السودان بين الهدنة و«الكيماوي».. ضغوط أمريكية ودولية تواجه قيادة الجيش

دخلت الحرب في السودان مرحلة جديدة من الضغوط السياسية والدبلوماسية، مع استمرار المساعي الأمريكية للتوصل إلى هدنة تمهد لوقف دائم لإطلاق النار، بالتزامن مع تصاعد المواقف الدولية بشأن اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب، في وقت تقول فيه مصادر وتحليلات أمريكية إن الدعم السعودي للجيش السوداني أسهم في تشجيع قيادته على رفض مقترحات الهدنة التي طرحتها واشنطن.

وقالت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، في تحليل نشر الثلاثاء بعنوان «حروب البحر الأحمر الجديدة»، إن السعودية عمقت انخراطها في الملف السوداني بالتنسيق مع مصر وتركيا، معتبرة أن هذا الدعم يبدو أنه ساهم في المكاسب الميدانية الأخيرة التي حققها الجيش السوداني، وشجع قيادته على مواصلة رفض المقترحات الأمريكية الخاصة بوقف الحرب.

وأوضحت المجلة أن الرياض انتقلت من دور الوسيط الذي حاولت الاضطلاع به في بداية النزاع إلى موقع الحليف الأهم للجيش السوداني بقيادة رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان.

ويتقاطع هذا التقييم مع تحليل نشرته مجلة «ناشونال إنترست» في فبراير 2026، أشار إلى حدوث تحول في الموقف السعودي خلال يناير، على خلفية تصاعد الخلاف بين السعودية والإمارات بشأن الحرب السودانية.

وبحسب التحليل، تخلت الرياض عن إصرارها السابق على إبعاد الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عن السلطة، وانتقلت إلى دعم موقف البرهان بصورة أكبر.

وترى «فورين أفيرز» أن الولايات المتحدة ربما توصلت أخيرًا إلى مقاربة قابلة للتطبيق لإنهاء الحرب، في وقت انهارت فيه مؤسسات الدولة السودانية منذ اندلاع القتال في أبريل 2023، بينما يواجه المدنيون أزمة إنسانية واسعة.

وتربط المجلة الصراع السوداني بالتنافس الإقليمي في البحر الأحمر، مشيرة إلى أن التوتر بين الرياض وأبوظبي بشأن الحرب في السودان أسهم، وفق تقييمها، في تفكك الشراكة السعودية الإماراتية التي تشكلت لمواجهة الحوثيين في اليمن.

وأضافت أن السعودية والحكومة اليمنية طالبتا الإمارات في ديسمبر 2025 بالانسحاب من اليمن.

وفي نوفمبر 2025، تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل لإنهاء الحرب في السودان، استجابة لطلب من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

وفي فبراير 2026، أعلنت الخارجية السودانية أن عرض المستشار الأمريكي مسعد بولس للخطة أمام مجلس الأمن لا يعني قبول السودان بها تلقائيًا، بينما عارض البرهان الخطة أيضًا.

وكانت المقترحات الأمريكية تدعو إلى هدنة فورية، ووقف دائم لإطلاق النار، وإطلاق مسار سياسي يقود إلى انتقال مدني.

وفي سياق التحرك الأمريكي، قال كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس إن الولايات المتحدة تدعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه.

وجاء تصريح بولس عقب لقائه رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان خلال مأدبة غداء أقامها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على هامش الاجتماع التنسيقي الثامن لمنتصف العام للاتحاد الأفريقي، المنعقد في مدينة العلمين المصرية.

وقال بولس، في منشور عبر منصة «إكس»، إن واشنطن تواصل جهودها، بالتنسيق مع مصر وشركاء إقليميين ودوليين، للدفع نحو حل سياسي وإنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات.

وأكد أن الولايات المتحدة تسعى إلى تمكين السودان من استعادة الأمن والاستقرار، والبدء في إعادة الإعمار والتنمية، وصولًا إلى حكومة يقودها مدنيون عبر حوار وطني شامل «يملكه ويقوده السودانيون».

