«الملاعب بالفلوس والتاريخ بالأمجاد».. إعلامي تونسي يفتح النار على الرياضة الليبية

بين أمجاد الماضي وطموحات الحاضر، أشعل الإعلامي التونسي سمير الوافي المدان سنة 2016 من القضاء التونسي بالحبس لمدة 3 اشهر نافذة بتهمة التحايل ،جدلًا واسعًا بتصريحات حملت نبرة استعلاء واضحة تجاه الكرة الليبية، عقب المواجهة التي جمعت الترجي الرياضي التونسي بالسويحلي الليبي، لتتحول المنافسة من صراع فوق أرضية الميدان إلى سجال حول التاريخ والملاعب والأمجاد.

ودون في منشور له عبر فيسبوك بعد احداث ذهاب دوري أبطال أفريقيا بين السويحلي والترجي: «يمكنك أن تبني ملعبًا كبيرًا أو اثنين في عامين فقط، أما التاريخ فسيكلفك عشرات الأعوام لتصنعه، الملاعب بالفلوس والتاريخ بالأمجاد والبطولات، هذا هو الفرق بيننا يا صاحبي،أنتم تتباهون بالملاعب ونحن نفتخر بالتاريخ».

بهذه الكلمات اختار سمير الوافي أن يعلّق على المشهد، قبل أن يضيف بنبرة أكثر حدة: «لا تتخمروا بمجرد مقابلة وبانتصار مسروق،عودوا إلى الواقع واستيقظوا من حلمكم»، مختتمًا حديثه بعبارة «بكل روح رياضية!».

لكن السؤال الذي تفرضه هذه التصريحات: هل أصبحت أمجاد الماضي مبررًا للتقليل من منافس حقق ما حققه فوق أرضية الميدان؟ وهل تحتاج الرياضة الليبية إلى شهادة اعتراف من إعلامي تونسي حتى تحتفل بانتصاراتها وتحلم بمستقبل أفضل؟

  • التاريخ لا يمنح أحدًا حق الوصاية على الآخرين!

لا أحد يستطيع إنكار المكانة التاريخية للترجي الرياضي التونسي، ولا ما حققته الأندية التونسية من إنجازات قارية ومحلية جعلتها تحظى بمكانة مهمة في كرة القدم الإفريقية. لكن الاعتراف بتاريخ الترجي لا يعني التسليم بمنطق أن بقية الأندية، مهما كان تاريخها أو طموحها، يجب أن تظل في موقع المتفرج أمام أمجاد الآخرين.

التاريخ يُحترم، لكنه لا يتحول إلى صك تفوق أبدي، ولا يمنح صاحبه الحق في توزيع شهادات الاستحقاق على المنافسين.

كرة القدم لا تعترف بالأسماء وحدها، ولا تمنح الانتصارات بناءً على عدد الكؤوس الموجودة في خزائن الأندية. هناك مباراة تُلعب، وتسعون دقيقة تُخاض، وفريق يدخل الملعب بحثًا عن الفوز، وآخر يحاول الدفاع عن اسمه ومكانته.

  • أما النتيجة.. فهي التي تتحدث في النهاية

وإذا كان الترجي يمتلك تاريخًا طويلًا من البطولات، فإن ذلك لا ينتقص من حق السويحلي في الاحتفال بانتصاره، ولا يمنح أحدًا الحق في التعامل مع طموح النادي الليبي باعتباره حلمًا يجب أن ينتهي بمجرد انتهاء المباراة.

  • الملاعب ليست عيبًا..بل جزء من صناعة المستقبل

يقول الوافي إن الملاعب تُبنى بالأموال، بينما يُصنع التاريخ بالأمجاد والبطولات.

لكن لماذا يُقدَّم الأمر وكأن بناء الملاعب والتاريخ الرياضي نقيضان لا يجتمعان؟

الملاعب الحديثة ليست مجرد منشآت خرسانية، بل جزء من البنية الأساسية التي تحتاجها الرياضة لتطوير اللاعبين، واحتضان الجماهير، واستضافة المنافسات الكبرى، وخلق بيئة تساعد الأندية على النمو.

والتاريخ نفسه لم يُصنع بالكؤوس وحدها؛ وراء كل بطولة منظومة عمل، وإدارة، وتخطيط، ولاعبون، ومدربون، وجماهير، ومؤسسات استثمرت في الرياضة.

من حق التونسيين أن يفتخروا بما حققته أنديتهم، ومن حق الليبيين أيضًا أن يطمحوا إلى تطوير منشآتهم الرياضية، وأن يروا ملاعبهم تستضيف المنافسات الإفريقية بأفضل صورة ممكنة.

فلماذا يصبح الحديث عن الملاعب الليبية مادة للتقليل من الرياضة الليبية، بدل أن يكون فرصة للنقاش حول كيفية تطويرها؟

إن بناء ملعب في عامين، إن تحقق وفق المعايير المطلوبة، ليس إنجازًا يستدعي السخرية، بل خطوة يمكن أن تسهم في صناعة مستقبل رياضي أفضل. أما البطولات، فهي هدف يحتاج إلى العمل والتخطيط والاستثمار، لا إلى الاكتفاء بتعداد أمجاد الماضي.

