أعلن الحوثيون، الأربعاء 16 سبتمبر 2026، إسقاط طائرة حربية سعودية من طراز إف-15 في أجواء محافظة مأرب، فيما كشفت مراسلات أمريكية اطلعت عليها صحيفة الشرق الأوسط عن توجيه واشنطن تحذيرًا إلى الجماعة عبر قنوات أمنية، مع تأكيد أمريكي أن هذه القنوات لا تعني وجود مفاوضات معها.
وقال الناطق العسكري باسم الحوثيين العميد يحيى سريع، في بيان، إن الطيران الحربي السعودي نفذ خلال الأسبوع الجاري أكثر من 450 غارة جوية باستخدام طائرات إف-15 وتايفون، انطلقت، بحسب روايته، من قاعدتي خميس مشيط والطائف واستهدفت محافظات تعز ولحج والجوف وحجة ومأرب وصعدة والبيضاء، ما أسفر، وفق البيان، عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين.
وأضاف سريع أن القوات المسلحة اليمنية، بحسب وصفه، أسقطت طائرة حربية سعودية من طراز إف-15 أثناء تنفيذها أعمالًا عدائية دعمًا للتحشيدات العسكرية السعودية في أجواء محافظة مأرب، مشيرًا إلى أن إسقاطها جرى بواسطة صاروخ أرض-جو محلي الصنع.
ولم يصدر تعليق سعودي يؤكد إسقاط المقاتلة حتى وقت إعداد التقرير، فيما نقلت تقارير أن الرياض أعلنت في الوقت نفسه اعتراض طائرة مسيّرة قرب مكة، واتهمت الحوثيين بالوقوف وراء الهجوم.
وقال سريع إن القوات المسلحة اليمنية نفذت، في السياق نفسه، عملية تصدٍّ لتشكيلين قتاليين سعوديين من طرازي إف-15 وتايفون في أجواء مأرب، مستخدمة صواريخ محلية الصنع، مضيفًا أن الطائرات كانت تبحث عن حطام المقاتلة التي أعلن الحوثيون إسقاطها، وأنها أُجبرت على التراجع.
وأكد الناطق العسكري أن القوات المسلحة اليمنية ستواصل، وفق البيان، حماية أجواء اليمن وسيادته من أي عدوان أو انتهاك بكل الوسائل المتاحة، مضيفًا أن سماء اليمن لن تكون مستباحة.
ورداً على الاتهامات المتعلقة باستهداف مكة المكرمة، نفى سريع ما وصفها بالافتراءات والأكاذيب السعودية بشأن استهداف المدينة المقدسة، وقال إن العمليات القادمة من اليمن تستهدف المنشآت النفطية والقواعد العسكرية، التي وصفها بأنها بعيدة عن المشاعر المقدسة.
وفي موازاة التصعيد العسكري، كشفت مراسلات أمريكية اطلعت عليها صحيفة الشرق الأوسط عن تحذير وجهته واشنطن إلى الحوثيين عبر قنوات أمنية، فيما أكدت المراسلات أن الولايات المتحدة لا تتفاوض مع الجماعة.
ولم توضح المراسلات مضمون التحذير الأمريكي، لكنها أشارت إلى أن استخدام القنوات الأمنية لا يعني وجود مفاوضات بين الطرفين، ولا يشير بالضرورة إلى صفقة أو اتفاق سياسي.
وجاء التوضيح الأمريكي بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس تحدثا فيها عن وجود تواصل مع الحوثيين، من دون أن يوضح أي منهما طبيعة هذا التواصل.
وأشارت الشرق الأوسط إلى أن محاولة الحوثيين ترتيب أوراقهم جاءت عقب عمليات عسكرية استمرت أسابيع وانتهت، بحسب الصحيفة، بتقدم الجماعة في الساحل الغربي المطل على باب المندب، ما أثار مخاوف بشأن الملاحة الدولية عبر المضيق الذي يمر من خلاله نحو 12 في المائة من التجارة العالمية.
وخلال جلسة لمجلس الأمن بشأن باب المندب، الثلاثاء، أكدت واشنطن دعمها للحكومة اليمنية في مواجهة الحوثيين، وقالت: تدعم الولايات المتحدة الحكومة الشرعية في اليمن في تصديها لميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، ونطالب الحوثيين بوقف تقدمهم والانسحاب من الأراضي التي استولوا عليها والكف عن شن الهجمات.
