أعلن وزير الدفاع التركي يشار غولر استعداد بلاده لتوقيع اتفاق مع مصر بشأن ترسيم الحدود البحرية وتحديد مناطق الولاية في شرق البحر الأبيض المتوسط، في خطوة تأتي عقب إقرار مجلس النواب الليبي مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين أنقرة وطرابلس عام 2019، وهي المذكرة التي أثارت اعتراض القاهرة وعدد من الأطراف الإقليمية والدولية.
وأشار غولر إلى أن المقترح التركي يمنح مصر مساحة إضافية تبلغ نحو 15 ألف كيلومتر مربع ضمن نطاق ولايتها البحرية، مقارنة بالمساحة التي يمكن أن تحصل عليها بموجب أي اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع اليونان.
ويأتي العرض التركي في وقت تتواصل فيه الخلافات بشأن الاتفاق البحري بين تركيا وليبيا، وسط تمسك القاهرة برفض التصديق عليه، وتأكيدها أن إقراره من جانب البرلمان الليبي لا يرتب آثارًا قانونية بالنسبة إلى مصر، في حين ترى أنقرة أن التنسيق والتشاور مع القاهرة يمكن أن يساهما في معالجة الشواغل المصرية.
وكانت مصر أعلنت إدانتها الشديدة للاتفاق التركي الليبي، واعتبرته انتهاكًا لحقوقها السيادية في شرق البحر الأبيض المتوسط، بينما أثار الاتفاق انتقادات من الاتحاد الأوروبي، واعتراضات من اليونان وقبرص وإسرائيل، على خلفية التداخل بين المناطق البحرية التي يشملها الاتفاق ونطاقات تدعي دول أخرى حقوقًا فيها.
وأعاد تصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم البحرية، يوم الثلاثاء، النقاش الدبلوماسي بشأن حدود المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري في شرق المتوسط، وهي مناطق تضم احتياطيات كبيرة من النفط والغاز، ما يرفع أهمية الخلافات المتعلقة بتحديد نطاقات الولاية البحرية وحقوق الاستكشاف والاستغلال.
وتعود مذكرة التفاهم بين تركيا وليبيا إلى نوفمبر 2019، حين وقعتها حكومة الوفاق الوطني الليبية السابقة مع أنقرة، قبل أن يصادق عليها مجلس النواب الليبي بالإجماع في 20 أكتوبر، وفق المعلومات الواردة في التقارير المتعلقة بالقرار، مع إلغاء المجلس قراريه الصادرين عام 2020 بشأن رفض الاتفاقية وقطع العلاقات السياسية مع تركيا.
وفي مواجهة هذه الخطوة، جددت القاهرة رفضها القاطع للمذكرة، مؤكدة أنها سبق أن اعترضت عليها، وأنها ترفض أي إجراءات تستند إليها وتتعارض مع الحدود البحرية المصرية المعلنة، مع احتفاظها بحقها في حماية حقوقها التي يكفلها القانون الدولي والتصدي لأي محاولة للإخلال بها.
وأكدت وزارة الخارجية المصرية، يوم الأربعاء، أن الاتفاقية «باطلة بطلانًا مطلقًا» و«معدومة الأثر القانوني»، وشددت على أن تصديق البرلمان الليبي عليها لا يرتب آثارًا قانونية بالنسبة إلى مصر.
وفي السياق نفسه، بحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره التركي هاكان فيدان، يوم الجمعة في إسطنبول، تطورات الأوضاع الإقليمية، وفي مقدمتها الملف الليبي، وذلك على هامش اجتماعات الآلية الرباعية مع الدول الأوروبية الثلاث.
وقالت وزارة الخارجية المصرية إن عبد العاطي أكد موقف بلاده الداعم لوحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها واستقرارها، مشددًا على حرص القاهرة على دعم مؤسسات الدولة الليبية بما يحفظ مصالح الشعب الليبي ويستجيب لتطلعاته.
وجدد وزير الخارجية المصري خلال اللقاء رفض القاهرة القاطع للتصديق الليبي على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة مع تركيا عام 2019، مؤكدًا ضرورة احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، ولا سيما ما يتعلق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفق مبادئ العدل والإنصاف بين الدول.
وشدد عبد العاطي على أن المصادقة الليبية لا ترتب آثارًا قانونية بالنسبة إلى مصر، وأن القاهرة ترفض الإجراءات التي تتعارض مع حقوقها البحرية، وفق ما أوردته وزارة الخارجية المصرية في بيانها.
