اتفاق تاريخي بين لبنان وإسرائيل.. نعيم قاسم يؤكّد: مذلّة وعار

نشرت وزارة الخارجية الأمريكية، السبت، النص الكامل لـ”اتفاق الإطار” الموقع بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة في واشنطن، والذي يستهدف إنهاء الصراع بين الجانبين ووضع أسس لمسار سياسي وأمني يقود إلى سلام شامل ومستدام. ويؤكد النص اعتراف الطرفين بحق كل دولة في العيش بأمن وسلام كدولتين متجاورتين ذات سيادة، مع إعلان التزام مشترك بإنهاء حالة الصراع ومعالجة جذوره بما يفتح الطريق أمام إنهاء وضع الحرب القائم بينهما.

وجاء الاتفاق بعد سلسلة من جولات التفاوض المباشر بين الطرفين، بالاستناد إلى تفاهمات واتفاقات سابقة، مع اعتماد مسار تفاوضي ثنائي مباشر بدعم ووساطة أمريكية لمعالجة جميع القضايا العالقة.

وينص الإطار على تنفيذ عملية متبادلة ومتدرجة تستعيد بموجبها الدولة اللبنانية سيادتها الكاملة على أراضيها عبر الجيش اللبناني، بالتزامن مع التحقق من عملية نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية وتفكيك بنيتها العسكرية، بما يسمح بإعادة انتشار تدريجي للقوات الإسرائيلية خارج الأراضي اللبنانية وفق مراحل متتابعة.

كما يتضمن الاتفاق إعداد ملحق أمني بدعم أمريكي يحدد آليات التنفيذ والتحقق الخاصة بالترتيبات الأمنية، إلى جانب انتقال تدريجي للمسؤولية الأمنية في مناطق تجريبية متفق عليها إلى الجيش اللبناني، بحيث تتحول هذه المناطق إلى نموذج عملي لتطبيق إعادة الانتشار العسكري بشكل مدروس.

وبعد استكمال التحقق من تفكيك البنية العسكرية في تلك المناطق، تنتقل المسؤولية الأمنية الكاملة إلى الدولة اللبنانية، ما يفتح الباب أمام بدء مشاريع إعادة الإعمار بدعم دولي، مع السماح بعودة المدنيين إلى مناطقهم تحت سلطة الدولة اللبنانية الحصرية.

وتلتزم الحكومة اللبنانية، وفق نص الاتفاق، باستعادة سيادة الدولة الكاملة وتعزيز احتكارها لاستخدام القوة، مع تنفيذ عملية نزع سلاح شاملة وموثقة لجميع الجماعات المسلحة غير الحكومية، ومنع امتلاكها أي قدرات عسكرية أو أدوار أمنية داخل البلاد، إضافة إلى طلب دعم دولي بقيادة أمريكية ومساندة عربية لتحقيق هذه الأهداف.

في المقابل، تؤكد الحكومة الإسرائيلية أن عملياتها العسكرية داخل لبنان جاءت نتيجة ما تصفه بالتهديدات والهجمات الصادرة عن جماعات مسلحة غير حكومية، وعلى رأسها حزب الله، مشيرة إلى أن إزالة هذا التهديد عبر نزع السلاح والترتيبات الأمنية سيؤدي إلى إنهاء الحاجة لأي وجود عسكري أو عمليات داخل الأراضي اللبنانية مستقبلاً، مع تأكيد عدم وجود أي مطامع إقليمية لها في لبنان.

وينص الاتفاق كذلك على احتفاظ لبنان وإسرائيل بحق الدفاع عن النفس وفق ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، مع منع استخدام هذا الحق عبر أي طرف ثالث، إلى جانب إنشاء آلية تنسيق عسكرية بدعم أمريكي لضمان متابعة التنفيذ الكامل لبنود الاتفاق ومراقبة تطبيقه.

كما تتعهد الولايات المتحدة بحشد دعم دولي واسع لإعادة إعمار لبنان وإصلاح البنية التحتية وإنعاش الاقتصاد، عبر برامج مساعدات إنسانية ومشاريع تعافٍ اقتصادي واستثمارات تهدف إلى تعزيز الاستقرار وتحسين الظروف المعيشية، مع التأكيد على منع وصول أموال إعادة الإعمار إلى أي جهات مسلحة غير حكومية أو مرتبطة بها.

ويفتح الاتفاق مساراً مباشراً نحو صياغة اتفاق سلام شامل، من خلال تشكيل مجموعات عمل مشتركة بين لبنان وإسرائيل فور التوقيع، وإنشاء قنوات تواصل مستمرة برعاية أمريكية، إلى جانب التزام الطرفين بإجراءات لبناء الثقة تشمل وقف الأعمال العدائية في المحافل الدولية والتعاون في ملفات إنسانية مثل الرفات والمحتجزين.

