة وقلعة المضيق المجاورة لاحتواء الموقف وإعادة الهدوء.

وقالت مديرية إعلام حماة إن مشاجرة نشبت بين عدد من شبان السقيلبية، ووصفت ما جرى بأنه يأتي في ظل «محاولات تحريض ممنهجة بين مكونات الشعب السوري»، متهمة منصات معادية بالسعي إلى «النيل من وحدة النسيج الاجتماعي وزرع الفتنة بين أبناء الوطن الواحد».

وأضافت المديرية أن الانتشار الأمني في السقيلبية وقلعة المضيق جاء بهدف «ضبط الأوضاع ومنع أي تجاوزات»، مشيرة إلى اعتقال جميع المتورطين في المشاجرة تمهيدًا لإحالتهم إلى الجهات القضائية المختصة.

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، بدأت الأحداث بدخول شبان من بلدة مجاورة إلى السقيلبية، ذات الغالبية المسيحية، حيث قال المرصد إن أحدهم تحرش لفظيًا بفتاتين من أبناء المدينة في منطقة شارع المشوار، ما دفع عددًا من شبان السقيلبية إلى التدخل، لتقع مشاجرة بين الطرفين انتهت بإخراج الشبان من المدينة.

وقال المرصد إن مجموعة من خارج السقيلبية وصلت لاحقًا على خلفية الحادثة فيما يُعرف محليًا بـ«الفزعة»، لتتصاعد الأحداث وتشهد المدينة إطلاق نار واعتداءات وأعمال تكسير طالت محال تجارية وممتلكات خاصة، وسط حالة من الخوف والتوتر بين الأهالي.

وأشار المرصد إلى أن الأجهزة الأمنية اعتقلت 3 شبان من أبناء السقيلبية، فيما تتواصل التحقيقات لكشف ملابسات ما جرى وتحديد المسؤولين عن أعمال العنف.

وكان المرصد قد أشار مساء السبت إلى أن السقيلبية شهدت هجومًا مسلحًا من جانب مجموعة أشخاص يُعتقد أنهم قدموا من جهة قلعة المضيق، بالتزامن مع إطلاق نار باتجاه عدد من المحال التجارية والمنازل، وسط حالة من التوتر والاستنفار بين الأهالي.

وفي أعقاب الأحداث، دعا كاهن الرعية في السقيلبية الأب فادي سنكري أبناء رعيته إلى التماسك وحماية بعضهم بعضًا، ولا سيما النساء والأطفال وكبار السن، ورفض الانجرار إلى الفوضى أو الانتقام.

وقال سنكري إن ما جرى «مرفوض ومدان»، مشددًا على مسؤولية الجهات المعنية عن حماية الأهالي، وعلى أن «السلاح المنفلت لا يمكن أن يكون بديلًا عن دولة القانون».

وطالب بالأمن والعدل والمحاسبة بعيدًا عن الثأر، محذرًا من تحول السقيلبية إلى ساحة للفوضى، ومؤكدًا أن «الدم إذا سال لا يعيد بيتًا ولا يحمي مستقبلًا».

وأكد المرصد السوري لحقوق الإنسان ضرورة معالجة تداعيات الحادثة وفق الأطر القانونية، وإجراء تحقيق شفاف في كامل ملابساتها، بما يضمن محاسبة جميع المتورطين في أعمال العنف دون انتقائية، وعدم تحميل المسؤولية لأي جماعة أو منطقة بصورة جماعية، واتخاذ إجراءات لحماية المدنيين ومنع تكرار حوادث تهدد السلم الأهلي والاستقرار في المنطقة.

وتأتي أحداث السقيلبية بعد توترات ومواجهات مماثلة شهدتها المنطقة في مارس الماضي، تطورت حينها إلى أعمال شغب وتكسير للمحال والسيارات، قبل تدخل الجهات المعنية وأهالي المنطقة لاحتواء الوضع.

وترتبط بعض هذه الإشكالات بخلافات فردية سابقة بين شبان من السقيلبية وقلعة المضيق، قبل أن تتوسع في بعض الحالات وتستدعي تدخل قوات الأمن ووساطات اجتماعية ودينية.

وشهدت المنطقة بعد أحداث سابقة جلسات صلح شارك فيها وجهاء ورجال دين وأهالي السقيلبية وقلعة المضيق، وبرز خلالها التشديد على الوحدة الوطنية ورفض التخريب.

وقال المطران والوكيل البطريركي رومانوس الحناة في رسالة حينها إن «سوريا للسوريين، ويجب عدم السماح لأي شخص بالتخريب مهما كان».