وفي قراءة للتحرك الأمريكي، قال الكاتب والمحلل السياسي عمار سعيد إن الولايات المتحدة قادرة على إحداث اختراق في مسار الحرب السودانية، معتبرًا أن التحرك الأمريكي انتقل من مرحلة المناشدات الدبلوماسية إلى استخدام أدوات ضغط أكثر مباشرة على أطراف الصراع.

وأضاف سعيد، في تصريحات لبرنامج «نبض أفريقيا» عبر إذاعة «سبوتنيك»، أن المبعوث الأمريكي مسعد بولس طرح هدنة إنسانية لمدة نحو 90 يومًا تمهيدًا لوقف دائم لإطلاق النار وإطلاق عملية سياسية.

وأشار إلى أن واشنطن تمتلك أدوات ضغط تشمل العقوبات وحظر السلاح وملاحقة شبكات تمويل الحرب.

كما تحدث سعيد عن وجود ما وصفه بـ«تناقض» في الخطاب السياسي للبرهان، قائلًا إن هناك خطابًا موجهًا إلى المجتمع الدولي يتحدث عن السلام والاستعداد للحلول السياسية، مقابل تصريحات أخرى تتبنى خيار الحسم العسكري.

وفي الوقت نفسه، يتسع مسار آخر من الضغوط الدولية على الجيش السوداني، يتعلق باتهامات باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب.

وخلال الدورة الـ113 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، المنعقدة في لاهاي بين 6 و9 أكتوبر 2026، صدرت مواقف من عدة دول بشأن التقارير المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية في السودان.

وتؤكد وثائق المنظمة أن الولايات المتحدة وألمانيا وأستراليا وفنلندا وبلجيكا قدمت بيانات وطنية خلال الدورة بشأن الملف السوداني، فيما أعلنت الأمانة الفنية للمنظمة أنها تواصل متابعة التقارير المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية في السودان ومناطق نزاع أخرى.

وقال المندوب البلجيكي الدائم لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية السفير ووتر ديتافيرنييه إن بلاده تشعر بالقلق إزاء الادعاءات المتعلقة باستخدام القوات المسلحة السودانية أسلحة تحتوي على الكلور خلال الحرب.

وطالبت بلجيكا السلطات السودانية بتقديم معلومات إضافية، معتبرة أن الردود المقدمة حتى الآن لا تتناسب، بحسب موقفها، مع خطورة الاتهامات المتداولة في المصادر المفتوحة.

ويكتسب الموقف البلجيكي أهمية في ظل طرح القضية داخل المجلس التنفيذي للمنظمة الدولية المختصة بمتابعة تنفيذ اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، ما ينقل الاتهامات من نطاق التداول الإعلامي إلى إطار المتابعة الدولية الرسمية.

وقدمت الولايات المتحدة بدورها موقفًا أكثر حدة، إذ قالت سفيرتها لدى المنظمة نيكول شامبين إن سلطة بورتسودان مستمرة في عدم الامتثال لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، على خلفية ما خلصت إليه واشنطن بشأن استخدام أسلحة كيميائية خلال عام 2024.

وأكدت شامبين أن الولايات المتحدة ستواصل العمل مع شركائها لضمان امتثال الدول للاتفاقية، ودعت المجموعات الإقليمية والدول الأطراف إلى رفض ترشيح الدول التي تظل غير ممتثلة لعضوية المجلس التنفيذي.

وفي الموقف الألماني، قالت السفيرة غودرون لينغنر إن التقارير الإعلامية الجديدة تشير إلى أن الاستخدام المزعوم للأسلحة الكيميائية في السودان خلال عام 2024 ربما لم يكن حادثة منفردة، وإن المعلومات المنشورة تثير احتمال وجود برنامج كيميائي غير معلن.

وطالبت برلين السلطات في بورتسودان بإجراء تحقيق وطني شامل واستكماله ونشر نتائجه سريعًا، إلى جانب التعاون الكامل والشفاف مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

كما شددت ألمانيا على ضرورة تحديد المسؤولين ومحاسبتهم إذا ثبت وقوع استخدام للأسلحة الكيميائية.