وأعرب الطرفان في ختام الاتفاق عن تقديرهما للدور الأمريكي في رعاية المفاوضات، مع الإشادة بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ودعمه لمسار التوصل إلى هذا الإطار، وجاء التوقيع في واشنطن مساء الجمعة 26 June 2026 عقب جولة تفاوض خامسة استمرت أربعة أيام وشهدت تقدماً وصف بالملموس بين الأطراف.

وأصدر الأمين العام لحزب الله اللبناني نعيم قاسم بيانًا شديد اللهجة، ندد فيه بما يُعرف بـ”اتفاق الإطار” المبرم بين بيروت والكيان الإسرائيلي، واصفًا إياه بأنه مذلة وعار وتنازل صريح عن السيادة الوطنية، ومطالبًا في الوقت ذاته بضرورة التقيد العاجل والكامل بتنفيذ مندرجات مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية التي وضعت حدًا للعمليات العسكرية.

وتساءل الأمين العام لحزب الله اللبناني نعيم قاسم في بيانه عن أمانة السلطة اللبنانية ومسؤوليتها تجاه شعبها وحماية سيادة لبنان، لافتًا إلى أن الوصي الأمريكي لم يمنحها وقفًا لإطلاق النار في بادئ الأمر، وعندما جاءها المقترح عبر محادثات العاصمة الباكستانية إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران في أبريل من عام ألفين وستة وعشرين سارعت السلطة إلى رفضه، مما مفسح المجال أمام العدو الإسرائيلي لارتكاب جريمة “الأربعاء الأسود” التي أسفرت عن مقتل وإصابة المئات وترويع الآمنين جراء شن مئة غارة جوية مدمرة شملت مختلف المناطق اللبنانية وبدأت من العاصمة بيروت.

وجدد قاسم تحذيراته للسلطة اللبنانية مشيرًا إلى أن الانخراط في مفاوضات مباشرة يمثل تنازلات مجانية خالصة لصالح إسرائيل، كونها اجتماعات تهدف لفرض الإذعان التام لمطالب العدوان والإملاءات الإسرائيلية الأمريكية المشتركة، واعتبر أن السلطة تذهب إلى هذه المفاوضات وهي على خصومة واختلاف عميق مع أكثر من نصف الشعب اللبناني، وفي خطوة تخالف الدستور والقوانين المحلية التي تصنف الكيان الإسرائيلي عدوًا وتحاسب قضائيًا كل من يتعاطى معه قولًا أو عملًا، مؤكدًا أن الوفد اللبناني يفتقدهم لأي أوراق قوة للمقارعة بعدما تخلت السلطة طوعًا عن عناصر قوة المقاومة والشعب، وطعنت المقاومة في ظهرها عبر اعتبارها خارجة عن القانون في قلب المعركة بقرار الحكومة الصادر في الثاني من مارس، وهو ما اعتبره خدمة مجانية للمشروع العدواني الإسرائيلي وتفريطًا بالسيادة بشهادة الأصدقاء والأعداء.

وعرج الأمين العام لحزب الله اللبناني نعيم قاسم على كواليس الدبلوماسية الإقليمية، موضحًا أن مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية جاءت لتضع بند إيقاف الحرب على لبنان كأولوية قصوى، وعندما رفض العدو الإسرائيلي الالتزام بادر الجانب الإيراني إلى إيقاف الاتفاق واستمر في إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي إلى أن تدخلت الضغوط الأمريكية وألزمت العدو الإسرائيلي بوقف النار، مستشهدًا بالفقرة الأولى من المذكرة التي تنص على إعلان الولايات المتحدة وإيران وحلفائهما وقفًا فوريًا ودائمًا للعمليات العسكرية على كافة الجبهات بما فيها لبنان، والتعهد بعدم المبادرة إلى أي حرب أو تهديد باستخدام القوة، مع ضمان سلامة الأراضي اللبنانية وسيادتها، على أن يتم التوصل للاتفاق النهائي خلال ستين يومًا.

