إنجاز وطني.. ابتكار روبوت «ليبيا ديفيوزر» لمواجهة مخلفات الحرب

اجتاز روبوت أرضي طوره فريق جامعي ليبي سلسلة من الاختبارات الأولية بمدينة الزاوية، ضمن مشروع هندسي يستهدف تطوير تقنيات محلية منخفضة التكلفة لدعم عمليات الاستطلاع وفحص الأجسام المعدنية ومساندة التعامل مع مخلفات الحروب في المناطق المتضررة من النزاعات.

وأظهرت التجارب قدرة الروبوت، الذي يحمل اسم «ليبيا ديفيوزر»، على الحركة والتحكم عن بُعد لمسافة تصل إلى 600 متر في ظروف الرؤية المباشرة، إلى جانب تنفيذ مسارات محددة باستخدام نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، بدقة بلغت نحو مترين، وفق نتائج دراسة علمية منشورة في دورية «ديسكفر فيكلز» (Discover Vehicles) التابعة لمجموعة «سبرينغر نيتشر» (Springer Nature).

ويأتي تطوير هذا النموذج في إطار مشروع هندسي اعتمد على توظيف مكونات تجارية متاحة في السوق المحلية، بهدف تصنيع منصة روبوتية متعددة المهام يمكن استخدامها في عمليات الاستطلاع والفحص عن بُعد، وتقليل تعرض الأفراد للمخاطر المرتبطة بالمناطق التي تنتشر فيها الألغام والذخائر غير المنفجرة ومخلفات النزاعات المسلحة.

وبحسب الدراسة، بلغت التكلفة الإجمالية للمواد المستخدمة في تصنيع النموذج الأولي نحو 4048 دينارًا ليبيًا، بما يعادل قرابة 830 دولارًا، في محاولة لتطوير منظومة تقنية محلية تجمع بين الوظائف الميكانيكية والإلكترونية وأنظمة الاستشعار والاتصالات بتكلفة محدودة مقارنة بالأنظمة الروبوتية المتخصصة.

وأُجريت الاختبارات الميدانية داخل موقع مدرسة زينب الطيب بمدينة الزاوية، على أرض مستوية ذات تربة متماسكة، وشملت تقييم أداء الأنظمة الإلكترونية والميكانيكية، وقياس قدرة الروبوت على الحركة والمناورة والاستجابة لأوامر التحكم، فضلًا عن اختبار عمل مكوناته بصورة متكاملة ضمن منصة أرضية يمكن تشغيلها من مسافة آمنة نسبيًا.

وأظهرت نتائج التجارب نجاح نظام التحكم عن بُعد في تشغيل الروبوت على مسافة وصلت إلى 600 متر في ظروف الرؤية المباشرة، فيما أتاح نظام تحديد المواقع العالمي تنفيذ مسارات حركة محددة بدقة بلغت نحو مترين، بما يوفر إمكانية توجيه المنصة إلى مواقع معينة دون الحاجة إلى وجود المشغل بالقرب منها.

وفي جانب المهام الميكانيكية، زُود الروبوت بذراع آلية تتمتع بخمس درجات حرية، وأظهرت الاختبارات قدرتها على التقاط أجسام خفيفة يتراوح وزنها بين 100 و150 غرامًا ونقلها، محققة نسبة نجاح بلغت 95% خلال التجارب، وفق البيانات الواردة في الدراسة.

وتعتمد الذراع الآلية على مجموعة من الحركات التي تسمح لها بالوصول إلى الأجسام والتعامل معها ونقلها، بما يوفر للروبوت إمكانية تنفيذ بعض المهام التي تتطلب التدخل الميكانيكي عن بُعد، بدلًا من اقتراب الأفراد مباشرة من الأجسام محل الفحص.

ويتكون «ليبيا ديفيوزر» من ستة أنظمة رئيسية، تشمل قاعدة أرضية متحركة بأربع عجلات، ومنظومة للتحكم، وأنظمة للملاحة والاستشعار، وذراعًا آلية، ونظامًا للاتصالات، إلى جانب وحدة مائية مساعدة مخصصة لإخماد الحرائق.