وأكد مسؤول مجلس الصلح للقبائل والعشائر «الحاج ميسر» أن «نحن أبناء منطقة واحدة وسنكون جسرًا للسلام في هذه المنطقة»، فيما قال الخوري لويس سكاف إن المساعي يجب أن تتوجه نحو «بناء الوطن وليس هدمه».

وفي الحسكة، شهدت مدينة الدرباسية السبت مظاهرة شارك فيها العشرات تلبية لدعوة المبادرة الشعبية، تنديدًا بحادثة إحراق الرموز الكردية التي وقعت الجمعة في مدينة الحسكة.

وانطلقت المظاهرة من أمام مشفى الشهيد خبات، وجاب المشاركون شوارع المدينة وصولًا إلى مركز السوق الرئيسية، حيث افتتح برنامج التظاهر بالوقوف دقيقة صمت إجلالًا لأرواح الشهداء.

وقُرئ خلال المظاهرة بيان باسم الإرادة الشعبية تلاه إبراهيم علي، استنكر فيه المشاركون الممارسات التي استهدفت الرموز الكردية، ووصفوها بأنها تجاوزات وخروقات تهدف، بحسب البيان، إلى إثارة الفتنة والنيل من التلاحم المجتمعي.

وأكد البيان تمسك الشعب الكردي بوحدته وتلاحمه ومواصلة النضال من أجل حماية مكتسباته وقيمه المعنوية، كما شدد على رفض محاولات زرع الفتنة واستهداف الرموز والقيم الكردية.

وفي ملف آخر، أصدر حاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان قرارات بإنهاء تكليف عشرات الموظفين لدى فروع المصرف في المحافظات وإعادتهم إلى دمشق.

ووفقًا لمصادر خاصة من داخل المصرف، فإن غالبية الموظفين المشمولين بالقرارات ينتمون إلى أبناء الطائفة العلوية، فيما تنص القرارات، بحسب المصادر، على إعادتهم إلى دمشق، مع ما يترتب على ذلك من تكاليف مرتبطة بالسكن والتنقل والاستقرار في العاصمة وسط ظروف معيشية صعبة يواجهها الموظفون الحكوميون.

وقالت المصادر إن غالبية الموظفين المعنيين يحملون شهادات جامعية من الفئة الأولى، فيما يحمل بعضهم شهادات دكتوراه، وإنهم وجدوا أنفسهم أمام خيار الاستقالة أو قبول التكليف بالعمل في مدينة المعارض.

وتبرز أمام مصرف سوريا المركزي تحديات مرتبطة بتركة النظام السابق، بينها النقص الحاد في السيولة الأجنبية والتضخم، إضافة إلى عقبات تقنية تتعلق بنظام سويفت وضعف المعايير الدولية المعتمدة.

وتتضمن الملفات المطروحة أمام المصرف العمل على إعادة الثقة والاستقرار، وجذب الودائع، وتضييق الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسوق الموازية، وتعزيز الرقابة على الأسواق المصرفية.

وكان حاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان قال قبل أيام إن حجم رؤوس الأموال الأجنبية الوافدة لتأسيس مصارف جديدة في سوريا خلال الفترة المقبلة سيتجاوز مليار دولار، في إطار أهداف أعلنها المصرف لتشجيع الاستثمار وحماية حقوق الزبائن وفتح ممرات تحويل آمنة عبر القنوات الرسمية.

وفي الجنوب السوري، جدد الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في إسرائيل الشيخ موفق طريف دعمه لدروز جبل الدروز والسويداء.

وقال طريف خلال زيارته السنوية لأحد المزارات الروحية للطائفة، مزار الشيخ أبي يوسف أمين طريف في جولس، «نحن على العهد والوعد لنصرة أهلنا في جبل الدروز والسويداء، حتى انتزاع الحقوق وتحقيق مطالبهم بكرامة»، مضيفًا: «جبل الدروز عصيّ على كل معتد، ومكانته أقوى من كل ظالم».

وشدد طريف على استمرار دعم أبناء الطائفة في إسرائيل لأهلهم في جبل الدروز والسويداء «بكل ما أوتوا من عزم وإمكانيات»، بهدف مساندة صمودهم وإيصال صوتهم إلى المحافل الإقليمية والدولية.

ودعا قيادات الجبل إلى وحدة الصف والكلمة في القضايا المصيرية، مؤكدًا أن «الوحدة هي صمام الأمان للصمود والسبيل للحفاظ على الحقوق والمكانة ومواجهة التحديات».