واستنكر قاسم الشروط التي تضمنها “اتفاق الإطار” الجديد، معتبرًا إياها سقطة مريعة وخطيئة كبرى، حيث سمح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتمكين الجيش اللبناني في منطقتين تجريبيتين فقط تحت مراقبة العدو لخطوات الانتشار ونزع السلاح، وبإشراف اللجنة الثلاثية، لترتبط الخطوات اللاحقة بشهادة حسن سلوك من الاحتلال وتنفيذ ما عجز عنه في الميدان العسكري، مستشهدًا بتصريحات نتنياهو حول بقاء إسرائيل في الحزام الأمني حتى تجريد حزب الله من سلاحه ومنع عودة الأهالي، وهو ما يشرعن الاحتلال لسنوات طويلة قد تنتهي بضم الأراضي للكيان الصهيوني وحرمان اللبنانيين من ديارهم.

واختتم قاسم بيانه بالتشديد على أن ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح المقاومة من عموم لبنان يمثل طرحًا بالغ الخطورة يتجاوز كافة الخطوط الحمراء ويجعل البلاد ألعوبة بيد الاحتلال، جازمًا بأن السلاح لن يُنزع قطعًا ولا يحق لأحد حرمان اللبنانيين من حق الدفاع عن النفس، داعيًا السلطة اللبنانية للتراجع عن هذه الخطيئة والتعاون لبناء استراتيجية أمن وطني واستعادة الأسرى وإعادة الإعمار، مع تأكيده على استمرار المقاومة في الميدان لحماية أمانة الشهداء ودحر الاحتلال بالكامل، بناء على البيان الرسمي الذي نقلته شبكة آر تي الإخبارية الروسية.

احتجاجات لمناصري “حزب الله” في بيروت رفضاً لـ”اتفاق الإطار”.. والجيش اللبناني ينتشر لضبط الأمن

شهدت الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، مساء اليوم، تجمعات احتجاجية لأنصار “حزب الله” تحت جسر المشرفية، رفضاً لـ”اتفاق الإطار” الذي أُعلن توقيعه بين لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل بهدف ترتيب الأوضاع الأمنية في جنوب لبنان.

وتخللت الاحتجاجات عمليات قطع لعدد من الطرق الرئيسية، بينها طريق سليم سلام والطريق المؤدي إلى مطار رفيق الحريري الدولي، من قبل محتجين من مناصري الحزب، ما أدى إلى اضطراب مؤقت في حركة التنقل داخل العاصمة.

وأظهرت مشاهد ميدانية انتشاراً مكثفاً للجيش اللبناني في عدد من مناطق بيروت، في إطار إجراءات أمنية تهدف إلى منع أي تطورات ميدانية أو احتكاكات محتملة. كما نجحت القوات الأمنية في فض اعتصام لمناصري “حزب الله” أمام السراي الحكومي، وسط انتشار أمني واسع.

وجاءت هذه التحركات عقب إعلان واشنطن وتل أبيب توقيع “اتفاق إطاري” مع لبنان، يهدف إلى تنظيم الترتيبات الأمنية في جنوب البلاد، في خطوة أثارت اعتراضات واسعة داخل أوساط الحزب ومؤيديه.

وفي هذا السياق، حذر النائب عن “حزب الله” حسن فضل الله السلطات اللبنانية من المضي في تنفيذ الاتفاق، معتبراً أن تطبيق بنوده بدعم أمريكي قد يدفع البلاد نحو “حرب أهلية”، بحسب تعبيره.

وأكد فضل الله أن الحزب سيواجه أي خطوات رسمية تهدف إلى تنفيذ الالتزامات الواردة في الاتفاق، مشدداً على تمسك “حزب الله” بسلاحه “أكثر من أي وقت مضى”، ومؤكداً أن المعارضة لهذه الخطوة “جدية ولن تسمح بتنفيذ الالتزامات على أرض الواقع”.

ويأتي رفض “حزب الله” للاتفاق في ظل استمرار الربط الإيراني بين مستقبل الحزب ومسار التفاهمات الجارية مع الولايات المتحدة. وتشير تقديرات سياسية إلى أن طهران سعت إلى إبقاء الملف اللبناني ودور الحزب ضمن إطار المباحثات الأوسع، رغم تركيزها الأساسي على إنهاء المواجهة مع واشنطن وإعادة فتح مضيق هرمز.

ويرى مراقبون أن “حزب الله” لا يزال يمثل بالنسبة إلى إيران ورقة استراتيجية مهمة في معادلاتها الإقليمية، ورمزاً لنفوذها السياسي والعسكري في المنطقة، رغم الضربات التي تعرض لها خلال الفترة الماضية والتي أضعفت قدراته مقارنة بالسنوات السابقة.

وعقب انتهاء التحركات الاحتجاجية، ساد هدوء حذر في العاصمة اللبنانية، فيما أبقى الجيش اللبناني قواته في حالة جهوزية ميدانية تحسباً لأي تحركات جديدة أو تطورات أمنية محتملة.

اقترح تصحيحاً