الأمم الرياضية لا تختار بين الملاعب والتاريخ؛ إنها تبني الملاعب لتصنع التاريخ.

  • السويحلي لا يحتاج إلى إذن للاحتفال!

بعيدًا عن السجال الإعلامي، فإن المواجهة بين الترجي والسويحلي كانت منافسة كروية بين فريقين لكل منهما أهدافه وطموحاته.

السويحلي دخل المواجهة ممثلًا للكرة الليبية، وخرج بنتيجة منحته حق التمسك بأمل التأهل، في حين وجد الترجي نفسه أمام تحدٍّ جديد في مباراة الإياب.

هذه هي طبيعة كرة القدم: لا توجد نتيجة مضمونة، ولا يوجد فريق محصّن ضد الخسارة، مهما بلغت خبرته أو اتسعت خزائنه.

أما وصف الانتصار بأنه «مسروق»، فهو اتهام لا يكفي إطلاقه في منشور إعلامي لإثباته.
فإذا كانت هناك أخطاء تحكيمية مؤثرة، فالمطلوب تحديدها ومناقشتها بالأدلة، لا تحويلها إلى حكم عام ينتقص من الفريق المنافس.

ومن حق جماهير الترجي أن تعترض، وأن تدافع عن ناديها، وأن تنتظر مباراة الإياب بثقة. لكن من حق جماهير السويحلي أيضًا أن تفرح، وأن ترى في فريقها مشروعًا يستحق الدعم، وأن تتطلع إلى كتابة صفحة جديدة في تاريخ ناديها.

الروح الرياضية التي ختم بها الوافي منشوره لا تُقاس بعبارة تُكتب في نهاية التصريح، بل بطريقة التعامل مع المنافس حين ينتصر، وبالقدرة على احترام حقه في الفرح والطموح.

  • الكرة الليبية أكبر من نتيجة مباراة!

الرياضة الليبية لا تحتاج إلى المبالغة في تصوير انتصار واحد باعتباره نهاية التاريخ، كما أنها لا تستحق أن تُختزل في منشآت تحتاج إلى التطوير أو في مقارنة دائمة مع الكرة التونسية.

هناك تحديات حقيقية تواجه الأندية الليبية، تتعلق بالبنية التحتية، والاستقرار الإداري، والاستثمار، والتكوين، والقدرة على المنافسة المستمرة في البطولات الإفريقية.

وهذه التحديات لا تُعالج بالانفعال، ولا بإطلاق الشعارات، ولا بالرد على كل تصريح بتصريح أكثر حدة. تُعالج بالعمل، وبناء المؤسسات، وتطوير المسابقات، ومنح اللاعبين والمدربين الظروف التي تساعدهم على المنافسة.

لكن الاعتراف بهذه المشكلات لا يعني القبول بأن تتحول إلى وسيلة للاستهزاء بالكرة الليبية أو التقليل من ممثليها.

فالكرة الليبية ليست مطالبة بإثبات أنها أفضل من الكرة التونسية حتى تستحق الاحترام، كما أن الكرة التونسية لا تفقد مكانتها التاريخية عندما يحقق فريق ليبي نتيجة إيجابية أمام أحد أنديتها.

التنافس الرياضي لا يقتضي أن يكون أحد الطرفين كبيرًا والآخر صغيرًا؛ بل يقتضي أن يدخل كل فريق الملعب مؤمنًا بحظوظه، وأن يُحسم الصراع وفق ما تقدمه الأقدام وما تثبته النتائج.

  • الإياب هو الرد الحقيقي!

بعد كل ما قيل، تبقى مباراة الإياب بين الترجي والسويحلي هي المحطة التي ستمنح الجماهير فرصة جديدة لمتابعة الصراع الكروي بعيدًا عن ضجيج التصريحات.

الترجي يمتلك خبرته وتاريخه وجماهيره، والسويحلي يمتلك طموحه ورغبته في مواصلة المنافسة. وبين هذا وذاك، تبقى كرة القدم مفتوحة على جميع الاحتمالات.

لا يحتاج السويحلي إلى الدخول في معركة كلامية لإثبات أحقيته بالاحتفال، ولا يحتاج الترجي إلى الدفاع عن تاريخه في كل مرة يتعثر فيها. المطلوب أن تُحسم المواجهة داخل الملعب، وأن يُحترم ما تسفر عنه النتيجة.

أما التاريخ، فلا يملكه إعلامي وحده، ولا تحتكره دولة، ولا يُغلق أمام نادٍ يبحث عن المجد. التاريخ صفحات تُكتب، والبطولات تُنتزع، والأجيال الجديدة لا تعيش على ما حققه السابقون فقط، بل تحاول أن تضيف إلى ما تركوه.

اقترح تصحيحاً