وأثارت أستراليا من جانبها مسألة التخزين، إذ قالت إنها تتابع بقلق بالغ التقارير المتعلقة بالتخزين والاستخدام المزعومين للأسلحة الكيميائية بواسطة القوات المسلحة السودانية.

وأشار السفير الأسترالي لدى المنظمة غريغوري فرنش إلى التحقيق الوطني السوداني، بما يشمل تقريرًا مرحليًا جرى تلقيه، مطالبًا بتقديم عرض حقيقي وشفاف لأي حالة عدم امتثال لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

وأكد أن المنظمة ينبغي أن تتحرك وفق ولايتها إذا ظهرت أدلة ذات صدقية.

أما فنلندا، فأكدت قلقها الشديد إزاء الاتهامات المتعلقة باستخدام أسلحة كيميائية في السودان، ودعت السلطات السودانية إلى التعامل معها بسرعة وموضوعية وشفافية.

ورحبت هلسنكي بتأكيد الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية أنها ستواصل متابعة الوضع، وشددت على أن حظر الأسلحة الكيميائية مطلق ولا ينبغي السماح بالإفلات من العقاب على استخدامها.

وكانت المديرة العامة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية سابرينا دالافيور قد أكدت، في افتتاح الدورة الـ113 للمجلس التنفيذي، أن الأمانة الفنية تواصل مراقبة التقارير المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية في السودان ومناطق نزاع أخرى، وحثت الدول الأطراف على مشاركة أي معلومات ذات صلة مع المنظمة.

وتظهر وثائق المنظمة أن السودان نفسه عضو في المجلس التنفيذي للفترة الممتدة من 12 مايو 2026 إلى 11 مايو 2027، إلى جانب الولايات المتحدة وألمانيا وأستراليا ودول أخرى، ما يجعل الملف السوداني حاضرًا داخل الهيئة التنفيذية التي تشرف على تنفيذ الاتفاقية.

وتبقى الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية غير محسومة بصورة نهائية في ظل استمرار المتابعة والتحقيقات، ولذلك فإن المواقف الدولية الصادرة عن الدول الأعضاء لا تعني، بحد ذاتها، إثبات وقوع الاستخدام أو تحديد المسؤولين عنه.

وتقول الدول التي أثارت الملف إن المطلوب هو تقديم معلومات قابلة للتحقق والتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بينما تتمسك السلطات السودانية بإجراء تحقيقات داخلية بشأن الاتهامات.

ويضع هذا التطور قيادة الجيش السوداني أمام ضغوط دبلوماسية متزامنة، إذ تواجه من جهة مطالب أمريكية ودولية بالانخراط في مسار هدنة سياسية، ومن جهة أخرى مطالب بالكشف عن ملابسات الاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية والتعاون مع المنظمة الدولية المختصة.

وتأتي هذه التطورات فيما تدخل الحرب السودانية عامها الرابع، بعدما اندلع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، وتسبب في سقوط عشرات الآلاف من القتلى ونزوح ملايين السودانيين، وفق تقديرات الأمم المتحدة.

وفي سبتمبر 2025، أصدرت السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة، المعروفة باسم «الرباعية»، بيانًا مشتركًا وصفت فيه النزاع السوداني بأنه تسبب في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وأكدت أن وقف الدعم العسكري الخارجي للأطراف المتحاربة ضروري لإنهاء الحرب.

وكانت «فورين أفيرز» قد وصفت في تحليل سابق خطة «الرباعية» بأنها قابلة للتطبيق، مشيرة إلى أنها تقوم على وقف إطلاق النار، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية، وإطلاق محادثات سياسية تفضي إلى تشكيل حكومة مدنية.

وتتزامن هذه التطورات السياسية والأمنية مع تحولات أوسع في القارة الأفريقية، إذ رفع البنك الدولي توقعاته لنمو اقتصاد أفريقيا جنوب الصحراء إلى 4.3% في 2026، مقابل 4.1% في 2025، بزيادة قدرها 0.3 نقطة مئوية مقارنة بتوقعاته في أبريل.

