يعتبر مفهوم الشرعية السياسية أحد الأعمدة الأساسية في النظامين الإقليمي والدولي، بوصفه معيارًا للاعتراف بالحكومات، وضابطًا للتدخلات الخارجية، وأداة لحماية سيادة الدول، وتقوم الشرعية في العلاقات الدولية – نظريًا -على ثلاثة مرتكزات هي: اعتراف الدولي، أساس دستوري أو توافق سياسي داخلي.
غير أن التجربة العربية الرسمية خلال العقد الأخير، تكشفت عن ازدواجية واضحة في التعامل مع الشرعية. إذ لم تكن الشرعية السياسية في ممارسات أنظمة الدول العربية مفهومًا قيمي متفق عليه ويُحتكم إليه، بقدر ما أصبحت أداة انتقائية تُحترم في سياق، وتُهمَّش أو يُعاد تعريفها في سياق آخر، تبعًا للمصالح والهواجس الأمنية والأيديولوجية لكل نظام سياسي (ولا أقول دولة) بعيدا عن الغطاء الجامع المتمثل في ميثاق الجامعة العربية(*)، وتخضع أحيانا إلى هوى الحاكم.
وتجلت هذه الازدواجية المتناقضة بوضوح في التعاطي العربي مع أزمتي ليبيا واليمن. وقد أشرت إلى هذا التناقض وتأثيرها على الأمن القومي العربي في العديد من مداخلاتي على قناة الغد خلال حرب طرابلس 2019-2020، فرغم تشابه السياق العام المتمثل في انهيار الأنظمة الحاكمة في اليمن وليبيا، وتعرض هاتين الدولتين إلى صراعات داخلية على السلطة تزداد تعقّيدا باستدامتها، تعامل النظام العربي الرسمي مع الشرعية السياسية على معنيين مختلفين.
في اليمن، تحت شعار “حماية الشرعية”، حظيت حكومة عبد الهادي منصور المعترف بها دوليًا بدعم عربي واسع، سياسيًا وعسكريًا، إذ تكون شبه إجماع عربي على دعم الحكومة المعترف بها دوليا، وتكون التحالف العربي الذي ضم كل من السعودية كقائد للتحالف والإمارات ومصر والأردن والبحرين والسودان والمغرب، وتم تدخل عسكري مباشر معلن تحت غطاء عربي واضح دفاعًا عنها.
في ليبيا، فقد جرى الاعتراف رسميًا بحكومة الوفاق الوطني، لكن ذلك لم يمنع دولًا عربية مؤثرة من دعم قوة عسكرية سعت لإسقاطها بالقوة، ضمت هذه الدول كل من مصر والإمارات والسعودية والبحرين والأردن، فكان اعتراف هذه الدول اعتراف دبلوماسي شكلي بحكومة الوفاق، ودعم فعلي لخليفة حفتر عسكريًا أو سياسيًا، تحت مبررة محاربة الإرهاب.
هذه المفارقة تطرح سؤالًا جوهريًا: هل الشرعية مبدأ أم مجرد خطاب سياسي؟
الواقع يشير إلى أن الشرعية، في الممارسة العربية الرسمية، لا تُقاس فقط بالاعتراف الدولي أو الأساس الدستوري، بل بمدى توافق السلطة القائمة مع تصورات إقليمية معينة عن الأمن والاستقرار. فحين تُنظر إلى حكومة ما بوصفها ضعيفة، أو تضم قوى أيديولوجية غير مرغوب فيها، تصبح شرعيتها موضع تشكيك، حتى وإن كانت معترفًا بها دوليًا. في المقابل، تُمنح “شرعية ضمنية” لسلطات عسكرية أو أمر واقع، بحجة قدرتها على فرض النظام.
يلعب العامل الأيديولوجي دورًا حاسمًا في هذه الازدواجية، خصوصًا في ما يتعلق بالإسلام السياسي. فالحكومات التي تضم أطرافًا قريبة من هذا التيار تُعامل بريبة، بينما يُنظر إلى الحكم العسكري كخيار أقل كلفة، مهما افتقر إلى التفويض الشعبي. وهنا تتحول الشرعية من مفهوم قانوني إلى تصنيف سياسي انتقائي.
كما تكشف هذه الازدواجية عن هيمنة العقل الأمني الرسمي على القرار العربي، حيث يُفضَّل “الاستقرار القابل للضبط” على مسارات سياسية مفتوحة غير مضمونة النتائج لمصالح الدولة المتدخلة. ويُضاف إلى ذلك غياب منظومة عربية ملزمة قادرة على توحيد المواقف أو فرض قواعد واضحة لاحترام الشرعية، ما يترك المجال واسعًا لتفسيرات متناقضة للفعل ذاته، بما في ذلك توصيف “الانقلاب”.
خطورة هذا النهج لا تكمن فقط في تناقضه الأخلاقي أو القانوني، بل في نتائجه العملية، حيث تعمل على إطالة أمد الصراعات، وتقويض فرص بناء الدولة، وإفراغ مفهوم الشرعية من مضمونه. فعندما تُكافأ القوة على حساب القانون، يصبح السلاح أداة تفاوض، لا الدولة، وهذه النتائج باتت واضحة جلية في الحالة الليبية.
لقد تجلت خطورة هذه الممارسة في الحدث الأخير والصراع الذي تصاعد بين الإمارات والسعودية، وبين تحالف حفتر ومصر. ففي حالة السعودية – الإمارات، نظرة السعودية إلى سيطرة عيدروس المدعوم إماراتيا بأنه تهديدا امنيا لها، وبالتالي سارعت إلى دعم الحكومة المعترف بها وأنهت هذا التهديد الأمني. الإمارات بدعمها لعيدروس كانت تسعى إلى تقسيم اليمن وتحقيق مكاسب استراتيجية واقتصادية لها بسبب موقع جنوب اليمن الجغرافي، أي أن كلتا الدولتين لم تسعى إلى خدمة اليمن بقدر خدمة أهدافها الاقتصادية والاستراتيجية، والتي كان ممكن تحقيقها في دعم يمن موحد.
مصر أيضا، دعمها لحرب طرابلس التي لم تكن لتحدث لو لم تكن مصر طرفا فيها، بني على توجه إيديولوجي ادخل الأزمة الليبية في نفق صعب الخروج منه، لكن حليف الأمس انقلب على داعمه، واصبح سبب قلاقل أمنية تحاصر مصر من الجنوب.
رغم ما تكشفه التجربة العربية من ازدواجية في التعامل مع الشرعية، فإن تصحيح المسار لا يزال ممكنًا. والحالة الليبية واليمنية ، والآن السودان كفيله بإعادة التفكر في تفادي هذه الإشكالية، يتطلب ذلك إعادة تعريف جماعي للشرعية بوصفها التزامًا سياسيًا وقانونيًا لا يخضع للظرفية والإيدلوجية، وربط الاستقرار ببناء مؤسسات شرعية لا بفرض الأمر الواقع. فدعم المسارات السياسية الجامعة، واحترام الحكومات المنبثقة عن توافق أو انتخابات، يبقى الطريق الأقل كلفة والأكثر استدامة.
- لقد كتبت عن التدخل المصري في الأزمة الليبية في مقال لي نشر على صفحة “عين ليبيا” تحت عنوان “الأمن القومي القومي وخطوط مصر الحمراء”
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.






اترك تعليقاً