ميدانيًا، تستعد الحكومة اليمنية لرفع مستوى الجاهزية بهدف استعادة زمام المبادرة بعد التراجع الذي شهدته جبهات تعز والساحل الغربي، بينما سجلت القوات الحكومية تقدمًا بطيئًا لكنه بدا أكثر تماسكًا في جبهات أخرى، بينها الجوف والبيضاء، إلى جانب تصديها لهجمات حوثية وتجمعات عسكرية للجماعة قرب مأرب.
وتخوض القوات الحكومية معارك مع الحوثيين الذين بدأوا التصعيد خلال أغسطس 2026، بينما يتهمهم مناهضوهم بخرق خفض التصعيد استنادًا إلى توجيهات تهدف، بحسب هذه الاتهامات، إلى تخفيف الضغط عن إيران، واستخدام الجماعة من جانب قوات الحرس الإيراني للضغط على الولايات المتحدة خلال الحرب التي شنتها واشنطن منذ فبراير 2026 وتصاعدت بعد تهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز.
وتقول الشرق الأوسط إن استخدام القنوات الأمنية بين واشنطن والحوثيين لا يعني بحد ذاته وجود مفاوضات أو صفقة أو قبول بالتطمينات التي تقدمها الجماعة.
وقال البراء شيبان، الزميل في معهد الدفاع والأمن البريطاني روسي، إن الحوثيين يحاولون، من خلال الحديث عن فتح قنوات تواصل مع الإدارة الأمريكية، تعويض ما وصفه بالاعتراف الإقليمي والدولي بتحركات الجماعة.
وأوضح شيبان أن هذا النوع من التواصل الأمني تفتحه الإدارات الغربية مع الميليشيات والجماعات المصنفة إرهابية، لكنه يظل محدودًا وخارج الأطر الدبلوماسية والسياسية، ويقتصر على الجوانب الأمنية الحساسة أو الطارئة.
وأثار الحديث عن تواصل الحوثيين مع الولايات المتحدة اهتمامًا داخل اليمن، خصوصًا في ظل خطاب الجماعة المعادي لواشنطن وما يتضمنه شعارها من الدعوة إلى الموت لأمريكا.
ويرى محمود شحرة، الزميل في معهد العلاقات الدولية الملكي البريطاني شاتام هاوس، أن التطورات الحالية تمثل جزءًا من استراتيجية الحوثيين، وتعد، بحسب تقديره، امتدادًا لسلوك وتكتيكات إيران والحرس الثوري في إدارة التفاوض.
وقال شحرة، وهو دبلوماسي يمني سابق، إن سلوك الحوثيين يقوم على التدرج في التصعيد، ثم خوض معركة خاطفة، وعند تحقيق مكسب خلالها يبدأون في تقديم تطمينات لتجنب الانخراط في حرب شاملة.
وأضاف أن هذا السيناريو ظهر، بحسب تقديره، في باب المندب، موضحًا أن الحوثيين حققوا مكسبًا كبيرًا ويسعون حاليًا إلى تثبيته، ولذلك يحتاجون إلى تطمينات تحول دون تعرضهم لرد سريع، وهو ما يفسر، وفق قراءته، محاولتهم طمأنة الأمريكيين والمجتمع الدولي.
وأشار شحرة كذلك إلى أن الحوثيين يحاولون بصورة مستمرة عزل خصومهم، معتبرًا أن هذا الأسلوب تكرر في مراحل سابقة.
واستشهد بما حدث بعد دخول الحوثيين صنعاء، قائلًا إن الجماعة بدأت بتقديم تطمينات إلى مختلف القوى السياسية، ثم بعد تثبيت وجودها كانت تجتمع بصورة منفردة مع كل طرف وتقول إن خصمها هو طرف آخر، إلى أن تخلصت منهم جميعًا، مضيفًا أن الجماعة تحاول استخدام الأسلوب نفسه على المستوى الدولي، بصرف النظر عن مدى قدرتها على تحقيق ذلك.
وتشهد عدة محافظات يمنية، بحسب المعطيات الواردة، اشتباكات بين القوات اليمنية والقوات المدعومة من السعودية، بالتزامن مع غارات جوية سعودية استهدفت محافظات بينها مأرب والجوف وتعز والحديدة.
وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تصعيدًا عسكريًا جديدًا، مع تقدم الحوثيين على ساحل البحر الأحمر واقتراب المعارك من باب المندب، فيما أدت التطورات الأخيرة إلى نزوح أكثر من 100 ألف شخص داخل اليمن، بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.