وقال كبير الاقتصاديين لمنطقة أفريقيا في البنك الدولي آندرو دابالين إن النشاط الاقتصادي في أفريقيا جنوب الصحراء يواصل إظهار مرونة ملحوظة، مع رفع توقعات النمو لنحو ثلاثة أرباع دول المنطقة.

لكن البنك الدولي حذر في الوقت نفسه من أن النمو الحالي لا يزال غير كافٍ لخفض الفقر المدقع بصورة كبيرة أو توفير عدد كافٍ من فرص العمل للقوة العاملة المتزايدة في المنطقة.

وأشار البنك إلى عدد من المخاطر التي تهدد آفاق النمو، بينها استمرار التوترات الجيوسياسية، والصدمات المناخية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتشدد الأوضاع المالية العالمية، وارتفاع تكاليف خدمة الدين.

كما أشار إلى احتمال تأثير ظاهرة «النينيو» في الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، في حال تطورت الظروف المناخية المرتبطة بها.

ودعا البنك الدولي الحكومات الأفريقية إلى الاستثمار في أسس اقتصاد قادر على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن التقنيات منخفضة التكلفة والقابلة للتكيف محليًا يمكن أن تساعد في رفع الإنتاجية وتحسين الخدمات وخلق فرص عمل.

وقال دابالين إن الفرصة الأكبر أمام أفريقيا لا تتمثل بالضرورة في بناء أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة من الصفر، وإنما في تبني تطبيقات عملية منخفضة التكلفة في مجالات مثل التعليم والزراعة والصحة والتمويل والخدمات اللوجستية والإدارة العامة.

ويرى البنك أن الاستفادة من هذه التقنيات تتطلب معالجة فجوات أساسية تشمل الكهرباء والاتصال الرقمي والمهارات والبيانات والبنية التحتية للحوسبة، إلى جانب تعزيز المؤسسات والحوكمة.

وفي تعليق على واقع القارة، قال الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد الشريفي إن أفريقيا حققت خلال الفترة الأخيرة معدلات نمو إيجابية، لكنه رأى أن هذا النمو لا يزال بحاجة إلى التحول إلى تنمية تنعكس على حياة المواطنين، في ظل استمرار تحديات الفقر والبطالة والأمن والاستقرار في عدد من دول القارة.

وأضاف الشريفي، في تصريحات لبرنامج «نبض أفريقيا» عبر «سبوتنيك»، أن أفريقيا تحظى باهتمام متزايد من المنظمات الدولية والقوى الاقتصادية الكبرى باعتبارها قارة تحمل فرصًا اقتصادية كبيرة، بالتزامن مع تحديات ومخاطر متعددة.

وأوضح أن بعض معدلات النمو التي تحققها دول القارة ترتبط بعوامل مستدامة، بينما يرتبط بعضها الآخر بعوامل ظرفية.

وتضع التطورات المتزامنة في السودان والقارة الأفريقية ملف الحرب السودانية ضمن مشهد إقليمي ودولي أوسع، تتداخل فيه الحسابات الأمنية والدبلوماسية والاقتصادية.

وبينما تحاول واشنطن الدفع نحو هدنة ومسار سياسي يقود إلى حكومة مدنية، تشير التحليلات التي نقلت عن «فورين أفيرز» و«ناشونال إنترست» إلى أن الدعم الإقليمي للجيش، وفي مقدمته الدعم السعودي بحسب تلك التحليلات، يمثل أحد العوامل المؤثرة في حسابات القيادة العسكرية.

وفي المقابل، يواصل المجتمع الدولي الضغط بشأن الملف الإنساني والاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية، فيما تؤكد منظمة حظر الأسلحة الكيميائية استمرار مراقبتها للتقارير المرتبطة بالسودان.

وتبقى قدرة المساعي الأمريكية على دفع الأطراف السودانية نحو هدنة مرتبطة بمواقف القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في الحرب، وبمدى استعداد الجيش وقوات الدعم السريع للانتقال من العمليات العسكرية إلى تفاوض سياسي، في وقت تتزايد فيه الضغوط الإنسانية والدبلوماسية على طرفي النزاع.

اقترح تصحيحاً