وتوفر هذه المكونات للمنصة مجموعة من الوظائف المتكاملة، إذ تتولى القاعدة ذات العجلات مهام الحركة والتنقل، بينما تتيح أنظمة التحكم والاتصالات تشغيل الروبوت وتوجيهه عن بُعد، وتساعد منظومة الملاحة على تحديد المسارات، فيما تتولى أجهزة الاستشعار والذراع الآلية تنفيذ مهام الفحص والتعامل مع بعض الأجسام.

كما يتضمن النموذج مستشعرًا للكشف عن المعادن، أظهرت الاختبارات استجابته لأهداف مصنوعة من الفولاذ والنحاس والألومنيوم على مسافات تراوحت بين 10 و15 سنتيمترًا، ضمن التجارب المتعلقة بقدرة النظام على رصد الأجسام المعدنية.

ورغم هذه النتائج، أوضح الباحثون أن أداء المستشعر لا يكفي لتصنيف الروبوت باعتباره جهازًا معتمدًا لكشف الألغام، إذ لم تحدد الاختبارات عمق الكشف الفعلي، كما لم تثبت قدرة النظام على التمييز بين الألغام والأجسام المعدنية الأخرى التي يمكن أن توجد في البيئة المحيطة.

وأكدت الدراسة أن النموذج لا يزال في مرحلة التطوير والاختبارات الأولية، وأن النتائج المسجلة تتعلق بتقييم قدراته التقنية والميكانيكية ضمن ظروف تجريبية محددة، ولا تعني جاهزيته للاستخدام الفعلي في المناطق الملوثة بالألغام أو الذخائر غير المنفجرة.

كما أشارت إلى أن الروبوت لم يخضع حتى الآن لاختبارات ميدانية موسعة في بيئات ملوثة بمخلفات الحرب، ولم يخضع لتقييم متخصصين في مجال إزالة الألغام، وهو ما يجعل استخدامه في هذه المهام غير معتمد في المرحلة الحالية.

وتكتسب هذه الاختبارات أهمية في إطار تطوير حلول هندسية محلية للتعامل مع مخلفات النزاعات، إذ تستهدف الفكرة توفير أدوات روبوتية يمكن تشغيلها عن بُعد لتنفيذ مهام الاستطلاع والفحص الأولي، بما يساعد على إبعاد الأفراد عن بعض المواقع التي تتطلب التعامل بحذر مع الأجسام المعدنية المجهولة.

وتواجه المناطق المتضررة من النزاعات المسلحة مخاطر مرتبطة ببقاء الألغام والذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب، التي تستدعي عمليات مسح وفحص متخصصة قبل السماح بالوصول إلى المواقع المتضررة أو استخدامها مجددًا، وهو ما يبرز أهمية تطوير وسائل تقنية مساندة لفرق الاستطلاع وإزالة الألغام.

ويعكس مشروع «ليبيا ديفيوزر» توجهًا نحو توظيف الإمكانات الهندسية والجامعية المحلية في تصنيع منصات روبوتية متعددة الاستخدامات، بالاعتماد على مكونات متاحة محليًا وتكاليف محدودة، مع استمرار الحاجة إلى إجراء اختبارات إضافية وتقييمات فنية متخصصة قبل الانتقال إلى أي استخدام ميداني في المناطق التي تشكل فيها الألغام ومخلفات الحرب خطرًا مباشرًا على السلامة العامة.

وبحسب الدراسة المنشورة في دورية «ديسكفر فيكلز»، فإن النتائج الحالية تمثل تقييمًا أوليًا لقدرات النموذج في الحركة والتحكم والاستشعار والتعامل مع الأجسام الخفيفة، ولا تشكل شهادة اعتماد له في كشف الألغام أو التعامل مع الذخائر غير المنفجرة.

اقترح تصحيحاً