من جانبه، أبدى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان تفهمه للشواغل المصرية بشأن تطورات الأوضاع في ليبيا، مؤكدًا أهمية استمرار التشاور والتنسيق والعمل المشترك لمعالجة تلك الشواغل، ودعم الجهود الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا.
ويعكس الموقفان استمرار الخلاف بشأن الآثار القانونية والجغرافية للمذكرة البحرية، بالتوازي مع إبقاء قنوات الحوار الدبلوماسي مفتوحة بين القاهرة وأنقرة، في وقت تتداخل فيه ملفات ترسيم الحدود البحرية مع العلاقات الثنائية ومصالح الطاقة والأمن الإقليمي.
وتستند القاهرة في رفضها إلى اعتبارات سيادية وقانونية، إذ تعتبر أن المذكرة تمس جرفها القاري ومنطقتها الاقتصادية الخالصة، كما ترى أنها تتعارض مع اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية التي أبرمتها مصر مع قبرص واليونان عام 2020، فضلًا عن تداخل الخطوط البحرية المرتبطة بالاتفاق مع مساحات تعتزم القاهرة إجراء عمليات استكشاف فيها.
وفي المقابل، يشير الطرح التركي، وفق تصريحات وزير الدفاع يشار غولر، إلى أن اتفاقًا محتملًا مع مصر يمكن أن يمنح القاهرة نطاقًا بحريًا أوسع من المساحة التي يمكن أن تحصل عليها بموجب اتفاق مع اليونان، مع بقاء أي تفاهم محتمل مرتبطًا بالمفاوضات والمواقف القانونية والسيادية للأطراف المعنية.
ويرى خبراء ومحللون، وفق ما ورد في التقارير بشأن الملف، أن الخلاف لا يعني بالضرورة انهيار العلاقات الثنائية بين مصر وتركيا، ووصفوه بأنه مساحة للشد والجذب الدبلوماسي، في ظل وجود قنوات سيادية وأمنية مفتوحة للتنسيق، مع استمرار التباين بشأن الاتفاق البحري التركي الليبي وآثاره.
وبالتزامن مع الجدل حول الحدود البحرية، نفذت إحدى تشكيلات المنطقة الشمالية العسكرية في الجيش المصري ما يعرف بـ«تفتيش حرب»، بحضور وزير الدفاع الفريق أشرف سالم زاهر، ورئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وفق بيان للمتحدث العسكري المصري صدر يوم الجمعة.
وأوضح المتحدث العسكري أن التفتيش استهدف الوقوف على مدى جاهزية التشكيل لتنفيذ جميع المهام التي تسند إليه بكفاءة واقتدار، فيما تفقد القائد العام للقوات المسلحة القوات المصطفة للاطمئنان على جاهزيتها ومستوى الكفاءة الفنية والقتالية للأسلحة والمعدات.
وأضاف البيان أن زاهر ناقش عددًا من العناصر المشاركة في التفتيش بشأن أسلوب تنفيذهم لمهامهم، وأكد أن القوات المسلحة المصرية تعمل على تطوير نظم التدريب والتسليح في الأفرع الرئيسية والتشكيلات والوحدات، بما يدعم قدراتها القتالية وفق أسس علمية مدروسة، ويمكنها من مجابهة التهديدات في ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
وشدد وزير الدفاع المصري على أن حماية حدود الدولة على جميع الاتجاهات الاستراتيجية تمثل رسالة سامية ومهمة مقدسة لمقاتلي القوات المسلحة، مهما كلفهم ذلك من تضحيات.
من جانبه، قال قائد المنطقة الشمالية العسكرية اللواء أركان حرب ياسر عبد المعز الخطيب إن الدعم مستمر من القيادة العامة للقوات المسلحة للوصول إلى أعلى معدلات الكفاءة القتالية، بما يتيح تنفيذ المهام المسندة إلى القوات في الدفاع عن أمن الوطن وسلامة أراضيه.
وتتزامن هذه التطورات مع استمرار الخلافات الإقليمية بشأن ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط، حيث تتداخل الاعتبارات القانونية والسيادية مع المنافسة على مناطق الطاقة والموارد البحرية، بينما تستمر الاتصالات المصرية التركية في محاولة لمعالجة نقاط الخلاف المرتبطة بالملف الليبي.
وتبقى مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وليبيا عام 2019 محورًا للخلاف بين القاهرة وأنقرة، في ظل رفض مصر الاعتراف بآثارها القانونية على حقوقها البحرية، مقابل استمرار تركيا في الدفاع عن الاتفاق وطرح إمكانية التوصل إلى تفاهم منفصل مع مصر بشأن ترسيم الحدود البحرية.