وكان طريف لعب دورًا في الأحداث التي شهدتها السويداء صيف العام الماضي، حين تصاعدت المواجهات في المحافظة، فيما اعتصم الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في سوريا الشيخ حكمت الهجري في المدينة رافضًا تلقي الأوامر من دمشق، بحسب الرواية الواردة في المادة.

ومارس طريف وأبناء الطائفة ضغوطًا على الحكومة الإسرائيلية للتدخل العسكري لوقف تقدم الجيش السوري نحو السويداء، قبل أن تنفذ طائرات مسيرة إسرائيلية ضربات استهدفت أرتالًا عسكرية سورية متقدمة نحو المحافظة، أعقبتها ضربات على وزارة الدفاع والقصر الجمهوري في دمشق.

وأفضت تلك التطورات إلى قبول الجانب السوري بوقف إطلاق النار والبقاء خارج المحافظة قرب خط تماس في ريف السويداء، حيث تتواصل، وفق المعلومات الواردة، اشتباكات متقطعة وخرق للتهدئة بين الجانبين.

ويأتي ذلك في سياق أمني أوسع تشهده سوريا، إذ شهدت محافظة حمص قبل أيام هجومًا استهدف حافلة تقل موظفين أثناء مرورها على جسر مصياف وسط المحافظة، وأسفر عن مقتل 7 أشخاص وإصابة 4 آخرين.

وقالت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» إن مسلحين مجهولين استهدفوا الحافلة.

ونقلت وكالة «رويترز» عن مصدر في مديرية صحة حمص أن المصابين نقلوا إلى المستشفيات لتلقي العلاج.

وقال قائد الأمن الداخلي في حمص العميد باسم محمد شعبان إن الحافلة كانت تقل موظفين أثناء عودتهم إلى منازلهم، مضيفًا أن قوى الأمن الداخلي بدأت ملاحقة المسؤولين عن الهجوم والعمل على تحديد هوياتهم وإحالتهم إلى القضاء المختص.

وأضاف شعبان أن السلطات تتعامل مع الاعتداء باعتباره محاولة لضرب أمن حمص وزعزعة الاستقرار، مؤكدًا أن المسؤولين عنه سيخضعون للمحاسبة.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن جميع الضحايا الذين كانوا على متن الحافلة ينتمون إلى الطائفة العلوية.

وتأتي هذه التطورات في ظل توترات أمنية ومجتمعية مستمرة في سوريا، ولا سيما بعد أعمال العنف التي شهدها الساحل السوري، ذي الغالبية العلوية، في مارس 2025، والتي أسفرت، وفق المعلومات الواردة، عن مقتل أكثر من 1400 شخص.

وفي ريف حماة الغربي، يرتبط تكرار التوترات أيضًا بإرث جغرافي وأمني تشكل خلال سنوات الثورة السورية، إذ كان سهل الغاب والمنطقة الممتدة بين السقيلبية وقلعة المضيق مسرحًا لتحولات ميدانية وخطوط اشتباك بين فصائل الثورة السورية وقوات النظام السابق حتى سقوط النظام في ديسمبر 2024.

وانعكس هذا الإرث على التفاعلات الرقمية المحيطة بالأحداث، إذ وثق تقرير صادر عن وحدة «مكافحة تضليل المعلومات» في إدارة الإعلام الرقمي بوزارة الإعلام السورية مسارًا رقميًا وصفه بأنه يتسم بـ«السرعة والتنسيق والتضليل»، وقال إنه يهدف إلى تضخيم الخلافات الاجتماعية المحلية وإعادة تأطيرها ضمن سياقات سياسية وطائفية.

وأوضح التقرير، الذي نشرته الوزارة في مارس الماضي عقب الأحداث التي شهدتها المنطقة، أن الحملة الرقمية اعتمدت على وسوم تحريضية وتغريدات منسقة انطلقت من داخل سوريا وخارجها، بما فيها حسابات قالت الوزارة إنها مرتبطة بـ«فلول النظام البائد»، للترويج لروايات عن سقوط قتلى ووقوع اعتداءات على دور العبادة، وهي روايات قالت الوزارة إن التحقق الميداني نفاها.

وتكشف التطورات المتزامنة في السقيلبية والحسكة والسويداء وحمص عن تعدد بؤر التوتر الأمني والاجتماعي في سوريا، فيما تتباين الروايات بشأن أسباب بعض الحوادث وملابساتها، وتبقى التحقيقات الرسمية والجهات المختصة صاحبة الدور في تحديد المسؤوليات والوقائع النهائية لكل حادثة.

اقترح تصحيحاً